قال أبو عبيدة: حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابنى بغيض ابن ريث بن غطفان. وكان السبب الذى هاجها أنّ قيس بن زهير وحمل ابن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيّهما يكون له السّبق. وكان داحس فحلا لقيس بن زهير. والغبراء حجر «٤» لحمل بن بدر، فتواضعا الرّهان على مائة بعير، وجعلا
[ ١٥ / ٣٥٦ ]
منتهى الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، ثم قاداهما إلى رأس الميدان بعد أن ضمراهما أربعين ليلة. وكان فى طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر فى تلك الشّعاب فتيانا على طريق الفرسين وأمرهم إن جاء داحس سابقا أن يردّوه عن الغاية، ثم أرسلوهما، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس، فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلمّا أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبراء فقال قيس: «جرى المذكّيات «١» غلاب «٢»» فذهبت مثلا. فلمّا شارف داحس الغاية ودنا من الفتية وثبوا فى وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففى ذلك يقول قيس بن زهير:
وما لاقيت من حمل بن بدر وإخوته على ذات الإصاد «٣»
همو فخروا علىّ بغير فخر وردّوا دون غايته جوادى
وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابنى بغيض، فركدت أربعين سنة لم تنتج ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب. فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حقّ السّبق، فقال قيس: كلّا لا مطلتك به، ثم أخذ الرمح فطعنه فدقّ صلبه، ورجعت فرسه غائرة، واجتمع الناس فحملوا دية مالك مائة ناقة عشراء «٤» وزعموا أنّ الرّبيع بن زياد العبسىّ حملها وحده فقبضها حذيفة وسكن الناس.
[ ١٥ / ٣٥٧ ]
ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة «١» من أرض الشربّة «٢» فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله، ففى ذلك يقول عنترة:
فلله عينا من رأى مثل مالك عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا قيد غلوة وليتهما لم يرسلا لرهان
فقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة وردّوا علينا مالنا، فأبى حذيفة أن يردّ شيئا، وكان الربيع بن زياد مجاورا لبنى فزارة.
قال: فلمّا قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه، فقال لهم الربيع: ما هذا الوحى؟ قالوا: قتلنا مالك ابن زهير، قال: بئس ما فعلتم بقومكم! قبلتم الدّية ورضيتم بها ثم غدرتم! فقالوا:
لولا أنك جارنا لقتلناك، وكانت خفرة الجار ثلاثا، فقالوا له: بعد ثلاث ليال أخرج عنّا، فخرج واتّبعوه فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده.
ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بنى فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد، ورئيس بنى فزارة حذيفة بن بدر.