وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز حتى عمت العراق جميعه، واشتدت، وسبب ذلك أن عز الدولة قلت الأموال عنده، وكثر إدلال «١» جنده عليه، واطراحهم لجانبه، وشغبوا عليه مرة بعد مرة، فتعذر عليه الفرار، ولم يجد وزيره جهة يحتال منها، فتوجّه إلى الموصل في هذه السنة؛ ليستولى عليها من أبى تغلب بن حمدان، فلم يفتح عليه بطائل، ولم يحصل له من المال ما يسد به الخلّة، فرجع، وقصد الأهواز ليتعرض إلى واليها بختكين «٢» أزاذرويه، ويعمل له حجة يأخذ منه مالا ومن غيره، فسار بختيار، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد، فلما وصل إلى الأهواز خدم واليها بختيارا، وبذل من نفسه الطاعة، وحمل إليه أموالا جليلة، وبختيار مع هذا يفكر في طريق يأخذه بها، فاتفقت فتنة الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل دارا بالأهواز، ونزل بعض الأتراك بالقرب منه، وكان هناك لبن موضوع، فأراد غلام الديلمى، أن يبنى به «٣» معلفا للدواب، فمنعه غلام التركى، فتضاربا، وخرج كل من الدّيلمى والتركى لنصرة غلامه، فضعف التركى عنه «٤»، فركب، واستنصر بالأتراك، فركبوا،
[ ٢٦ / ١٩٨ ]
وركب الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بعض قواد الأتراك، فطلب الأتراك بثأر صاحبهم، وقتلوا من الديلم قائدا، وخرجوا ظاهر البلد، واجتهد بختيار في تسكين الفتنة، فعجز عن ذلك، فجمع الديلم، واستشارهم فيما يفعله، وكان أذنا، فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك، فأحضر أزاذرويه، وكاتبه سهل بن بشر، وسباشى الخوارزمى، وبكتيجور، وكان حموا لسبكتكين، فقيدهم، وأطلق أيدى الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم، وقتل بينهم قتلى، فهرب الأتراك، وأخذ بختيار أقطاع سبكتكين، وأمر فنودى في البصرة بإباحة دم الأتراك. والله أعلم بالصواب.