وفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وصلت جيوش العزيز نزار صاحب مصر لمحاصرة حلب، وسبب ذلك أن ابن المغربى لما انهزم من سعد الدولة إلى الكوفة عند القبض على آل بكجور كاتب العزيز يستأذنه فى الانضمام إليه، والانحياز إلى جهته، فأذن له، فسار إليه، ودخل القاهرة في يوم الخميس النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره فى عظائم الأمور، ويأتمنه على الأسرار، فلما بلغه وفاة سعد الدولة حسّن للعزيز أن يبعث جيشا إلى حلب، وكان العزيز قد بعث [بمنجوتكين] «٣» التركى في جيش إلى دمشق في تاسع شهر رمضان
[ ٢٦ / ١٥٨ ]
سنة إحدى وثمانين، وأمره بحرب منير الذى كان قد تسلّم دمشق من بكجور، ولأنه كان قد عصى على العزيز، فأمره أنه إذا أخذ دمشق يمضى إلى حلب، واستكتب العزيز بن المغربى، فسار إلى دمشق، وهزم منيرا، واستولى على البلد للعزيز، وأقام بها إلى أن انسلخت سنة إحدى وثمانين، وسار إلى حلب، وكان لؤلؤ قد كتب إلى بسيل ملك الروم، وعقد بينه وبين أبى الفضائل بن سعد الدولة كما كان بينه وبين أبيه، فأمر بسيل «البرجى» «١»» صاحب أنطاكيه أن يكون ظهرا لأبى الفضائل على كل من يقصده، وينجده متى طلبه. ولما نزل منجوتكين على حلب قاتلها مدة شهرين فلم يظفر منها «٢» بشىء، فاستظهر عليه أبو الفضائل ولؤلؤ غاية الاستظهار، فعاد عنها في شهر رمضان وولى حمص «٣» لمعضاد الحمدانى. ثم سار إلى حلب في سنة ثلاث وثمانين، ثم عاد عنها وسار إليها في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وقد جمع واستعد، فنازلها وضايقها مدة شهرين، فبعث لؤلؤ إلى البرجى صاحب أنطاكية في الحضور إليه، فجمع الروم. وكان قد خرج إليه من بلاد الروم رئيس عظيم عندهم يقال له: أصابع الذهب، فجمع أيضا من أمكنه، وسارا بمن معهما حتى نزلا على نهر المقلوب «٤»، فأقاما هناك، ورجع منجوتكين عن حلب، ونزل بإزائهما، وكان عسكره أكثر من جمعهما، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على الروم،
[ ٢٦ / ١٥٩ ]
وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين، وعاد منجوتكين إلى محاصرة حلب، فحاصرها من شعبان إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين، فاشتد الحصار على أهلها، وكانت الأخبار ترد على بسيل ملك الروم وهو ببلاد البلغر «١» وله بها سنين كثيرة، وقد استحوذ على أكثرها، فخاف على حلب فترك قتال البلغر، ورجع إلى «٢» القسطنطينية، وخرج في نحو أربعين ألفا من خواص أصحابه يركبون البغال الرهاوين ويجنبون «٣» الخيل، وسار لا يلوى على متأخر ولا يقف «٤» لمنقطع فوصل إلى [إعزاز] «٥» في سبعة عشر ألفا، وعزم على أن يكبس منجوتكين، فنمى الخبر إليه، فانهزم لوقته، وسار إلى دمشق.