وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يخاطب بملك الملوك، فامتنع، ثم أجاب إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فأفتى قاضى القضاة أبو الطيب «١» الطبرى،
[ ٢٦ / ٢٥٧ ]
والقاضى أبو عبد الله الصيمرى «١»، والقاضى ابن البيضاوى، بجواز ذلك، ومنع منه أقضى القضاة أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردى الشافعى، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، فخطب لجلال الدولة بملك الملوك، وكان الماوردى من أخص الناس بجلال الدولة، وهو يتردّد إلى دار الملك في كل يوم، فلما أفتى بالمنع انقطع، ولزم بيتة من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، استدعاه جلال الدّولة، فحضر خائفا، فأدخل عليه وحده، فقال له:
قد علم الناس أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا، وقد خالفتهم فيما وافق هواى «٢»، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتّباع الحق، وقد بان لى موضعك من الدين، ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك، بأن أدخلتك إلىّ وحدك، وجعلت إذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودى إلى ما تحبّ، فشكره ودعا له، وأذن لكلّ من حضر للخدمة بالانصراف «٣»، والله أعلم.