قال: ثم اجتمعوا فالتقوا فى يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة «١» واقتتلوا من أوّل النهار إلى أن انتصف، وحجز الحرّ بينهم، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بنى عبس، إنّ حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة «٢» مستنقع فى جفر الهباءة فعليكم بها، فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف: فرس حذيفة، والحيفاء: فرس حمل بن بدر، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة، فبصر بهم حمل بن بدر فقال: هذا قيس بن زهير قد أتاكم، فوقف قيس وأصحابه على جفر الهباءة وهو يقول: لبّيكم لبّيكم! يعنى إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون! وفى الجفر حذيفة وحمل وبدر ومالك بنو بدر، وورقاء بن بلال «٣»
[ ١٥ / ٣٦٠ ]
من بنى ثعلبة بن سعد. وحنش بن عمرو «١»، فوقف عليهم شدّاد بن معاوية العبسىّ، فحال بينهم وبين خليهم، ثم توافت فرسان بنى عبس فقال حمل:
ناشدتك بالرحم يا قيس، فقال: لبّيكم لبّيكم! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم فانتهر حملا فقال: إيّاك والمأثور من الكلام، فذهبت مثلا، وقال لقيس: لئن قتلتنى لا تصلح غطفان بعدها أبدا! فقال: أبعدها الله ولا أصلحها، وجاءه قرواش بمعبلة «٢» فقصم صلبه، وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه:
تعلّم أنّ خير الناس ميت على جفر الهباءة ما يريم «٣»
ولولا ظلمه ما زلت أبكى عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدر بغى والبغى مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ علىّ قومىّ وقد يستجهل الرّجل الحليم
وما رست الرجال وما رسونى فمعوجّ وآخر مستقيم
ومثّلوا بحذيفة بن بدر كما مثّل بالغلمة، فقطعوا مذاكيره وجعلوها فى فيه وجعلوا لسانه فى استه، ففى ذلك يقول قائلهم:
فإنّ قتيلا بالهباءة فى استه صحيفته إن عاد للظّلم ظالم
متى تقرأوها تهدكم من ضلالكم وتعرف إذا مافضّ عنها الخواتم
[ ١٥ / ٣٦١ ]
وقال عمرو بن الأسلع:
إنّ السماء وإنّ الأرض «١» شاهدة والله يشهد والإنسان والبلد
أنى جزيت بنى بدر بسعيهم على الهباءة قتلا ما له قود
لمّا التقينا على أرجاء جمّيتها والمشرفيّة فى أيماننا تقد
علوته بحسام ثم قلت له: خذها حذيف فأنت السيّد الصّمد
فلمّا أصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمّعوا، وعرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا الى اليمامة فنزلوا بأخوالهم من بنى حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببنى سعد بن زيد مناة.