قد ذكر الله ﷿ ذلك فى كتابه العزيز فقال: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «٢» آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)
»
الآية. روى عن فروة «٤» بن مسيك عن رسول الله ﷺ أنه لمّا أنزل فى سبأ ما أنزل قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ فقال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنّه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستّة وتشاءم منهم أربعة، فأمّا الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأمّا الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون «٥» وحمير وكندة ومذحج وأنمار» فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» .
أخرجه أبو داود فى سننه والترمذىّ فى جامعه.
وكانت أرض مأرب من بلاد اليمن متّصلة العمارة مسيرة ستّة أشهر، وقيل أزيد من شهرين للراكب المجدّ، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة ستّة أشهر؛
[ ١٥ / ٣٣٢ ]
فكانت المرأة إذا أرادت أن تجتنى من ثمارها [شيئا «١»] وضعت المكتل «٢» على رأسها وخرجت تمشى بين الأشجار وهى تغزل وتعمل ما شاءت، فلا ترجع إلّا وقد امتلأ مكتلها مما يتساقط فيه من الثمار.
واختلف فى مأرب، فقيل: إنه اسم ملك تلك الأرض فسمّيت به، قال الشاعر «٣»:
من سبأ «٤» الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما
وقيل: هو اسم لقصر الملك، وفيه يقول أبو الطّمحان:
ألم تروا مأربا ما كان أحصنه وما حواليه من سور وبنيان
قال: وكان أوّل من خرج من اليمن بسبب سيل العرم عمرو بن عامر مزيقيا، وقد ذكرناه فى الأنساب «٥»، وإنّ سبب تسميته مزيقيا أنه كان يلبس فى كلّ يوم حلّة وقيل حلّتين، وهو الأشهر، ثم يمزّقهما عشيّة نهاره لئّلا يلبسهما غيره، فكان هذا دأبه فى كلّ يوم.
[ ١٥ / ٣٣٣ ]
وكان سبب خروجه من اليمن واطّلاعه على خبر سيل العرم قبل حدوثه دون غيره من الناس أنه كان له امرأة كاهنة يقال لها: طريفة الخير، وكانت قد رأت فى منامها أنّ سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم أصعقت فأحرقت كلّ ما وقعت عليه، ففزعت طريفة الخير لذلك فزعا شديدا وأتت إلى زوجها عمرو بن عامر وقالت: ما رأيت اليوم أزال عنى النوم. فقال لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت غيما أرعد وأبرق طويلا ثم أصعق فما وقع على شىء إلّا احترق. قال: فلمّا رأى ما داخلها من الرّوع والفزع سكّنها.
ثم إنّ عمرا بعد ذلك دخل حديقة له ومعه جارية من بعض جواريه، فبلغ ذلك امرأته طريفة فخرجت إليه ومعها وصيف لها اسمه سنان «١»، فلمّا برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلها، واضعات أيديها على أعينها. قال:
والمناجد: دوابّ تشبه اليرابيع «٢» . فلمّا نظرت طريفة إليها قعدت الى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرنى، فلمّا ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة، فلمّا عارضها خليج الحديقة التى فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت فى الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع، وتستعفر بيديها وتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول. فلمّا رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض. فلمّا عادت السّلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين انتصف النهار فى ساعة شديدة الحرّ فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح، فلمّا رآها عمرو استحيى منها وأمر الجارية بالتنحّى
[ ١٥ / ٣٣٤ ]
ثم قال لها: ما أتى بك يا طريفة؟ فكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إنّ الشجر لهالك، وليعودنّ الماء كما كان فى الزمن السالك. قال لها عمرو:
ومن خبّرك بهذا؟ قالت: أخبرنى المناجيد بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد.
قال: فما تقولين؟ قالت: أقول قول النّدمان لهفا، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفا، وتقذف بالبول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ. قال عمرو: وما ترين فى ذلك؟ قالت: هى داهية دهياء من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة. قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل، إنّ فيه الويل، ومالك فيه من نيل، وإنّ الويل فيما يجىء به السيل. فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال:
ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وخزى طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه. قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب الى السدّ فإن رأيت جرذا يكثر يديه فى السدّ الحفر، ويقلب برجليه مراجل الصّخر، فاعلم أن الغمر غمر «١»، وإن [قد «٢»] وقع الأمر. قال: وما هذا الذى تذكرين؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نكل. قال: فانطلق عمرو الى السدّ فحرسه فإذا لجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إليها وهو يقول:
أبصرت أمرا عادنى منه ألم وهاج لى من هوله برح السّقم
من جرذ كفحل خنزير الأجم أو كبش صرم من أفاويق الغنم
يقلب صخرا من جلاميد العرم له مخاليب وأنياب قضم
ما فاته صخر من الصخر قصم
[ ١٥ / ٣٣٥ ]
فقالت طريفة: وإنّ من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك؛ فإنّ الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادى ورمله، وقد علمت أنّ الجنان مظلّلة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء. فقال لها عمرو: متى يكون هلاك السدّ؟ فقالت: فيما بينك وبين سبع سنين. فقال: ففى أيّها يكون؟ فقالت:
لا يعلم ذلك إلّا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بينى وبين السبع سنين إلّا ظنت أنّ هلاكنا فى غدها أو مسائها.
ثم رأى عمرو بعد ذلك فى منامه سيل العرم وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء «١» قد ظهرت فى سعف النخل وكربه «٢»، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنّ ذلك واقع، وأنّ بلادهم ستخرب لا محالة؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كلّ شىء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده، ثم خشى أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرّر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر فى ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر، ففعل ذلك. فلمّا لطمه ابنه- وكان اسمه مالكا- صاح عمرو: واذلّاه! يوم فخر عمرو يهينه صبىّ ويضرب وجهه! وحلف ليقتلّنه، فسأله القوم ألّا يفعل، فحلف ألّا يقيم بموضع صنع به فيه هذا، وليبيعنّ أمواله حتى لا يورث بعده. فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ما هو له بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء، فلمّا اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن، وخرج
[ ١٥ / ٣٣٦ ]
لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عكّ حتى مات عمرو بن عامر وتفرّقوا بعده فى البلاد؛ فمنهم من صار الى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار الى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وصارت أزد الشّراة الى أرض الشّراة، وأزد عمان الى عمان، ومالك بن فهم الى العراق.
ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيّىء فنزلت بجبلى طيّىء: أجا وسلمى، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسمّوا خزاعة لانخزاعهم [من أخواتهم «١»]، وتمزّقوا فى البلاد كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)
ثم أرسل الله ﷿ السيل على السدّ فهدمه.
واختلف فى العرم ما هو؟ فقيل: السدّ واحدته عرمة، وقيل: هو الجرذ.
وكان السدّ فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان صفّه لحجارة السدّ بالرّصاص فرسخا فى فرسخ. ويقال: إنّ الذى بناه كان من ملوك حمير. وقد ذكر ذلك ميمون.
ابن قيس الأعشى فقال:
وفى ذلك للمؤتسى أسوة ومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير إذا جاء موّاره لم يرم
فصاروا أيادى ما يقدرون منه على شرب طفل فطم
فأروى الزروع وأعنابها على سعة ماؤها إذ قسم
[ ١٥ / ٣٣٧ ]