وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة سار معز الدولة إلى كرمان، وسبب ذلك أن أخويه: عماد الدولة، وركن الدولة لما تمكنا من بلاد فارس، وبلاد الجبل، وبقى هو، وهو الأصغر بغير ولاية يستبد بها رأيا أن يسيّراه إلى كرمان، فسار إليها في عسكر ضخم، فلما بلغ السيرجان «١» استولى عليها، وجبى أموالها، وأنفقها في عسكره، وكانت عساكر نصر بن أحمد السامانى صاحب خراسان تحاصر محمد بن إلياس بن اليسع بقلعة هناك، فلما بلغهم إقبال معز الدولة، ساروا عن كرمان إلى خراسان، فتخلص محمد بن إلياس من القلعة، وسار إلى مدينة قم، وهى على أطراف المفازة بين كرمان، وسجستان، فسار إليه معز الدولة، فرحل عن مكانه إلى سجستان بغير قتال، فسار ابن بويه إلى جيرفت وهى قصبة كرمان، واستخلف ثمّ بعض أصحابه، فلما قارب جيرفت أتاه رسول على الديحى «٢» المعروف بعلى كلويه، وهو رئيس القفص البلوص «٣»، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية إلا أنهم يجاملون كل سلطان يرد البلاد،
[ ٢٦ / ١٨٠ ]
ويطيعونه، ويحملون إليه مالا معلوما ولا يطئون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع من قبوله إلا بعد دخول جيرفت، فتأخر على كلوية نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل ابن بويه جيرفت، وصالح على كلويه، وأخذ رهائنه، وخطب له، فلما استقر الصلح بينهما أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بقصد على والغدر به، وهون عليه أمره، وأطمعه في أمواله، وقال له:
إنه قد ترك الاحتراس، وسكن إلى الصلح، فأجابه إلى ذلك، وركب نحوه جريدة، وكان على متحرزا قد وضع العيون على ابن بويه، فعند ما تحرك للمسير بلغه ذلك، فجمع أصحابه، وكمنهم بمضيق على الطريق، فلما اجتاز ابن بويه بهم ثاروا ليلا من جوانبه، فقتلوا من أصحابه، وأسروا، ولم يفلت إلا اليسير، وجرح معز الدولة عدة جراحات، وأصابته ضربة في يده اليسرى، فقطعتها من نصف الذراع، وأصابت يده اليمنى ضربة أخرى، فسقط بعض أصابعه، وسقط إلى الأرض، وقد أثخن بالجراح، وبلغ الخبر إلى جيرفت، فهرب من بها من أصحابها، ولما أصبح على كلويه تبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين «١» وقد أشرف على التلف، فحمله إلى جيرفت «٢»، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله إلى عماد الدولة بالاعتذار، ويعرفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقر بينهما الصلح، وأطلق كل
[ ٢٦ / ١٨١ ]
من عنده من الأسرى، وأحسن إليهم، ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على ابن بويه، فسار من سجستان إلى جنّابه، فتوجه إليه معز الدولة، وواقعه، ودامت الحرب بينهما عدة أيام، فانهزم ابن إلياس، وعاد ابن بويه بالظفر، وسار إلى على كلويه لينتقم منه، فلما قاربه أسرى على أصحابه الرجّالة، فكبسوا عسكره ليلا في ليلة شديدة المطر، فأسروا منهم، وقتلوا، ونهبوا وعادوا، فلما أصبح ابن بويه، سار نحوهم، فقتل منهم عددا كثيرا، وانهزم علىّ، وكتب معز الدولة إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه، ومع ابن إلياس، فأمره أخوه بالوقوف مكانه، ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائدا من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدى منهزما من ابن رائق وبجكم، وأطمع عماد «١» الدولة في العراق، فسير معه معز الدولة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية في أيام الراضى بالله.