قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابىّ أتى صديقا له من كندة. فالتفّ عليه وطلبه الملك فخفى ذكره، ثم شخص من عند الكندىّ وأضمرته «٢» البلاد حتى استجار بزياد أحد بنى عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لمعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم فإنه لا طاقة
[ ١٥ / ٣٥٣ ]
لنا بالشّهباء ودوسر، وهما كتيبتان للأسود بن المنذر، فأبت عجل ذلك عليهم، فلمّا رأى الحارث بن ظالم ذلك كره أن تقع الفتنة بينهما بسببه، فارتحل من بنى عجل الى جبلى طيّىء فأجاروه، فقال فى ذلك:
لعمرى لقد حلّت بى اليوم ناقتى الى ناصر من طيّىء غير خاذل
فأصبحت جارا للمجرّة فيهم على باذخ يعلو يد المتطاول
اذا أجأ لفّت علّى شعابها وسلمى فأنّى أنتم من تناولى «١»
فمكث عندهم حينا. ثم إن الأسود بن المنذر لمّا أعجزه أمره أرسل الى جارات كنّ للحارث بن ظالم استاقهنّ وأموالهنّ، فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الجبلين فآندسّ فى الناس «٢» حتّى علم مكان جاراته ومرعى إبلهنّ فأتاهنّ واستنقذهنّ واستاق إبلهنّ فألحقهنّ بقومهنّ. واندسّ فى بلاد غطفان حتّى أتى سنان بن أبى حارثة المرّىّ وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير. وكان الأسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان، وهى من بنى غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان، وهو فى ناحية الشّربّة، فأتى به سلمى امرأة سنان وقال لها: يقول لك بعلك: ابعثى ابنك مع الحارث فإنى أريد أن أستأمن له الملك، وهذا سرجه لك آية. قال: فزيّنته ودفعته اليه، فأتى به ناحية من الشّربّة فقتله وهرب من فوره، وهرب سنان بن أبى حارثة. فلمّا بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا بنى ذبيان فقتل وسبى، وأخذ الأموال، وأغار على بنى دودان رهط سلمى، فقتلهم وسباهم، ثم وجد بعد ذلك نعلى شرحبيل فى جانب الشّربّة عند بنى محارب بن خصفة، فغزاهم وأسرهم وأحمى لهم الصّفا وقال: إنى أحذيكم نعالا، فأمشاهم عليها، فسقطت أقدامهم. ثم إن سيّار بن عمرو بن جابر
[ ١٥ / ٣٥٤ ]
الفزارىّ احتمل للأسود دية ابنه ألف بعير ورهنه بها قوسه، فوفاه بها وقال فى ذلك:
ونحن رهنّا القوس ثمّت فوديت بألف على ظهر الفزارىّ أقرعا
بعشر مئين للملوك وفى بها «١» ليحمد سيّار بن عمرو فأسرعا
قال: ثم هرب الحارث فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار به فأجاره، وكان من سببه وقعة رحرحان التى تقدّم ذكرها. ثم هرب حتى لحق بمكة وقريش لأنه يقال:
إنّ مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان إنما هو مرّة بن عوف بن لؤىّ بن غالب، فتوسّل إليهم بهذه القرابة وقال فى ذلك:
اذا فارقت ثعلبة بن سعد وإخوتهم نسبت الى لؤىّ
الى نسب كريم غير وغل وحىّ من أكارم كلّ حىّ
فإن يك منهم أصلى فمنهم قوانين الإله بنو قصىّ
فقالوا له: هذا نسب رحم كرشاء «٢» اذا استغنيتم عنها أدبرتم. قال: فشخص [الحارث «٣»] عنهم غضبان وقال فى ذلك:
ألا لستم منّا ولا نحن منكم برئنا إليكم من لؤىّ بن غالب
غدونا «٤» على نشر الحجاز وأنتم بمنشعب «٥» البطحاء «٦» بين الأخاشب «٧»
وتوجّه الى الشام فلحق بيزيد بن عمرو الغسّانىّ فأجاره وأكرمه. وكانت ليزيد ناقة محماة، فى عنقها مدية وزناد وصرّة ملح، يمتحن بها رعيّته لينظر من يجترئ عليه،
[ ١٥ / ٣٥٥ ]
فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما فانطلق الى الناقة فانتحرها وأتاها بشحمها وفقدت الناقة فأرسل الى الخمس التغلبىّ، وكان كاهنا، فسأله عنها، فأخبره أنّ الحارث صاحبها، فهمّ به الملك ثم تذمّم «١» من ذلك، فأوجس الحارث فى نفسه شرّا فأتى الخمس التغلبىّ فقتله، فلمّا فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتنى فلا تغدرنى، قال الملك: لا ضير إن غدرت بك مرّة فقد غدرت بى مرارا، وأمر ابن الخمس به فقتله، وأخذ ابن «٢» الخمس سيف الحارث، فأتى به سوق عكاظ فى الأشهر الحرم «٣»، فأراه قيس بن زهير العبسىّ فضربه به قيس فقتله.