وبه الثقة الحمد لله الذي لا فضل إلا منه، ولا طول إلا من لدنه، وصلى الله على كاشف الغمة عن الأمة، نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
وصل الله بسيدي (الجليل) جناح الصنع الجميل، وواصل لديه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بقربه ربيع نفسي، وأراه بناظر فهمه في مرآة علمه الصقيلة الساحة والأرجاء، الصافية من دنس الأقذاء، أن ما أبديه وأظهره، غير ما أطويه وأضمره، من ناطق الود، عن صادق العهد، وخالص الحب، عن مخلص القلب، كالنقطة في البحر، والذرة في القفر. (شعر):
يا من عقدتُ بحبِّهِ دونَ الورى حبلَ اعتلاقي
فأخذتُ منه بموثقِ الأك؟ ؟راب مشدود العراقي
لم يرقْ جارُ أبي دؤا دٍ معقلًا، أنا منكَ راقِ
أجني بهِ ثمرَ المنى غضَّ الجنى عذب المذاقِ
في حين أمَّنني الرَّدى ووقى من الحدثانِ واقِ
قيَّدتَ مطلقَ همَّتي وملكتَ لي رقَّ اشتياقي
فالقلبُ موقوفٌ عليكَ الدَّهرَ وهو إليكَ تاقِ
وافى كتابكَ مشرقًا بحلى معانيهِ الدِّقاقِ
وأنا في الجّوابِ مقصرٌ عن رومِ أسباب اللِّحاقِ
ولو أنَّ مطبوعَ الحجازِ يمدُّ مصنوع العراق
وملكت ذاكَ فسقتُهُ بقريحتي خيرَ المساقِ
لسعيتُ مرخى الذيلِ بالتقص؟ ؟ير محلولَ النطاقِ
لا أستقلُّ مشمرًا أجري إلى قصبِ السباقِ
ليس الرقيقُ من الرَّكيك ولا الزُّلالُ من الزُّعاقِ
أنا لا أزال أطال الله بقاءك، وأدام نعماءك أطأ بساط كرمك، وأطالع من بسيط نعمك، ما أقابل به كريم عهدك، وأقبل عليه من صميم ودك، وأقابل معه من عظيم مجدك، وأجتلي فيه من زهر أنعامك واقتفائك، وأجتني له من ثمر إكرامك واحتفائك، ما أقول إذا غمر صدري، وبهر فكري: اللهم نصرًا، على ما لا أطيق له شكرًا، من فضل ينتظم بأخيه، ويلتئم مع ما يليه، مما يكثر أعداد تواليه، ويقل اعتداد مواليه، وهو بخنصر الفخر محسوب (و) في صفحة الدهر مكتوب، يقرأ في أعلام الإنعام، طرازًا على الأيام، يحني بصفائح الصحائف وأسنة الأقلام، قبل أن تمحى آثاره، وتنطفئ أنواره، فلا زلت راتعًا في زهرة رياضك، شارعًا في غمرة حياظك، فإنها رياض لا تغض جفون غضارتها، ولا تغيض عيون نضارتها، وحياض تصدر القلوب الصادية عن مواردها الصافية، وقد رويت غللها، وشفيت عللها، إذا جرعها الفراق من مر مذاقه، وسقاها الدهاق من زعاقه:
قرأتُ على قلبي كتابكَ إذ أتى وقلتُ له: هذا أمانكَ في الدَّهرِ
به يرجع نافرك، إذا طار طئرك، ولا يسكن لاعجك، إذا هاج هائجك، فهو العوذة للهاجس، من خطر الوساوس، والراحة للنفس، من فقد الأنس، والشفاء للقلب، من طول الكرب، إذا كان معلم الجمال، وعلم الكمال، وباعث الجذل، ودافع الوجل، وحضور السرور، وذهاب الأوصاب، والمحذور، فياله من طرس، أحيا حشاشة نفس، وكتاب أماط مضاضة اكتئاب، فقلت لما رأيت ما يكاد يبيض الحبر من نوره، ويعبق المسك من كافوره: (شعر)
نقشتَ بحالِكِ الأنقاس نورًا جلا لعيوننا نورًا وزهرا
فدبِّج من بسيطِ الفكر روضًا أنيقًا مشرقَ الجنبات نضرا
لو استسقى الغليلُ به لأروى أو استشفى العليلُ به لأبرا
هفا عطرُ الجنوبِ له نسيمٌ أقول إذا أناسمُ منه نشرا
نثرتَ لنا على الكافورِ مسكًا ولم تنثُرْ على القرطاسِ حبرا
أمرت فيه أعلى الله أمرك، وأسنى قدرك قلبًا لا يتقلب إلاّ في طاعتك وصبًا لا يتصرف إلا في مرضاتك، أن يمد يد الاختيار والاستجادة، لما يقع منك بحسب الإشارة والإرادة، من تصنيف كتاب لطيف، ينظم نظم العقود، ويرقم رقم البرود، في مقطعات أدب كقراضة الذهب، من شذور منثور، وعيون موزون، ترتاح الأرواح إلى خفة أرواحها، وكثرة غررها وأوضاحها، ولطف متونها وحواشيها، وحسن عيونها ومعانيها، المشرقة التذهيب، المونقة التهذيب، التي إذا جلبت للطبع الذكي، وجليت على السمع الكفي، هزته أريحية الكريم إذا انتشى بماء الكروم: (شعر):
بسماعٍ أرقَّ من دمعة الصبِّ وشكوى المتيَّم المهجور
[ ١ ]
تجتني الأذن منه أحسن مما تجتني العينُ من وجوهِ البدور
يشغلُ الفهمَ منظرٌ ثمَّ نطقٌ فهو يصغي بظاهرٍ وضمير
صافح الأذنَ بالذي تشتهيهِ فأذاقَ النفوسَ طعم السُّرورِ
وقلت: اجعله كالمختصر في الكتاب الموسوم بزهر الآداب وثمر الألباب، الذي ضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل طريفة، فجاء بديع الغرر، رفيع الدرر، صحيح الحوك، مليح الحبك. (شعر):
ألذُّ من النجوى وأطيبُ نفحةً من المسكِ مفتوقًا وأيسر محملا
أخفُّ على روحٍ وأثقلُ قيمةً وأقصر في سمعِ الجليس وأطولا
ليكون لما استعاره من حليه، ولبس من حلله، وأخذ من صفاته، وسلك من سبله، كالأنموذج له والمدخل إليه، والمعرف به، والمنبه عليه، فيكون المطلع على أغراضه ومقاصده، والمتصفح لمصادره وموارده، كالعارف بما في ذاك والواقف على ما هناك، فقديمًا دلت الأوائل على الأواخر، وعرفت البواطن من الظواهر.
فأجبتك إلى ما إليه أشرت، على ما أحببت وآثرت، من غرائب العجائب، وظرائف اللطائف، وجواهر النوادر، وقرنت الفصول بالأصول، وضممت الأشعار إلى الأخبار، ووشحتها بالمستندر والمختار من كلام ملوك النظم والنثر، من أفراد أهل العصر، الذين قهروا السابقين، وبهروا اللاحقين، بكريم عنصر البلاغة وصميم جوهر البراعة، والتهاب الإبريز في إغراب التطريز، (شعر):
من كلِّ معنىً يكادُ الميتُ يفهمهُ حسنًا ويعبدهُ القرطاسُ والقلمُ
والنفوس قد طبعت على استطراف ما سمعت، مما لم يتكرر فيتكدر، ويتوالى على الأسماع، فتمجه الطباع، وتكثر روايته، فتمل حكايته، ولو كنت أعلم غيب ما لديك، لما أوردت شيئًا مما وقع إليك، من حديث ولا قديم، وفي نثير ولا نظيم، ولكنني أجهد جهدي، وأبذل ما عندي. (شعر):
فإن وقفتْ بي قدرتي دونَ همَّتي (فمبلغُ نفسٍ عذرها مثل منجحِ)
ومع علمي أنك أغرق في الفهم نصولًا، وأعرق في العلم أصولًا، فلعله يمر بك في تضاعيف هذا التأليف شيء تستندره، مما تؤثره، فيكون عيي سعيدًا، ويقع سهمي سديدًا، ببلوغ الزلفى من حبك، والقربى من قلبك، وتلك أمنيتي حتى ألقي منيتي التي لا أتعداها ولا أتمنى سواها.
وفيما ألقي إليك في هذا الكتاب، الذي هو "نور الطرف ونور الظرف"، المختار الكثير مما ليس في الكتاب الكبير، وإنما كان كالمخ من سبيكته، والمح من تريكته، لأنه يحذو حذوه، وينحو نحوه، في ملاحة النثر. ورجاحة الشعر، دون الاستلاب لنفيس مطارفه، والاجتلاب لنفوس طرائفه، وإنما يدل عليه، ويهدي إليه، بدليل الاقتدار على جميل الاختيار، [إذا الاختيار] ميسم العقل، ومعلم الفضل، وهو باب يتصافى ولا يتنافى، ويتشاكل ولا يتنافر، ويتعارف ولا يتناكر، فإذا عرض هذا المختصر على نيران الفكر، وعجم بإنسان النظر، (شعر):
فكان كالذَّهبِ المعروف مخبرهُ يزيدُ في السبكِ للدينارِ دينارًا
وكذلك جميع ما صنفته، وكل ما ألفته، وإن أجريت إلى غير لك، في جميع المسالك، (شعر):
فلستُ بأوّلِ ذي همَّةٍ دعتهُ لما ليسَ بالنائلِ
وأنا أقسم بالله يمينًا ما كنت أوليها، لو خفت حنثًا فيها، ما حركني الأشر، ولا أدركني البطر، ولا ملكني الإعجاب، فأقول في مثل هذا الكتاب، (شعر):
والمرء يُفتنُ بابنهِ وبشعرهِ لكنَّ هذا فتنةُ العقلاءِ
وإني لأرضى من الوبل بالذهاب، بل من الغنم بالإياب، وحسب العاقل أن يسلم دون أن يغنم، لما يعلم من تحكك المعارضين أو تحرك المناقضين، (شعر):
وإنّ امرأً أمسى وأصبحَ سالمًا من الناسِ إلاّ ما جنى لسعيدُ
لا سيما فيما ليس بمعجزٍ ولا معوزٍ، وإنما هي فروع تنتزع وتنقل، لا أصول تخترع وتوصل. وليس للناقل من الفضل أكثر من تجويد النقل، وقد قالوا: "اختيار المرء وافد عقله، ورائد فضله"، وقالوا: "اختيار الكلام أشد من نحت السلام"، وقال حكيم اليونانيين: "لكل شيءٍ صناعة وصناعة الاختيار صناعة العقل" وأنشدوا (شعر):
قد رضيناكَ باختيارك إذا كا ن دليلًا على اللبيبِ اختيارهُ
وقال بعض المحدثين:
قالوا: خذ العينَ من كلٍّ فقلتُ: همُ في العينِ فضلٌ ولكن ناظر العينِ
حرفانِ في ألفِ طومارٍ مسوِّدة=وربَّما لم تجد في الألف حرفينِ
[ ٢ ]
ولم أوغل في هذا الكتاب كما أوغلت في "زهر الآداب وثمر الألباب" من تعليق المعاني بما تعلق بأفنانها، وتشبث بأغصانها، وتسرب في شجونها، وتشرب من عيونها، إذ لو توفرت في التصريف على ما يوجبه التصنيف في تلك التصاريف، لأخللت بالإحسان في الافتنان، فنثرت ما سطرت على غير تبويب، وجمعت ما صنفت على غير ترتيب، وذلك أقرب لنشاطك، وأوجب لانبساطك.
ولعل ما تركت أولى مما أدركت، إذ كان قليلًا من كثير، وثمادًا من بحور، ولكن إذا لم يخص المؤلف وجهًا يقصده، ولا فنًا يعتمده، فكل الكلام تمتد إليه حباله وتنثال عليه رماله، فإنما حقه انتقاء ما اتصل بناظره، واقتفاء ما وصل إلى خاطره، إذ لا معنى يقتضيه دينه، إلا وغيره يقتضيه عينه.
وقد خفت أن أخرج بصدر الكتاب إلى معيب الإسهاب. والداعي إلى الإطالة وإن صارت إلى الملالة، والاستمتاع في مكتبتك بلذة مخاطبتك التي هي أجمل من وصل المهجور، وأفضل من أمن المذعور، (شعر):
وأحسنُ موقعًا منّي وعندي من البشرى أتتْ بعد النَّعيِّ
وهذا حين أبتدي وبالله أهتدي.
حدثني أبو محمد الحسن بن القاسم قال: حدثنا أبو الخير رواحة بن عبد الله الهاشمي بالري قراءةً عليه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا يموت بن المزرع عن خاله أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال: يحب للرجل أن يكون سخيًا لا يبلغ التبذير، حافظًا لا يبلغ البخل، شجاعًاُ لا يبلغ الهوج، محترسًا لا يبلغ الجبن، حييًا لا يبلغ العجز، ماضيًا لا يبلغ القحة، قوالًا لا يبلغ الهذر، صموتًا لا يبلغ العي، حليمًا لا يبلغ الذل، منتصرًا لا يبلغ الظلم، وقورًا لا يبلغ البلادة، نافذًا لا يبلغ الطيش.
ثم رأيت رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله ﵇: "خير الأمور أوساطها". فعلمت أنه ﵇ أوتي جوامع الكلم.، (وعلم) فصل الخطاب.
قلت أنا: وليس بعض كلامه ﷺ بأولى من بعض بالتقديم، ولا أحق بالإجلال والتعظيم، وإنما بدأت بكلمته تيمنًا ببركته.
وأنا أحذف أسانيد ما رويته، وآتي بمتون ما رأيته، إذ هي الغرض المطلوب من استمالة القلوب، بما تحويه من سحر البيان، وسر البرهان.
وقد قال الجاحظ يصف كلام النبي ﷺ: استعمل التوسط وهجر الغريب ورغب عن الهجين، فلم ينطق إلا عن حكمة، ولم يأت إلا بكلام حف بالعصمة، وسدد بالتأييد، وهو الكلام الذي ألقى الله ﷿ عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والجلالة والإفهام، وقلة عدد الحروف، مع قلة حاجة السامع إلى معاودته، فلم تسقط له كلمة، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم إلا أفحمه. خطيب بذ الناطقين، وحاز قصب السابقين، لم يلتمس إسكات الخصم بنا لا يعرفه الخصم، ولم يحتج إلا بالصدق، ولم يطلب الفلج إلا بالحق، لا يلمز، ولا يهمز ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، فلا يسمع الناس كلامًا أعم نفعًا، ولا أقصد لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه ﷺ.
كان علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام هجا علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة، جلس يومًا للمظالم فمرت عليه في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:
وافى ابنُ عيسى وكنتُ أضغنُهُ أشدُّ شيءٍ عليَّ أهونهُ
ما قدر الله ليسَ يدفعهُ وما سواهُ فليس يمكنُهُ
فقال (علي) بن عيسى: صدق ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدًا.
وكان ابن بسام فصيح اللسان، صحيح البيان، جميل الثناء، خبيث الهجاء، ولم يكن له حظ في التطويل، وإنما تحسن مقطعاته، وتندر أبياته، وهو القائل:
أما ترى اللّيلَ قد ولَّتْ غيابُهُ وعارضُ الفجرِ بالإشراقِ قد طلعا
فاشربْ على وردةٍ قدمتْ كأنَّها خدُّ ريمٍ فامتنعا
وقال يرثي علي بن يحيى بن (أبي) منصور بن المنجم:
قد زرتُ قبركَ يا عليّ مسلِّمًا ولك الزِّيارة من أقلِّ الواجبِ
ولو استطعتُ حملت عنكَ ترابهُ فلطالما عنّي حملتَ نوائبي
[ ٣ ]
وقد أنشد هذين البيتين أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، قال: أنشدني علي بن سليمان السلمي لنفسه، فأنشدهما وزاد (فيهما):
ودمي، فلو أني علمتُ بأنَّهُ يروي ثراكَ، سقاهُ صوبُ الصائبِ
لسفكتهُ أسفًا عليكَ وحسرةً وجعلت ذاك مكانَ دمعٍ ساكبِ
ولئن ذهبتَ بملءِ قبركَ سؤددًا فجميلُ ما أوليتَ ليس بذاهبِ
وقال ابن بسام أيضًا:
كم قد قطعتُ إليك من ديمومةٍ نُطفُ المياه بها سوادُ الناظرِ
في ليلةٍ فيها السماءُ مرِذَّةٌ سوداءْ مظلمةٌ كقلبِ الكافرِ
والبرقُ يخفقُ من خلالِ سحابهِ خفقَ الفؤادِ لموعدٍ من زائرِ
والقطرُ منهلٌّ يسحُّ كأنّه دمعُ المودِّع إثر إلفٍ سائرِ
ومن ظريف ما في هذا المعنى قول بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشئ حيث يقول:
خليليَّ هل للمزنِ مهجةُ عاشقٍ أم النَّارُ في أحشائها وهي لا تدري
أشارت إلى أرضِ العراقِ فأصبحتْ وكاللُّؤلؤِ المنثورِ أدمعها تجري
سحابٌ حكتْ ثكلى أُصيبتْ بواحدٍ فعاجت له نحوَ الرِّياضِ على قبرِ
تسربلُ وشيًا من خزوزٍ تطرَّزت مطارفها طرزًا من البرقِ كالتّبرِ
فوشيٌ بلا رقمٍ ونقشٌ بلا يدٍ ودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغر
وكتب أبو الفتح محمود بن الحسين السندي المعروف بكشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك بقوله:
هو يومُ شكٍّ يا عليُّ وأمرهُ مذ كان يحذرْ
والجوُّ حلَّتهُ ممس؟ ؟كةٌ ومطرفة معنبرْ
والماءُ فضيُّ القميصِ وطيلسان الأرضِ أخضرْ
نبت يصعِّدُ زهرهُ في الرّوضِ قطر ندىً تحدَّرْ
ولنا فضيلاتٌ تكو ن ليومنا قوتًا مقدَّر
ومدامةٌ صفراءُ أد ركَ عهدها كسرى وقيصر
فانشط لنا لنحثَّ مِنْ كاساتنا ما كانَ أكبرْ
أو لا فإنّكَ جاهلٌ إن قلتَ: أنَّك سوف تعذرْ
وقال علي بن العباس الرومي:
من عذيري مِنْ أضعفِ النّاس ركنًا وبعينيهِ صولةُ الحجَّاجِ
شادنٌ يرتعي القلوبَ ببغدا دَ ولا يرتعي الكلا بالنّباحِ
ولئن قلتُ: شادنٌ إنَّ قلبي لأسيرٌ لغادةٍ مغناجِ
أقبلتْ والربيعُ يختالُ في الرَّو ضِ وفي المزنِ ذي الحيا الثَّجَّاجِ
ذو سماءٍ كأدكنِ الخزّ قد غيم؟ ؟ت وأرضٍ كأخضر الديباجِ
فتجلّى عن كل ما يُتمنّى موعد الكذْ خذاةِ والهيلاجِ
فظللنا في نزهتين وفي حس؟ نينِ بين الأرمالِ والأهزاجِ
بفتاةٍ تسرُّنا في المثاني وعجوزٍ تسرُّنا في الزُّجاجِ
أخذتْ من رؤوسِ قومٍ كرامٍ ثأرها عند أرجلِ الأعلاجِ
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو محمد الحسن بن (علي) بن وكيع:
قمْ فاسقني والخليجُ مضطربٌ والريحُ تثني ذوائبَ القصبِ
كأنَّها والرِّياحُ تعطفها صفُّ قنًا سندسيَّةِ العذبِ
والجوُّ في حلَّةٍ ممسَّكةٍ قد طرَّزتْها البروقُ بالذَّهبِ
وقال:
وسحابٍ إذا همى الماءُ فيه ألهبَ الرَّعدُ في حشاهُ البروقا
مثلُ ماءِ العيونِ لم يجرِ إلاّ ظلَّ يُذكي على القلوب حريقا
وقال أبو الفتح علي بن محمد البستي:
يومٌ له فضلٌ على الأيّامِ مزجَ السَّحابُ ضياءهُ بظلامِ
فالبرقُ يخفقُ مثلَ قلبٍ هائمٍ والغيم يبكي مثلَ طرفٍ هامِ
وكأنَّ وجهَ الأرضِ خدُّ متيَّمٍ وصلت سجامُ دموعهِ بسجامِ
فاطلبْ ليومك أربعًا هنَّ المنى وبهنَّ تصفو لذَّة الأيّامِ
وجهُ الحبيبِ ومنظرًا مستشرفًا ومغنيًا غردًا وكأس مدامِ
ومن مجموع ألفاظ أهل العصر في الربيع وحسن منظره، وفضل أحواله (وطيب) مخبره:
[ ٤ ]
أسفر الربيع عن ظلٍ سجسج، وروضٍ مدبجٍ، فعطر السهول والوعور، وعطل المسك والكافور. تبرجت الأرض للنظارة، وبرزت في معرض الحسن والنضارة. قد حلت يد الأمطار أزرار النوار، وأذاع النسيم أسرار الأزهار. والرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها، ناشرة حبرها ورياطها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها، وتبرجت في ظلل الغمام شجراؤها، وتفاوحت بنوافح المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، أشجارٌ كأنَّ الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلتها عقودها، انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار. يوم سماؤه كالخز الأدكن، وأرضه كالديباج الملون، يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغردة أطياره، ونحن في غب سماء قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، والنبت خضل ممطور، والنقع ساكن محصور. ريش ريش النسيم، وابتل جناح الهوى، وضربت خيمة الغمام، واغرورقت مقلة السماء، قام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق، كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوقٍ، سحاب حكة المحب في انسكاب دموعه. والتهاب ضلوعه. سحابة يضحك عن بكائها الروض، وتخضر لسوادها الأرض.
وقال أبو العباس النامي يمدح سعد الدولة أبا المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء بن عبد الله بن حمدان:
كأنَّ مرآةَ فهمِ الدَّهر في يدهِ يرى بها غائبَ الأشياءِ لم يغبِ
ما يرفعُ الفلكُ السَّامي سماءَ عُلًا إلاّ علاها شريفٌ كوكبُ العربِ
يا من بعينِ الرِّضى يلقى مؤملهُ والبخلُ يطبقُ أجفانًا على الغضبِ
أغربتَ في كلِّ معنىً طيبٍ حسنٍ فليس ذكركَ في أرضٍ بمغتربِ
لو يكتبُ المجدُ أسماءَ الملوكِ إذًا أعطاكِ موضع "بسم الله" في الكتبِ
أخذ قوله: " لو يكتب المجد.. البيت" من قول أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله (في ناقة):
وناقةٍ في مهمةٍ رمى بها همٌّ إذا نامَ الورى سرى بها
فهي أمامَ الركبِ في ذهابها كسطر "بسم الله" في كتابها
ومن ظريف ما جاء في ذكر اسم الله، وإن لم يكن في هذا المعنى، قول بعض أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمي:
أفي الحقِّ أن نُعطى ثلاثونَ شاعرًا ويحرمَ ما دون الرِّضى شاعرٌ مثلي
كما سامحوا عمرًا بواوٍ زيادةً وضويق "بسم الله" في ألفِ الوصل
دخل أبو دلف العجلي على المأمون، فقعد بينه وبين الحسن بن سهل، وكان عليه المأمون مغضبًا، فقال: أنت الذي يقول فيه علي بن جبلة العكوك:
إنَّما الدُّنيا أبو دلف بين مبداهُ ومحتضره
فإذا ولَّى أبو دلفٍ ولَّت الدُّنيا على أثره
فقال: يا أمير المؤمنين شهادة زورٍ، وقول غرور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، أصدق منه وأعرف بي ابن أخت لي حيث يقول:
ذريني أجوبُ الأرضَ في طلب الغنى فما الكرجُ الدُّنيا ولا النَّاس قاسم
وأنا كما قال بكر بن النطاح: شعر
أبا دلفٍ إنَّ الفقير بعينه لمن يجتدي جدوى يديك ويأمله
أرى لكَ بابًا مقفلًا متمنعًا إذا فتحوه عنك فاللُّؤم داخله
كأنَّك طبلٌ رائعُ الصَّوتِ معجب خلاءٌ من الخيرات قفر مداخله
وأعجب شيءٍ فيك تسليم أمره إليكَ على جهلٍ وأنَّك قابله
فأسفر له عن وجه الرضا، وقال [له] أخبرني عن عبد الله بن طاهر، فقال: أمين غيب، نصيح حرب، يستعذبه وليك إذا رام جوده، ويشرق به عدوك إذا عجم عوده، يرد معضلات الأمور بأيده، ويعرف مخبأة الصدور بكيده، وإنه في الشجاعة لكما قال العباس بن مرداس السلمي: (شعر)
أشدُّ على الكتيبةِ لا أبالي أحتفي كانَ فيها أم سواها
وفي الجود كما قال زهير:
تراه إذا ما جئتهُ متهلِّلًا كأنَّك مُعطيهِ الذي أنتَ سائله
فقال بعض الحاضرين: ما أفصحه على جبليته! فقال [الحسن بن سهل]: إن بالجبل قومًا أمجادًا، لهم ألسنة لا يفل غربها، ويراعة لا ينكسر قلبها وإنهم ليوفون السيف حقه يوم النزال، ويعطون اللسان حظه عند المقال، وإن أبا دلف منهم.
[ ٥ ]
وكان أبو دلف كريمًا وسيمًا، صريحًا فصيحًا، وهو القائل:
الحربُ تضحكُ عن كرِّي وإقدامي والخيلُ تعرفُ آثاري وأيَّامي
سيفي مُدامي وريحاني مثقَّفتي وهمَّتي مقةُ التَّفصيل للهامِ
وقد تجرَّد لي بالحسن ذو بدعٍ أمضى وأشجع مني يوم إقدامي
سلَّت لواحظهُ سيف السِّقام على جسمي فأصبح جسمي ربع أسقامي
وقال أيضًا:
أحبُّكِ يا جنانُ وأنتِ منّي محلُّ القلبِ في جسدِ الجبان
ولو أنّي أقول: محلُّ روحي لخفتُ عليكِ بادرة الزَّمانِ
لإقدامي إذا ما الخيلُ جالت وهابَ كماتها حرَّ الطعانِ
وكان أبو دلف يتعشق قينة بمدينة السلام، فإذا شخص إلى الحضرة ألم بها، فأتى في بعض الأوقات، كمتقدم العادات، فمشى فرسه على طرف طيلسان بعض التجار فقده، فأخذ بعنانه، وقال: يا قاسم ليس هذا كرجك، هذه حضرة أمير المؤمنين، الشاة والذئب فيها يشربان من ماء واحد، فثنى عنان فرسه راجعًا إلى الكرج، ولم يسلم على السلطان، ولا ودع الإخوان، وكتب إلى صاحبته يقول:
قطعتْ عن لقائكِ الأشغال وهمومٌ تترى عليَّ ثقال
في بلادٍ يهانُ فيها عزيزُ ال؟ ؟قوم حتى تنالهُ الأنذال
حيثُ لا مدفعٌ بسيفٍ عن الضي يم ولا للجياد فيه مجال
ومقامُ العزيزِ في بلد الهو نِ إذا أمكن الرّحيل محال
فعليكِ السَّلام يا ظبية الكر خِ أقمتم وحان منّا ارتحال
كتب بعض أهل العصر، وهو شمس المعالي بن وشمكير ملك جيلان وجرجان إلى بعض أصدقائه: كتبت أطال الله بقاء مولاي وما في جسمي جارحة إلا تود لو كانت يدًا نكاتبه، أو لسانًا يخاطبه، أو عينًا تراقبه، أو قريحة تعاتبه، بنفس ولهى، وبصيرة ورهى، وعين عبرى، وكبد حرى، منازعة إلى ما يقرب منه، وتمسكًا بما يتصل بي عنه، ومثابرة على أمل هو غايته، وتعلقًا بحبل عهد هو نهايته، وخاطري يميل نحوه ويحنو، ونفسي تأمل حنوه وترجو، وتقول: أتراه؟ بل لعله وعساه، يرق لنفسي قد تصاعد نفسها، ويرحم روحًا قد فارقها روحها ومؤنسها، فكيف بقلبه لو عاين صورة هذه صورتها، وشاهد مهجة هذه جملتها، فليرفق جعلت فداه بمن عاند برحًا عظيمًا، وكابد قرحًا أليمًا، وليرق لكبد مزقها البعاد، وعين أرقها السهاد، وأحشاء محرقة بنار الفراق، وأجفان مقرحة، بمدمعها المهراق، وقلب في أوصابه مقلب، ولب في عذابه معذب، ولو أني سعدت فأعطيت الرضى، وخيرت فاخترت المنى، لتمنيت أن أتصور صورتك، وأطالع طلعتك، فأمثل لها مثالي لتراه، وأخبر بكنه حالي [ومعناه]، أترفق ما أزله الدهر إلي، وأتلطف لإماطة ما أفاضه علي، وأشكو بعض ما نابني من نوائبه وغوائله، وأعلقني في أشراكه وحبائله، فإن كان ما رجوته مدركًا مبذولًا، وما بذلته مؤهلًا مقبولًا، وإلا تضرعت إلى الله تعالى في الخلاص، وسألته أن يأخذ لي بالقصاص، فوالله العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، ما لي طاقة بما تجدده الساعات من مقيم الاشتياق ومقعده، ولا استطاعة لما تؤكده الأوقات من أليم الفراق ومكمده، فإن عطف إلي استعطافي، وعاد إلى عيادتي وإلطافي، وأنعم في جوابي بمجاوبتي، وشفع في تشفيعي لمأربتي، واهتز اهتزاز المشوق إذا عوتب، ورجع رجوع الموموق إذا كوتب، كان كمن أعاد نفسًا في نفسه، ونشر ميتًا من رمسه، وحقن مهجة قد أراقت خالص دمها المسفوح، وأحرز دمعًا قد دمي جفنه المقروح، فلا يرغب جعلت فداه عن الأجر في مداواة عليل، ولا يغفل عن المساعدة في شفاء غليل. وليعلم أن الأوقات إذا انجلت وتعضت، والساعات إذا ترحلت وقوضت، تمده بما شكا، وتزيده مما حكى، وقد رجوت أن يتأمل رسالتي، ويتصور بالغيب حالتي، تأملًا يجرر فيه أذيال إحسانه ويسحبها، وينشر أثواب امتنانه ويصحبها، ويتطول بالطول في المكاتبة، ويعود إلى الفضل في المخاطبة، بما يبرئ عليلًا، ويشفي غليلًا، ويفك أسيرًا، ويحيي قتيلًا (إن شاء الله، والسلام) .
وكتب إليه جوابًا عن جواب رسالته هذه:
[ ٦ ]
وصل كتاب مولاي، جعلني الله فداه في النوائب كلها، مفصلها ومجملها، فأوصل نعمةً جددت الوصل، وأعادت الطول والفضل، وسادت ما تقدم من أخواتها رفعة وجلالًا، وعلت على ما سلف من أترابها علية وجمالًا، وذكرت كل ما قدم عن نعمه، وتقدم من كرمه، لا لقصور عن الأولى فيما يتلوها ويؤكدها، ولا لفتور عن الأخرى فيما ينشرها ويجددها، لكن لكل جديد لذة تستطاب، ولكل قادم فرحى في المآب، ولكل غريب دولة في الأحباب، وطرفة في الأزمان والأحقاب.
وأقبل علي بالسرور بإقباله فملك عناني، واسترقني بقدومه بأرق أجفاني، وغمرني ما يغمر الصب بمن يهواه، وسرني ما يسر الوامق بمن يراه، وعاد علي عائد بالبشاشة يعتادني، وطرقني طارق (بالمسرة) ينتابني، واجتمعت المسار في قلبي فتزاحمت وتلاصقت وتآلفت البشائر في صدري فتلاءمت وتضايقت، واستخفني الطرب في كل نوب، وحف بناحيتي من كل أوب، فيالها نعمةً زادت في الأمل ففسحته، وعمرت الصدر وشرحته، ويا لها منّة حلت العقد وأرضته، وباعدت الهجر وأوهته، ويا لها يدًا أيدت الأفضال وهذبته، وأوصلت الوصال وقربته، أحيا الله من أحيا نفسي بقدومها ووفودها، وأبقى من استبقاني برجوعها وورودها، وخفف ظهر من أثقل ظهري بحملها، وأضعف جوارحي بنقلها، فالحمد لله الذي رده إلى عادته المألوفة بعد جماحه، وعطفه علي عادة ظني فيه ومخيلتي له، إلى أيامه الغر وأوقاته الزهر، التي تفوق أيام الشباب حسنًا وبهجة، وإشراقًا وجدة، وساعاته التي هي أشهى من مسارقة النظر، ومخالسة القبل، وعيشه الذي ينسي سكرة الصب، ولذة الحب، وعهده الذي يوفي العهد، وينجز الوعد، وكتابه الذي هو أحسن من رياض الزهر، واشغف من العيون المراض، وأبهج من قدوم الغائب. وأزكى من الروض العازب، فكأن الأيام عفت آثار ما صنعه الهجر، ومحت نوافثها من الصدر، فأخمدت نارًا كان الغدر أومض شعاعها، وسكنت نفسًا كان الشوق هاج نزاعها، وقد كنت أتصور ذلك وأعلمه، وأتخيل موقعه وأتوسمه، قبل أن تقربه الزلفى، وتتواتر به البشرى، من رجوعه إلي، وانعطافه علي، فكان برقه غير جهام، وحسامه غير كهام، وأملي فيه محققًا، وظني به مصدقًا، والله يكفيني نوائب الهجر، ويقيني غوائل الغدر، ويقيمه على هذه الخليقة الوسيمة، ويجريه على هذه الطريقة المستقيمة، ولا يخيب فيه حسن ظنوني، ولا يكدر فيه صفاء يقيني، (إن شاء الله والسلام) .
وشمس المعالي القائل وقد جرت عليه نكبة:
قل للذي بصروف الدَّهرِ عيَّرنا هل عاندَ الدَّهرُ إلاّ من له خطرُ
أما ترى البحرَ تطفو فوقهُ جيفٌ ويستقرُّ بأقصى قعرهِ الدُّررُ
فإن تكن عبثتْ أيدي الزَّمانِ بنا ونالنا منْ تمادي بؤسهِ ضررُ
ففي السَّماءِ نجومٌ ما لها عدد وليس يُكْسَف إلاّ الشمسُ والقمرُ
وأما بيته الثاني فمن قول ابن الرومي:
دهرٌ علا قدرُ الوضيعِ به وغدا الرفيعُ يهينهً شرفهْ
كالبحر يرسُبُ فيهِ لُؤلُؤهُ سفلًا وتطفو فوقهُ جيفهْ
أكثر ابن الرومي من هذا المعنى، ومن جيد ما قاله منه قوله:
لمْ يضحكِ الشيبُ في فوديهِ بل كلحا سمِّ القبيح من الأسماء ما قبحا
في قصيدة يقول فيها:
قالت: علا النَّاسُ إلاّ أنت، قلت لها كذاكَ يسفلُ في الميزان ما رجحا
وقوله: "ففي السماء نجوم" في البيت الأخير من قول أبي تمام:
إنّ الرِّياح إذا ما استعصفتْ قصفتْ عيدان نجدٍ ولم يعبأنَ بالرَّتم
بناتُ نعشٍ ونعشٌ لا كسوف لها والشَّمس والبدر منه الدَّهر في الوقم
ولشمس المعالي وقد أهدى إليه عضد الدولة سبعة أقلام:
قد بعثنا إليك سبعة أقلا مٍ لها في البهاء حظٌّ عظيم
مرهفاتٍ كأنَّها ألسنُ الحيّ ياتِ قد حاز حدها التقويم
وتفاءلت إن ستحوي الأقا ليم بها كلُّ واحدٍ إقليم
وأهدى أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلابًا بقدر الدرهم محكم الصنعة، وكتب إليه:
أهدى إليكَ بنو الحاجاتِ واحتفلوا بمهرجانٍ عظيمٍ أنتَ تعليه
لكنَّ عبدك إبراهيمَ حين رأى سموَّ قدركَ عن شيءٍ يدانيه
لم يرضَ بالأرضِ يهديها إليك فقد أهدى لك الفلكَ الأعلى بما فيه
[ ٧ ]
وأهدى أبو أسامة الكاتب في يوم نوروز إلى بعض إخوانه سهمًا ودينارًا ودرهمًا، ووردة، وكتب إليه:
لا زلتَ كالوردِ نضيرَ الميسمِ ونافذًا مثل نفوذِ الأسهم
في عزِّ دينارٍ ونجح درهمِ
ولشمس المعالي في الرقيق من الشعر قوله:
ما ضرَّهم لو أسعدوا أو أرفقوا وتعمَّدوا لصنيعِ ما هو أليقُ
ما كنتُ أملكُ غيرَ نفسٍ حرَّةٍ رُهنتْ وأحسبُ أنَّ رهنيَ يغلقُ
أنا معدنُ الياقوتِ جسمي أصفرٌ ومدامعي حمرٌ وقلبيَ أزرق
وهذا البيت ينظر إلى قول محمد وكيع في فحواه دون نجواه، ولفظه دون معناه، وهو:
جوهري الأوصافِ يقصرُ عنه كلُّ وصفٍ وكلُّ ذهنٍ دقيق
شاربٌ من زبرجدٍ وثنايا لؤلؤٍ فوقها فمٌ من عقيق
ولأبي العباس عبد الله بن المعتز بالله في هذا النوع من الأبيات:
كأنَّ عذاريهِ على قمرٍ على قضيبٍ على دعصٍ رطيب الثَّرى ندي
تبسَّمَ إذا ما زحتهُ فكأنَّما تكشَّف دُرٌّ عن حجاب زبرجد
وقال الشريف العقيلي:
ومعذرينَ كأنَّ نبتَ خدودهم أقلامُ مسكٍ تستمدُّ خلوقا
قرنوا البنفسجَ بالشَّقيق ونظَّموا تحت الزبرجد لؤلؤًا وعقيقا
فهمُ الذين إذا الخليُّ رآهم وجدَ الهوى بهم إليه طريقا
وما أملح ما قال كشاجم:
وعذَّبني قضيبٌ في كثيبٍ تشارك فيه لينٌ واندماج
أغارُ إذا دنت من فيهِ كأسٌ على درٍّ يقبّلهُ زجاج
وشعر شمس المعالي يضعف عن نثره، ولكن الشيء يدخل في شفاعة غيره.
ومن الحسن في وصف الحسن قول ابن المعتز بالله:
ليلٌ وبدرٌ وغصنُ شعرٌ ووجهٌ وقدُّ
خمرٌ ودرٌّ وورد ريقٌ وثغرٌ وخدُّ
وقال بعض الظرفاء:
شادنٌ خدُّهُ وعين اهُ وردي ونرجسي
إن يبجد لي بخمرِ في هِ فقد تمَّ مجلسي
وقال كشاجم:
أيا نشوانُ من خمرٍ بفيه متى تصحو وريقك خندريس
أرى بك ما أراه بذي انتشاءٍ ألحَّ عليه بالكأس الجليس
تورَّدُ وجنةٍ وفتور طرفٍ تمِّرضه وأعطافٌ تميس
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي:
غزالٌ غيرُ وحشيٍّ حكى الوحشيُّ مقلته
رآه الوردُ يجني الور دَ فاستكساه حلَّته
وشمَّ بأنفهِ الرَّيحا نَ فاستهداهُ زهرته
وذاقت ريقه الصَّهبا ءُ فاختلستهُ نكهته
وقال ابن المعتز بالله:
قد صادَ قلبي قمرٌ يسحرُ منهُ النظرُ
بوجنةٍ كأنَّما يقدح منها الشَّررُ
وشاربٍ قد همَّ أو نمَّ عليه الشَّعر
ضعيفةٌ أجفانه والقلب منه حجر
كأنَّما مقلته من فعلهِ تعتذر
الحسن فيه كاملٌ وفي الورى مختصر
وقد قال ابن وكيع في المعنى الأخير من هذه الأبيات:
صوَّرهُ خالقنا جامعًا لكلِّ شيءٍ حسنٍ بارع
فكلُّ حسنٍ في جميع الورى مختصرٌ في ذلك الجامع
وقد قال ابن الرومي في مثل هذا المعنى:
لا شيءَ إلاّ وفيه أحسنه فالعينُ منهُ إليه تنتقل
فوائدُ العينٍِ فيه طارفةٌ كأنّما أخرياتُها الأُوَلُ
وقال ابن وكيع:
عشقت من لا ألامُ فيهِ وما يخلو من اللَّومِ كلُّ من عشقا
رأي الهوى في سواهُ مختلفٌ وأنتَ تلقاهُ فيه متفقا
فكلُّ قلبٍ إليه منصرفٌ كأنّما من جميعها خُلقا
ألم فيه بقول مخارق بن إبراهيم الموصلي: "كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كلًا بما يشتهيه".
وأخبرني بعض المصريين قال: كان ابن وكيع يهوى غلامًا نصرانيًا بتنيس، فلامه [فيه] بعض إخوانه وقال له: مكانك في العلم والأدب، وشرف الأصل والمركب [والمنصب] بحيث اشتهر في كل مكان، وظهر على كل لسان، وقد بلغت من الغرام بهذا الغلام إلى غاية تسوء وليك فيك، ويسر بها معاديك، فقال له: ويحك أرأيت من عليه لحيت، قال: لا، وأقبل الغلام وهما يتراجعان في الكلام وهو في صورة:
ليس فيها ما يقالُ لها كملتْ لو أنَّ ذا كملا
كلُّ جزءٍ من محاسنها كائنٌ من حسنهِ مثلا
[ ٨ ]
فقال له العاذل عندما بهره جماله، وجهره في كماله: لو في هذا ظهر أمرك، لقام عند الناس عذرك، فقال لوقته:
أبصرهُ عاذلي عليه ولم يكنْ قبل ذا رآهُ
فقال لي: لو هويتَ هذا ما لامك النَّاسُ في هواهُ
قل لي: إلى منْ عدلتَ عنه؟ فليس أهلُ الهوى سواهُ
فصار من حيثُ ليس يدري يأمرُ بالحبِّ من نهاه
والوكيعي مشرق الفكر، مونق الشعر، رائق الطلاوة، فائق الحلاوة، وهو القائل:
زادني في دجى الظلامِ البهيمِ قمرٌ بات مؤنسي ونديمي
بحديثٍ كأنّهُ عودةُ الصِّحةَ في ال جسم بعد يأسِ السَّقيم
تتلقّى القلوبُ منه قبولًا=كتلقّي المخمورِ بردَ النسيمِ وهذا كقوله:
ظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاسًا وكنتُ من عين الرَّقيبِ على حذارِ
ألذَّ من الصَّبوحِ على غمامٍ ومن بردِ النسيمِ على خُمارِ
وله:
غُصنٌ ظلَّ مثمرًا بظريفٍ من الثَّمر
ما رأى الناسُ قبلهُ غُصنًا أثمرَ القمر
قال لي إذا عجبتُ من هـ: ألا تحسنُ النظر؟
لا تقسْ غرسَ ربِّنا بالذي يغرسُ البشر
ومن ألفاظ أهل العصر في محاسن الغلمان والمعذِّرين: شادنٌ يضحك عن الأقحوان، ويتنفس عن الرَّيحان، كأنَّ قدَّهُ خوط بانٍ، سكرانُ من خمر طرفه، وبغداد مشرقة، من حسنه وظرفه، الشكل أجمع من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه الله من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقشه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالكمال أحد جدوده، له طرة كالغسق، على غرة كالفلق، جاء في غلالةٍ تنم بما يستره، وتجفو مع رقتها عما يظهره، له وجه بماء الحسن مغسول، وطرف يميل السحر مكحول، وثغر حمي حماية الثغور، وجعل ضرة لقلائد النحور، وما هو إلا خال في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وجهه عرس، وصدغه مأتم، ووصله جنة، وهجره جهنم، وإن كانت عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع، إذا تكلم تكشف حجاب الزمرد العتيق، عن سمطي الدر الأنيق. لعب ربيع الحسن في خده، فأنبت البنفسج في ورده.
قال أبو المقدام الأسدي: سالت علينا سائلة من طيئ، وكان غلام منا يختلف إلى جارية منهم فيتحدث إليها، فخرج يومًا في طلب إبل له، فأرسلوا رائدهم، فرجع وإذ هم ينفضون الأنماط، وقد قوضوا العمد، وأجمعوا على الظعن، فأنشأ الغلام يقول:
متى ما يقلْ أهلي: أقيموا، وتصبحي رهينةَ برقٍ بالشَّقيقة لاحق
أمت كمدًا من لوعةِ الحبِّ أو أكن كذي البثِّ أبلاه جلاءُ الأصادق
فقلت له:
فهلاَّ وفي الأيَّام ويحكَ غرَّةٌ شكوتَ وفي الواشينَ عنكَ سكونُ
ولكن كتمتَ الحبَّ حتى تقطَّعتْ قوى الوصلِ واستولى عليه قرينُ
وهذا يضاهي قول القطامي، وهو عمرو بن شييم التغلبي:
قطعت إليكَ بمثل جيدِ جدايةٍ حسنٍ معلَّقُ توميتهِ مطوَّق
هلاَّ طرقتِ إذ الحياةُ لذيذةٌ وإذ الزَّمان جديده لم يخلقِ
أو قبل ذلك عندَ غرَّاتِ الصِّبا والعيش غضٌّ صفوه لم يرنقِ
بخلتْ عليك فما تجودُ بنائلٍ إلاّ اختلاس حديثها المتسرقِ
وقال علي بن محمد العلوي:
يا حبّذا الدهرُ إذ نُسقى مسرَّته صرفًا ونمزج إنجازًا بميعادِ
وإذا نبيت وقلبانا قد اتفقا جاري عناقٍ وإسعافٍ وإسعادِ
بسرَّ من را سقاها الله ما شربتْ من رائحٍ ضاحكٍ بالمزنِ أو غادِ
فليت دهري بها عادت بشاشته حتى نُموِّه إصلاحًا بإفسادِ
يضاهي هذا المعنى قول جحظة:
إن كنت تنكر ذلّتي وتلدّدي وسقامَ جسمي وامتداد عذابي
فانظر إلى جسمي الذي موهتُهُ للناظرينَ بكثرة الأثوابِ
وقال أيضًا:
أأيامك تهتز اهتزاز الغصن الرطبِ
تذكرتَ وفي تذكارها نصبٌ من النَّصب
لياليكَ وأيامكَ ظلُّ اللَّهو والعجب
تروق الأعينَ النجلَ وتصبي كبد المصبي
وتختالُ من النضرة في أرديةٍ قشب
زمانٌ كارتشاف الصَّبِّ للمرتشف العذب
صفاء الشُّرب لا يعقب إلاّ كدر الشُّرب
[ ٩ ]
وقال أيضًا:
واهًا لأيام الوصا لِ بعدنَ عن عهد قريبِ
أيام شرخُ شبابهِ ريّانُ معتدل القضيب
أيام كان من الغوا ني لي السّوادُ في القلوبِ
لو يستطعن جعلنه بين المخانقِ والجيوبِ
حتى نهاه عن الصِّبا ونهى الصِّبا وضحُ المشيب
فكفاه عيبُ الشَّيبِ أن ينظرنَ منه إلى العيوبِ
وقال أيضًا:
واهًا لأيامِ الشبابِ وما لبسن من الزَّخارف
وذهابهن بما عرفت من المناكر والمعارف
أيام ذكركَ في دوا وين الصِّبا صدرُ الصحائف
واهًا لأيامي وأيّا م النقيات المراشف
الغارسات البانَ قضّبا نًا على كثبِ الرَّوادف
والجاعلات البدرَ ما بين الحواجب والسَّوالف
أيّام يُظهرنَ الخلا ف بغير نيّات المخالف
وقف النَّعيمُ على الصِّبا وزللتُ عن تلكَ المواقف
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحيم الزلزالي:
نظرةٌ كانت لحتفي سببًا جلبَ الحينُ لها ما جلبا
ضحكت أسماءُ من ذي لمَّةٍ ضاحك الأشيب منها الأشيبا
إنما يعرف أيام الصبا من صبا في غير أيّامِ الصِّبا
وقال أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع:
زمان الصِّبا ليتَ أيامنا رجعنَ لنا السَّالفات القصارا
زمانَ عليَّ غرابٌ غدافٌ فطيَّره الدَّهر عنّي فطارا
ولا يبعدُ الله ذاك الغرابَ وإن هو لم يبقِ إلا ادِّكارا
وهازئةٍ إذ رأت كبرةً تلفعَ رأسي بها فاستنارا
أجارتنا إنَّ ريبَ الزمانِ قبلي أعيا الرجالَ الخيارا
فإما تري لمَّتي هكذا فأكثرت مما ترينَ النِّفارا
فقد ارتدي وحفةً ظلةً وقد أشغف الفتياتِ الخفارا
قد كنتُ أسحبُ فضل الرداءِ وأُرخي على العقبين الإزارا
ورقراقةٍ لا تطيق القيا مَ إلاّ رويدًا وإلاّ انبهارا
كأنَّ على الشمسِ منها الخمار إذا هي لاثت عليهِ الخمارا
خلوت بها نتجارى الحديثَ فحينًا علانًا وحينًا جهارا
وقال ابن المعتز بالله:
سقيًا لظلِّ زماني وعصرهِ المحمودِ
ولَّى كليلة وصلٍ قُدّامَ يومِ صدودِ
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
إلى كم أروحُ إلى حسرةٍ وأغدو إلى سقمٍ واصب
وأرجو غدًا فإذا ما أتى بكيتُ على أمسهِ الذاهبِ
قطعت حبالك من واصلٍ وأظهرت زهدك في راغبِ
وقد صرت أرضى بلينِ اللِّحاظِ وأقنع بالموعد الكاذبِ
ومن أناشيد إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
ألا يا حبذا جنباتُ سلمى وجاد رياضها جودُ السِّحابِ
خلعت بها العذارَ ونلت منها منايَ بطاعة أو باغتصابِ
أسومُ بباطلِ طلبات لهوي ويعذرني بها عصرُ الشباب
قال يحيى بن خالد لكلثوم بن عمرو العتابي، وكان لا يبالي أي ثوبيه لبس، وقد رأى عليه بزة دنيئة: يا أبا عمرو ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله، لا حليه وحلله، لحى الله امرءًا يرضى أن يرفعه هيئتاه: جماله وماله، لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به أكبراه، همته ولبه.
وقال مالك بن طوق العتابي: يا أبا عمرو رأيتك كلمت فلانًا فأقللت كلامك، قال: نعم كانت معي حيرة الداخل وفكرة صاحب الحاجة، وذل المسيألة، وخوف الرد وشدة الطمع.
وكان العتابي جيد العقل واللسان، حسن العبارة والبيان، في النثر الرائع والشعر البارع، وقلما اجتمع هذا.
ولما دخل على الرشيد قال له: تكلم يا عتابي، فقال له: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأول صوابه، ولا يذم بأول خطابه، لأنه بين كلام زوره، أو حصر اعتوره.
وهو القائل في الرشيد:
أوافي أميرَ المؤمنين بهمَّةٍ توقَّلُ في نيلِ المعالي فنونها
رعى أمَّةَ الإسلام فهو إمامها وأدى إليها الحقَّ فهو أمينها
مقيمٌ بمستنِّ العُلا حيث تلتقي طوارقُ أبكارٍ الخطوب وعونها
[ ١٠ ]
وما كلُّ موصوفٍ له الحقُّ يهتدي ولا كلُّ من أمَّ الصُّوى يستبينها
وله يذم رجلًا بقوله:
وكمْ نعمةٍ آتاكها الله جزلةٍ مبرّأةٍ من كلِّ خلقٍ يذيمها
فسلطتَ أخلاقًا عليها ذميمةً تعاورنها حتى تفرَّى أديمها
ولوعًا وإشفاقًا ونطقًا من الخنا بعوراءَ يجري في الرجال نميمها
وكنتَ امرءًا لو شئت أن تبلغ المدى بلغت بأدنى نعمةٍ تستديمها
ولكنْ فطامَ النفسِ أثقلُ محملًا من الصخرة الصَّماء حين ترومها
وله في البرامكة:
إنَّ البرامكَ لا تنفكُ أنجيةً بصفحةِ الدِّين من نجواهم ندبُ
تخرمت حججٌ عشرٌ ومنصلهم مضرَّج بدمِ الإسلام مختضبُ
فيما بعد ما بين هذا وبين قول أبي جعفر، محمد بن مناذر الصبيري، مولى لبني صبير بن يربوع بن تميم فيهم:
أتانا بنو الأملاكِ من آل برمك فيا طيبَ أخبارٍ ويا حسن منظر
لهم رحلة في كلِّ عامٍ إلى العدا وأخرى إلى البيتِ العتيق المطهَّر
فتظلم بغدادٌ وتجلو لنا الدُّجى بمكّةَ وما حجُّوا ثلاثة أقمر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقتْ بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلاّ لجودٍ أكفهم وأقدامهم إلاّ لأعوادِ منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلَّت صعابهُ وحسبك من راعٍ له ومدبر
ترى الناس إجلالًا له كأنّهم غرانيقُ ماءٍ تحت بازٍ مصرصر
قال أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل لفظها، ويسهل حفظها، تكون لأغراضها لفقًا، ولمقاصدها وفقًا، تشرح المستبهم، وتوضح المستعجم، قلت: يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب على بعض ملوكها فقال: إني سائلك عن أشياء ما تزال بصدري معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني عنها بما عندك منها، فقال أكثم، أبيت اللعن، سألت خبيرًا، واستنبأت بصيرًا، والجواب يشفعه الصواب، فسل عما بدا لك، قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى، قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم، وابتناء المكارم، قال؛ فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل، وإجابة السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضى بما يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة، قال له الملك: أوريت زناد بصيرتي، وأذكيت نار خبرتي، فاحتكم، قال: بكل كلمة هجمة من الإبل، قال هي لك.
قال الأصمعي: فقال لي الرشيد: ولك عندنا بكل كلمة بدرة، [قال]: فانصرفت بثمانين ألف درهم.
كتب بعض أهل العصر، وهو أبو بكر الخوارزمي إلى بعض إخوانه جوابًا: قرأت كتابك العذب الموارد والمصادر، الحلو الأوائل والأواخر، الذي نثره غرر، ونظمه درر، ونشره مسك وعنبر، يقطر منه ماء الكتابة، وتنسم منه روائح البلاغة، وتهب من ألفاظه رياح الخطابة، وينطق عنه لسان الفصاحة، وقد شكرتني أيدك الله على قضاء حق لم يسعني إلا أن أقضيه، وعلى أداء دين لم يجز لي إلا أن أوفيه، وزعمت إني عرفتك من جهلك، ونبهت لذكرك من لم يكن انتبه لك، لا وحق الحق، فإنه الواجب على الخلق، ما رأيت أحدًا لا يعرفك إلا منن لا يعرف القمر طالعًا، والفجر ساطعًا، والبرق لامعًا، والبحر زاخرًا، والفلك دائرًا، وهل يخفى على الناس النهار؟ وهل يستتر علم في رأسه نار؟ وقد شكرتك على هذا الشكر، فلا تعد لغيره آخر الدهر.
وله اعتذار عن تخلف المكاتبة:
أتاني مع الرُّكبانِ ظنٌّ ظننته لففتُ له رأسي حياءً من المجد
كتابي إلى مولاي أطال الله بقاءه، وحفظ به على الزمان بهاءه، وأدام عزه، وعلاه، وأراه في أوليائه، وأعدائه ما تمناه، وجعل الأيام إلى مطالبه سفراءه، والسعود بحاجاته كفلاءه، والأقدار غرماءه، وأنا من الحياء عليلٌ، ومن الشربة التي سقانيها ثقيل، وخماري منها عريض طويل.
[ ١١ ]
ذكر سيدي أني قطعت مكاتبته تناسيًا له وتهاونًا به وإعراضًا عنه، وجهلًا بما كان في يدي منه، وقد صدقته في الأولى، ولم أسلم له في الأخرى، أما المكاتبة فقد انقطعت، والمودة ما ضيعت، والعهد بمائه، وعلى صفائه، ولكن للأيام في قطع علائق الحبال، وأسباب الوصال، أفعالًا بعضها من ذنوب الإنسان، وبعضها من ذنوب الزمان، وقد أقررت التقصير، والتزمت تبعة الذنب بالمعاذير، فإن كنت أسأت حين قصرت، فقد أحسنت حين أقررت، وإن عققت لما لم أقم لمودة سيدي بعنايتها، ولم أرعها حق رعايتها، فقد أجملت لما وفرت عليه بسهمه الفضل، وخليت له في السبق الخصل، وبسطت لسانه بالعدل، فوضع قلمه كيف شاء من الملام، وركض على ما أراد من حلبة الكلام، فلولا أنه وجد بجنابي ترابًا لما تمرغ، ولولا أنني أجررته بإساءتي رسن البلاغة لما أبلغ.
وله استبطاء:
يا أطيبَ النَّاس ريقًا غير مختبر إلا شهادةَ أطرافِ المساويكِ
قد زرتنا مرةً في الدَّهرِ واحدةً عودي ولا تجعليها بيضة الدِّيكِ
زارني أيده الله نصف زورة، ثم هجرني مدة فترة، فليت شعري ما الذي أنكر من أحوالي، وما الذي سخط من أفعالي وأقوالي، فأقلع عنه، وأتوب منه، ما أحب يا سيدي أن تكون خفيف ركاب الملال، قصير خطوة الوصال، لا يدوم لإخوانه على حال، وهذا وهو بالأمس يعلم إخوانه كيف يرب الود، وكيف يحفظ العهد، وكيف يرعى الغيب، وكيف يراض على الوفاء القلب، وما أتهم عليه غير عيني، فإني قد أصبته بها، فأبعدته بسببها، فمن ألون وأنا المشكو الشاكي، وبم أتداوى وأنا المرمي الرامي، سقى الله ليالي لقيت فيها سيدي، فلقد كانت قليلة، إلا أنها كانت جليلة وقصيرة، لكن حسرات فقدها طويلة، وأظنني لم أشكر عليها الدهر فسلبنيها، ولم أعرف قدر النعمة فأدبني فيها (شعر):
قلبتُ لها ظهرَ الزَّمانِ وبطنه فلم ألق من أيامها عوضًا بعدُ
وإني لأخشى أن أتعلم من سيدي السلوة، وأن أقارضه الجفوة، فيعديني بدائه، ويغريني بقلة وفائه، فيجمع علي ألم الفراق، ويسلبني كرم التلاق، وإنما القلوب عيون تتراءى، ووجوه تتلاقى، وتجار تتبايع وتتشارى.
ومن شعره قوله:
ما أثقل الدهرَ على منْ ركبهْ حدَّثني عنهُ لسانُ التجربة
لا تحمدِ الدَّهر لشيءٍ سبَّبه فإنه لم يتعمد للهبه
وإنما أخطأ فيك مذهبه كالسَّيلِ إذ يسقي مكانًا خربه
والسُّمُّ يستشفي به من شربه
وكان رافضيًا غاليًا، في مرتبة الكفر عاليًا، أخبرني من رآه بنيسابور، وقد كظه الشراب فطلب فقاعًا فلم يجده فقال: لعن من قال
إذا أَعوزَ الفقَّاع لمّا طلبته هجوتُ عنيقًا والدَّلامَ ونعثلا
فإذا كان يهتف بهذه الجملة لغير علة، فكيف به مع تقريع العلل، وتوسيع الأمل، ممن يطابقه على كفره، ويوافقه على شره.
وكان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف ببديع الزمان قد اشرقه بريقه، ووعر عليه السهل من طريقه، وسأطلع إليك فيما بعد إن شاء الله مما جرى بينهما قطعة، وألمع لك في أخبارهما بلمعة، فرماه الخوارزمي ببغض عليٍّ رضوان الله عليه، وأغرى به الطالبيين فقال البديع:
يقولونَ لي ما تحبُّ الوصيَّ؟ فقلت: الثرى بفم الكاذب
أحبُّ النبيَّ وآل النبيِّ وأختص آلي أبي طالب
وأعطي الصحابة حقَّ الولاء وأجري على سنن الواجب
فإن كان نصبًا ولاءُ الجميع فإني كما زعموا ناصبي
وإن كان رفضًا ولاء الوصيِّ فلا برح الرفض من جانبي
فلله أنتم وبهتانكم ولله من عجب عاجب
يرى الله سري إذا لم تروهُ فلمْ تحكمون على الغائبِ؟
فإن كنتمُ من ولاةِ الوصيِّ على العجب كنتُ على الغاربِ
أعزُّ النبيَّ وأصحابه فما المرءُ إلاَّ مع الصاحب
أيرجو الشَّفاعة من سبَّهمْ بل المثلُ السُّوء للضارب
حنانيكَ من طمع باردٍ ولبَّيكَ من أمل كاذب
يوقَّى المكاره قلب الجبانِ وفي الشُّبهان يدُ الحاطب
لفظة الوصي استعملها الشيعة بدعواهم فكثر بها نطق من سواهم.
وقال أبو بكر الخوارزمي:
[ ١٢ ]
عليكَ بإظهارِ التجلُّدِ للعدا ولا تظهرنَّ منك الذُّبول فتحتقرا
ألستَ ترى الرَّيحانَ يشتُّم ناضرًا ويُطرحُ في الميضاةِ إمّا تغيَّرا
ومن شعره أيضًا:
لا تصحب الكسلانَ في حاجاته كم صالحٍ بفساد آخر يفسد
عدوى البليدِ إلى الجليدِ سريعة كالجمرِ يوضع في الرَّمادِ فيخمد
وهكذا كقول الوكيعي:
لا تُلفينَّ مقارنًا من لا يزينكَ في الصِّحاب
فالثوب ينفضُ صبغهُ فيما يليهِ مكن الثيابِ
وقال الخوارزمي لبعض أخوانه:
رأيتكَ إنْ أيسرت خيَّمت عندنا لزامًاَ وإن أعسرتَ زرتَ لماما
فما أنتَ إلاّ البدرُ إن قلَّ ضوؤه أغبَّ وإن زاد الضياءُ أقاما
وأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ولم يسم قائله:
ولكنَّ الجواد يا أبا هشامٍ نقيُّ الجيب مأمونُ المغيب
بطيءٌ عنك ما استغنيت عنه وطلاَّعٌ عليك مع الخطوب
إذا أمرٌ عراكَ حماك منه وعاد به على عطنٍ رحيب
قال: وهذا ضد قول الآخر:
وإذا دعوت أخا إخا ئكِ عند نائبةٍ تنوبُ
ألفيتهُ أحد الخُطو بِ إذا تتابعت الخطوبُ
والمعنى الأول كقول إبراهيم بن العباس الصولي:
أسدٌ ضارٍ إذا مانعته وأبٌ برٌّ إذا ما قدرا
يعرفُ الأبعدُ إن أثرى ولا يعرفُ الأدنى إذا ما افتقرا
وإبراهيم بن العباس القائل:
أميلُ مع الذِّمام على ابن عمّي وآخذُ للصَّديقِ من الشقيق
وإن ألفتني ملكًا مطاعًا فإنك واجدي عبد الصَّديق
أفرق بينَ معروفي ومنّي وأجمعُ بين ماليَ والحقوقِ
قال أبو محمد عبد الله بن درستويه النحوي: قال لي البحتري يومًا وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد، وسلكنا مسلكًا في المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناس إلى قولي:
سقى الغيثُ أكنافَ الحمى في محلةٍ إلى الحقفِ من رملِ الحمى المتقاودِ
ولا زال مخضرُّ في الرَّوضِ يانعٌ عليه بمحمرٍّ من النَّورِ جاسدِ
يذكِّرني ريَّا الأحبَّةِ كلّما تنفَّسَ في جنحٍ من اللّيلِ باردِ
شقائقُ يحملنَ الندى فكأنَّهُ دموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ
ومن لؤلؤٍ في الأقحوانِ منظَّمٍ على نكتٍ مصفرَّةٍ كالفرائد
كأنَّ يد الفتح بن خاقانَ أقبلت تليها بتلك البارقات الرَّواعدِ
فاستحسن بذلك المبرد استحسانًا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة لأحد تقدمك، ولا تأخر عنك، فاعترته أريحية جربها رداء العجب، فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة الكلام، فقلت: يا أبا عبادة إنك لم تسبق إلى هذا، بل سبقك قولك: شقائقُ يحملن الندى.. البيت، سعيد بن حميد الكاتب في قوله:
عذب الفراق لنا قبيلَ وداعنا ثم اجترعناه كسمٍّ ناقعِ
فكأنَّما أثرُ الدُّموعِ بخدِّها طلٌّ سقيطٌ فوقَ وردٍ يانع
وشركك فيه صاحبنا أبو العباس الناشئ بما أنشدنيه آنفًا:
بكتْ للفراقِ وقد راعني بكاءُ الحبيبِ لفقدِ الديارِ
كأنَّ الدُّموعَ على خدِّها بقيَّةُ طلٍّ على جُلَّنارِ
وما أساء أبو الحسن علي بن العباس الرومي، بل أحسن في زيادته عليه إذ يقول:
لو كنتَ يومَ الوداعِ شاهدنا وهنَّ يطفئنَ لوعةَ الوجدِ
لم ترَ إلاّ دموعَ باكيةٍ تسفحُ من مقلةٍ على خدِّ
كأنَّ تلكَ الدموعَ قطرُ ندىً يقطرُ من نرجسٍ على ورد
وسبقك أبو تمام إلى الخروج فقال:
من كلِّ زاهرةٍ ترقرق بالنَّدى فكأنَّها عينٌ عليه تحدَّرُ
تبدو ويحجبها الجحيم كأنَّها عذراءُ تبدو تارةً وتخفَّرُ
خلقٌ أطلَّ من الرَّبيع كأنَّه خلقُ الإمام وهديه المتيسّرُ
في الأرضِ من عدلِ الإمام وجودهِ ومن النَّباتِ الغضّ سرجٌ توهر
ينسى الربيعُ وما يروضُ وفعله أبدًا على مرِّ الليالي يذكر
فشق ذلك عليه، وحل حبوته [ونهض]، فكان آخر عهدي من مؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح في حالي عنده.
[ ١٣ ]
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن يونس المصري في نحو أبيات البحتري الأول:
سقى الغيثُ أخيافَ اللوى كلّما سقى بصوبٍ من المزنِ الكنهورٍِهامل
إذا ضربتْ ريحٌ جمانَ سحابةٍ غدا وهو حليٌ للرياض العواطلِ
به خفق برقٍ ليس بين جوانحٍ وسواس رعدٍ ليس بين مفاصلِ
إذا كاد درُّ القطر يلمسُ نبتهُ تلقَّاه درُّ النَّورِ بين الخمائل
وكان أبو الحسن لطيف الصنع، رهيف الطبع، متصرفًا في العلوم، مختصًا بأحكام النجوم، أنشدني له بعض المصريين يصف قينة:
غنَّت فأخفتْ صوتها في عودها فكأنَّما الصوتان صوتُ العودِ
غيداءُ تأمر عودها فيطيعها أبدًا ويتبعها اتّباعَ ودودِ
أندى من النُّوّارِ صبحًا صوتها وأرقُّ من نشرِ الثَّنا المعهودِ
فكأنَّما الصوتان حين تمازجا ماء الغمامة وابنة العنقودِ
وأنشدني له في غلام يهواه قوله:
يجري النسيمًُ على غلالةِ خدِّه وأرق منهُ ما يمرُّ عليهِ
ناولته المرآة ينظر وجههُ فعكستُ فتنة ناظريهِ إليه