كتب علي بن العباس الرومي إلى علي بن عبد الله بن المسيب:
أدركْ ثقاتكَ إنَّهم وقعوا في نرجس معه ابنةُ العنب
ريحانهم ذهبٌ على دررٍ وشرابهم درٌّ على ذهب
فهم بحالٍ لو بصرت بها سبَّحتَ من عجبٍ ومن عجب
في روضةٍ شتويةٍ رضعت درَّ الحيا حلبًا على حلب
واليوم مدجونٌ فحرَّتهُ فيهِ بمطَّلعٍ ومحتجبِ
ظلَّت تسايرنا وقد بعثتْ ضوءًا يلاحظنا بلا لهب
هذا في وصف الشمس كما قال ابن المعتز بالله:
تظلًّ الشمسُ ترمقنا بطرفٍ خفيٍّ لحظهُ من خلف ستر
تحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبى كعنينٍ يحاول فتقَ بكرِ
وكان ابن الرمي لهجًا بالنرجس، مفضلًا له على الورد، وله في ذلك شعر كثير وقد عارضه وناقضه [في ذلك] جماعة من البغداديين وغيرهم فما شقوا غباره، ولا لحقوا آثاره.
وصنّف بعض الظرفاء كتابًا في الترجيح بينه وبني معارضيه، فحكم له على مناقضيه.
وكان كسرى أنوشروان يقول: "النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر"، أخذه بعض المحدثين فقال:
وياقوتهٍ صفراءَ في رأس درَّةٍ مركَّبةٍ في قائم من زبرجدِ
كأنَّ بهيَّ الدُرِّ عقدُ نظامها بغير فريدٍ قد أطافَ بعسجدِ
كأنَّ بقايا الطلِّ في جنباتها بقيةُ رشحٍ فوق خدٍّ مورَّدِ
وإنما ذهب أنوشروان إلى معارضة أردشير بن بابك في قوله: "الورد در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، بوسطه شذر من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر".
أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:
كأنَّهنَّ يواقيتُ يطيفُ بها زمرُّدٌ وسطهُ شذرٌ من الذَّهبِ
فاشرب على منظرٍ مستظرفٍ حسنٍ من خمرةٍ موةٍ كالجمر في اللَّهبِ
وقال ابن بسام:
أما ترى الوردَ يدعو للورودِ على حمراءَ صافيةٍ في لونها صهبُ
مداهنٌ من يواقيتٍ مركَّبةٍ على الزبرجدِ في أجوافها ذهبُ
خاف الملالَ إذا طالت إقامته فصار يظهر أحيانًا ويحتجبِ
وقال ابن الرومي:
خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِ خجلًا تورُّدها عليه شاهد
لم يخجلِ الوردُ المورَّدُ لونه إلاّ وفاخرهُ الفضيلة عائد
للنرجسِ الفضلُ المبينُ إذا بدا للناظرين طريفهُ والتالدُ
؟فصلُ القضيّة أنّ هذا قائدٌ زهر الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ
شتّان بين اثنين هذا موعدٌ يتسلُّب الدُّنيا وهذا واعدُ
وإذا احتفظتَ به فأمتع صاحبٍ بحياتهِ لو أنَّ حيًّا خالدُ
ينهى النديمَ عن القبيحِ بلحظهِ وعلى المدامةِ والسَّماعِ مساعدُ
اطلبْ بعفوك في الملاح سميَّهُ أبدًا فإنك لا محالةَ واجدُ
والوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمه ما في الملاحِ له سميٌّ واحد
هذي النجومُ هي التي ربتهما بحيا السحابِ كما يربَّي الوالدُ
[ ١٤ ]
فانظر إلى الولدين من أدناهما شبهًا بوالدهِ فذاك الماجدُ
أين العيونُ في الخدود نفاسةً ورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ
وقال أحمد بن يونس الكاتب ردًا عليه:
يا من يشبِّهُ نرجسًا بنواظر دعجٍ تنبَّه إنّ فهمك راقدُ
إنَّ القياسَ لمن يصحُّ قياسه بين العيونِ وبينه متباعدُ
والورد أشبهُ بالخدود حكاية فعلامَ نجحد فضله يا جاحدُ
ملكٌ قصير عمره مستأهلٌ تخليده لو أنَّ حيًا خالدُ
إن قلت أنّ الورد فردٌ في اسمه ما في الملاح له سميٌّ واحد
فالشمس تفرد باسمها والمشتري والبدر يشرك في اسمه وعطارد
أو قلتَ: إنَّ كوكبًا ربتهما بحيا السَّحابِ كما يربي الوالدُ
قلنا: أحقُّهما بطبعِ أبيه في الج؟ دوى هو الزَّاكي النَّجيب الراشدُ
زهر النجومِ تروقنا بضيائِها ولنا منافعُ بعد ذا وعوائدُ
وكذلك الوردُ الأنيقُ يروقنا وله فضائلُ جمّةٌ وفوائد
وخليفهُ إذا غاب ناب بنفحهِ وبنفعه أبدًا مقيم راكد
إنْ كنتَ تنكرُ ما ذكرنا بعدما وضحتْ عليه دلائلٌ وشواهد
فانظر إلى المصفَرِّ لونًا منهما وافطن فما يصفَّرُ إلاّ الحاسد
هذا ومن غيره ما اختير، وإنما ألمع هنا باليسير.
وقال ابن الرومي في جملة الروض:
أصبحتْ الدُّنيا تسرُّ من نظر بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصر
أثنت على الله بآلاء المطر واهًا لها مصطنعًا لقد شكر
فالأرض في روضٍ كأفوفا الحبرْ تبرَّجتْ بعد حياءٍ وخفرْ
تبرُّجَ الأنثى تصدَّت للذَّكر
وقال ابن المعتز:
جلا لنا وجهَ الدُّجى عن منظرٍ كالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرٍ وطارفٍ أجفانه لم ينظر
تخاله العينُ فمًا لم يفغرِ وفاتقٍ كاد ولم يُنوَّر
كأنَّه مبتسمٌ لم يكشِرِ وأدمع الغدرانِ لم تكدَّرِ
كأنَّها دراهمٌ في معثر أو كعشور المصحف المعشرِ
والأرضُ ريّا ذات عودٍ أخضرٍ فيه النَّدى مستوقفٌ لم يقطرِ
كدمعةٍ حائرةٍ في محجر
وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان:
وجلَّنارٍ مشرقٍ على أعالي شجره
كأنَّ في رؤوسه أحمره وأصفره
قراضةً من ذهبٍ في خرقٍ معصفره
وقال أبو القاسم محمد بن هانئ يصف نوارة رمان قطعت ولم تتفتح:
وبنتِ أيكٍ كالشَّباب النَّضرِ كأنَّها بين الغصونِ الخضرِ
جنان بازٍ أو جنانُ صقرِ قد خلقته لقوةٌ بوكرِ
كأنَّما مجَّت دمًا من نحر أو سقيت بجدول من خمرِ
أو نبتتْ في تربةٍ من جمرِ لو كفَّ عنها الدّهرُ صرفَ الدَّهرِ
جاءت بمثلِ النَّهدِ فوق الصَّدرِ تفترُّ عن مثل اللّثات الحمرِ
في مثلِ طعم الوصلِ بعد الهجر
وقال الأمير أبو الفضل عبيد الله الميكالي في حديقة ريحان:
أعددت محتفلًا ليومِ فراغي روضًا غدا إنسانَ عينِ الباغي
روضٌ يروضُ همومَ قلبي حسنُهُ فيه لكأسِ اللَّهو أيُّ مساغِ
وإذا بدت قضبانُ ريحانٍ به حيَّت بمثل سلاسل الأصداغ
وقال في النرجس:
وما ضمَّ شملَ اللهو يومًا كنرجسٍ يقومُ بعذرِ اللَّهو عن خالع العذرِ
فأحداقهُ أقداحُ تبرٍ وساقهُ كقامةِ ساقٍ في غلائله الخضرِ
وقال الوكيعي في المشمش:
بدا مشمشُ الشجارِ يذكو شهابهُ على خضر أغصانٍ من الريِّ ميَّدِ
حكى وحكت أشجارهُ في اخضرارها جلاجلَ تبرٍ في قبابِ زبرجدِ
وقال في الباقلاء:
كأنَّ أوراق وردٍ للباقلاء بهيَّه
خواتمٌ من لجينٍ فصوصها حبشيّه
وقال فيه أيضًا:
نوَّرَ الباقلاء نورًا ظريفًا
جلَّ في حسنهِ عن الإشكال
قد حكى وردهُ لنا إذ تبدَّى شررَ الرُّوم ضمِّخاْ بغوالِ
وقال في الطلع:
وطلعٍ هتكنا عنه جيبَ قميصه فيا حسنه من منظرٍ حين هُتِّكا
[ ١٥ ]
حكى صدرَ خودٍ من بني الرُّومِ هزَّها سماعٌ فقدَّتْ عنه ثوبًا ممسكًا
وقال في الخشخاش:
وخشخاشٍ كأنّا منه نفري قميصَ زبرجدٍ على جسمِ درِّ
كأقداحٍ من البلُّورِ صينتْ بأغشيةٍ من الدِّيباجِ خضر
ومن ألفاظهم في هذا النحو: إذا ورد الورد، صدر البرد، مرحبًا بأشرف الزهر، في أظرف الدهر، كأنه عين النرجس عين، وورقه ورق. النرجس نزهة الطرف وظرف الظرف، شقائق كأصداغ المسك على الوجنات المورّدة، كأن الشقيق جام أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر.
ولهم في تشبيه الربيع بمحاسن الأشراف: غيث الربيع مشبه بخلقك، وزهره مواز لبشرك، كأنما استعار حلله من شمائلك وشيمك، وحليه من سجيتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وأنعامك، قدم الربيع منتسبًا إلى خلقك، مكتسبًا محاسنه من طبعك، متوشحًا بأنوار لفظك، متوضحًا بآثار يدك. أنا في بستان كأنه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتني أشجار تتميل فتذكر ترنح الأحباب، إذا تداولتهم أيدي الشراب.
ومن ظريف أخبار القيان: اجتمع أربعة عشاق لقينةٍ، وكلهم يوري عن صاحبه بسره، ويطوي دونه خبره ويومئ إليها بحاجته، ويناجيها بلحظته، وكان أحدهم غائبًا فقدم، والآخر مقيمًا قد عزم على السفر، والثالث قد سلفت أيامه، والرابع مستأنفة مودته، فضحكت بعينها إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وآيست الثالث، وأطعمت الرابع. واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثه وشأنه، فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك أتحسنين:
ومن ينأ عن دار الهوى يُكثرُ البكا وقولًا: لعلِّي أو عسى ويكون
وما اخترتُ نأيَ الدّار عنكِ لسلوةٍ ولكنْ مقادير لهنَّ شجونُ
فقالت أحسنه، وما أقيم لحنه، وقد كان مطارحه لي لا يخليه من عقيب يقرنه به، أنا به أحذق، ثم غنت:
وما زلتُ مذْ شطَّت بكَ الدَّار باكيًا أؤملُ منك العطفَ حين تؤوبُ
فأضعفت ما بي حين أُبتَ وزدتني سقامًا وإعراضًا وأنت قريبُ
فقال الظاعن: جعلت فداكِ، أتحسنين:
أوفَ الفراقُ فأعلني جزعًا ودعي العتابَ فإننا سفرُ
إن المحبَّ يصدُّ مقتربًا فإذا تباعد شفَّهُ الذّكرُ
فقالت: نعم، وأحسن من شكله في إيقاعه:
لأقيمنَّ مأتمًا من قريبِ ليس بعد الفراقِ غيرُ النحيب
ربِّ ما أوجعَ النَّوى للقلوب ثم لاسيّما فراقُ الحبيب
فقال السالف [جعلت فداكِ] أتحسنين:
كنّا نعاتبكم ليالي عودكمْ حلو المذاقِ وفيكم مستعتبُ
فالآن حين بدا التنكُّر منكم ذهب العتابُ وليس عنكم مذهب
فقالت: لا، ولكن أحسن منه في معناه [حيث أقول]:
وصلتكَ لمَّا كانَ ودُكَ خالصًا وأعرضتُ لما صرتَ نهبًا مقسما
ولن يلبث الحوضُ الجديدُ بناؤهُ على كثرة الوُرَّاد أن يتهدما
فقال المستأنف: أتحسنين [جعلت فداكِ] أن تغني:
إني لأعظمُ أنْ أفوهَ بحاجتي فإذا قرأتِ صحيفتي فتفهَّمي
وعليكِ عهد الله إن نبأتهِ أحدًا وإن آذنتِهِ بتكلُّم
فقالت: نعم قدِّمت قبلك، ومن غناء صاحبه:
لعمركَ ما استودعتُ سرّي وسرِّها سوانا حذارًا أن تذيعَ السَّرائر
ولا خاطبتها مقلتاي بنظرةٍ فتعلم نجوانا العيون النواظرُ
ولكن جعلتُ الوهمَ بيني وبينها رسولًا فأدَّى ما تجنُّ الضّمائر
أكاتمُ ما في القلبِ بقيا على الهوى مخافةَ أن يغرى بذكرك ذاكرُ
فتفرقوا وكلّهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه.
وكتب البديع إلى أبي عامر عدنان بن محمد الضبي يعزيه عن وفاة بعض أقاربه:
إذا ما الدَّهرُ جرّ على أناسٍ كلاكلهُ أناخَ بآخرينا
فقل للشامتينَ بنا: أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
[ ١٦ ]
أحسن ما في الدهر عمومه النوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى إذا أساء، ويختص بالنعمة الرؤساء، فليفكر الشامت، فإن أفلت فله أن يشمت، ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، ومن فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره، أيجد لنفسه أثرًا في نفسه؟ أو لتدبيره عونًا على تصويره؟ أم لعمله تقديمًا لأمله، أم لحيله تأخيرًا لأجله؟ كلا! بل هو العبد ﴿لم يكن شيئًا مذكورًا﴾، خلق مقهورًا، ورزق مقدورًا، فهو يحيا جبرًا، ويهلك صبرًا، وليتأمل المرء كيف كان قبلًا، وإن كان العدم أصلًا، والوجود فضلًا، فليطم الموت عدلًا، فالعاقل من رقع جوانب الدهر ما أساء بما سر، ليذهب ما نفع بما ضر فإن أحب ألا يحزن فلينظر يمنة، فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة، فهل يرى إلا حسرة؟ ومثل سيدي أطال الله بقاءه من نظر هذه الأسرار وعرف هذه الدار، فأعد لنعيمها صدرًا لا يملؤه فرحًا، ولبؤسها قلبًا لا يطير ترحًا، وصحب الدهر برأي من يرى أن للمتعة ردًا، وللأمور مدى، ولقد نعي إليّ أبو قبيصة قدس الله روحه، ونور ضريحه فعرضت علي آمالي قعودًا، وأمانيّ سودًا، وبكيت [ولكن] السخي جوده بما يملك، وضحكت، وشر الشدائد ما يضحك، وعضضت الإصبع حتى أفنيته. وذممت الموت حتى تمنيته، والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خطب عظم حتى هان، وقد خشن حتى لان، ونكر حتى قد عمَّ وعاد عرفًا، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وخبثت حتى صار أقلَّ عيوبها، ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها، وأنكى ما في خزانتها، ونحن معاشر التبع نتعلم الأدب من أخلاقه، والفضل من أفعاله، فلا نحدوه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر، فلير فيهما رأيه إن شاء الله تعالى.
وله إلى بعض إخوانه جوابًا عن كتاب يهنئه بمرض أبي بكر الخوارزمي: الحر أطال الله بقاءك، لا سيما إذا عرف الدهر معرفتي، ووصف أحواله صفتي إذا نظر علم أن نعم الدهر ما دامت معدومة فهي أماني، فإن وجدت فهي عواري، وأن محن الأيام وإن مطلت تستنقد، وإن لم تصب فكأن قد، فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، فالشامت إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت، وما أقبح الشماتة، بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لفظة، وعقيب كل لحظة؟! والدهر غرثان طعمه الأخيار، وظمآن شربه الأعمار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله؟ أم يسر العاقل بسلاح قاتله؟ هذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرنا بالعداوة قليلًا، فقد باطناه ودًا جميلًا والحر عند الحمية لا يصطاد، لكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا يتصور حالي إلا بصورتها من التوجع لعلته، والتفجع لمرضته وقاه الله المكروه، ووقاني سماع المحذور فيه، بمنه وحوله ولطفه وكرمه.
وهذا ضد قول الخوارزمي، وقد بلغه موت بعض أعدائه: فلان قبض، وأستغفر الله فإنما يقبض الأقوام، بل نفق كما تنفق الأنعام، فالحمد لله الذي قصر خطوة أجله، وختم عمره بسوء عمله، وأبقى بعده من كان يرجو أن يموت قبله: (شعر):
وإنَّ بقاءَ المرءِ بعد عدوِّه ولو ساعةً من عمره لكثير
وكانت بين الخوارزمي والبديع منافرة ومناظرة بكته فيها وأسكته البديع، وقد ذكر جميع ما جرى بينهما فقال: أول الأمر مع الخوارزمي أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارًا، والأجواد السادة جوارًا، لا جرم أنا حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديمًا كنا نسمع بحديث هذا الفاضل منتشوقه، ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، أخرج لنا في العشرة عن القشرة، [وفي المودة عن الجلدة]، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الآداب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع:
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ
فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في الطريق اتفاق، ولا يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم، بل إطلاعه الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، هذا بعد رقعة قدمناها، وأحوال أنس نظمناها.
[ ١٧ ]
ونسخة الرقعة: أنا بالقرب من دار سيدي الأستاذ أطال الله بقاءه:
كما طربَ النشوان مالت بهِ الخمر
ومن الارتياح إلى لقائه:
كما انتقضَ العصفورُ بلَّله القطرُ
ومن الامتزاج بولائه
كما التقت الصَّهباء والباردُ العذبُ
ومن الابتهاج لصفائه
كما اهتز تحت البارح الغصن الرَّطبُ
فكيف نشاطك الأستاذ سيدي لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف:
رثُّ الشَّمائلِ منهجُ الأثوابِ بكرتْ عليه مغيرةُ الأعرابِ
وهو أيده الله ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه [إلى مستقري] لأفضي إليه بسري إن شاء الله.
فلما أخذتنا عينه سقانا الدردي من أول دنه، وسوء العشرة من أول فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، ووصلناه إذ جاذب، وقاربناه إذ جانب، وشربناه على كدرته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونستقيم منآده، بما هذه نسخته: الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة، في أطمار الغربة، فأعمل في تربيته أنواع المصارفة، [و] في الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت ترتيبه صغرًا، واحتملته وزرًا، واحتضنته نكرًا، وتأبطته شرًا، ولم آله عذرًا، فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزر [من] صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناس يجرون المطارف، ولا يمنعون العارف، (شعر):
وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههُمْ وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ
فلو طرحت بأبي بكر إليهم طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريبًا، ومحط الرحل رحيبًا، ووجه المضيف خصيبًا، ورأي الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدي ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه، فأما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه رغم في القيام، فقد وفيته حقه أيده الله سلامًا وقيامًا، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدًا على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهده التوراة والإنجيل، وناصره التأويل والتنزيل، والمبشر به جبريل وميكائيل، فأما القوم الذين صدر سيدي عنهم، فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، [ونلت المراد]:
فإنْ ألُ قد فارقتُ نجدًا وأهلهُ فما عهدُ نجدٍ عندنا بذميمِ
والله يعلم نيتي للإخوان كافة، ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على ما في نفسي بلغت له ما في الفكرة، وجاوزت به مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي بالمعارضة وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار بيد الاضطرار. (شعر):
وما النَّفس إلاّ نطفةٌ بقرارةٍ إذا لم تكدَّرْ كان صفوًا غديرها
وبعد فحبذا كتاب سيدي، إذا استوجبنا عتبًا، واقترفنا ذنبًا، فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله عليه، ولست أسومه أن يقول: ﴿أستغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين﴾، ولكني أسأله أن يقول: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ .
[ ١٨ ]
فحين ورد الجواب، وغير العذر رائده، تركناه بعره، وطويناه على غرة، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكبنا خطته، وتجنبنا خطته، فلا طرنا إليه، ولا طرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبَّت الأيام ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها السماع من لسانه، وتردها إلي، وكلمات تحفظها اللسنة من فمه، وتعيدها عليّ، فكاتبناه بما نسخته: أنا أرد من الأستاذ سيدي أطال الله بقاءه شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة بره، وإن لم تضف، فإني، وإن كنت دعي النسب في الأدب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيء المنقلب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفًا في الود، إن زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولًا، وصارفني على الإقبال ثانيًا، فأما الحديث الإفضال، وأمر الإنزال، فنطاق الطمع ضيق عنه، [غير] متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هينة، وقروض الود متعينة، وارض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم اختار قعود التعالي مركبًا، وصعود التقالي مذهبًا، وهلا ذاد الطير عن شجر قد ذاق الحلو من ثمرها، فقد علم الله أن شوقي إليه قد كد الفؤاد، برحًا على برح، ونكأه قرحًا على قرح، ولكنها مرة مرة، ونفس حرة، لم تغذ إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإكرام، وإذا استعفاني من معاتبته، وأعفى نفسه من كلف الفضل بتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرعها، وكم أعزه من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلا إليه، ولا رففت إلا عليه:
أحبُّكَ يا شمسَ المعالي وبدرها وإن لامني فيك السُّها والفراقدُ
وذاك لأنَّ الفضلَ عندكَ باهرٌ وليس لأنَّ العيشَ عندك باردُ
فلما وردت عليه هذه الرقعة حشر تلاميذه وخدمه، وزم عن الجواب قلمه، وجشم للإيجاف قدمه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير الإمام أبي الطيب، فقلت: الآن تشرق الحشمة وتثور، وننجد في العشرة ونغور، وقصدناه شاكرين لما أتاه من فعله، وانتظرنا عادة بره، [وتوقعنا] مادة فضلة، فكان خلباَ شمناه، وآلًا وردناه، وصرفناه في تأخره، وتأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتز بالله:
إنّا على البعادِ والتفرُّقِ لنلتقي بالذّكرِ إن لم نلتقِ
وأنشدناه قول ابن عصرنا:
أحبُّكَ في البتول وفي أبيها ولكنّي أحبُّكَ من بعيد
وبقينا نلتقي خيالًا، ونقنع بالذكر وصالًا، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه تدب.
والمجلس طويل، والإفراط ثقيل، فلذاك وقفت عن الغاية، وقطعت دون النهاية.
وقال بعض الظرفاء:
أنتَ الذي تشبهُ منْ أهوى يا بدرُ قد أبطلتَ في الدعوى
بلى عسى يشبههُ كلَّما صدَّ ولم يستمعِ الشَّكوى
ولابن وكيع في هذا النحو:
إنْ قلتُ إنكَ بدرٌ غلطتُ بابَ السَّدادِ
أنى يقاسُ لبيبٌ مميَّزٌ بجمادِ
وقال الأمير تميم فيه:
سألتهُ قبلةً من على عجلِ فاحمرَّ من خجلٍ واصفرَّ من وجلِ
واعتلَّ من بينِ إسعافٍ يرقّقهُ
وبين منعٍ تمادى فيه بالعللِ
وقال: وجهي بدرٌ لا خفاءَ به ومبصر البدرِ لا يدعوه للقبلِ
وقال:
صادفتْ لامَ صدغها صادُ لثمي فأرتها المرآةُ في الخدِّ لصَّا
فاستشاطتْ ممّا رأت ثم قالت: أكتابًا أرى ولم أرَ شخصا
وهذا ينظر إلى قوله:
أباحَ لمقلتي السَّهرا وجارَ عليَّ إذ قدرا
غزالٌ لو جرى نفسي عليه لذابَ وانفطرا
ولكن عينهُ حشدتْ عليّ الغنجَ والحورا
ومن أودى به قمرٌ فكيف يعاتب القمرا
كأنه ذهب إلى طريقة أبي نواس في قوله:
كأنّ ثيابهُ أطلع؟ ؟ن في أزرارهِ قمرا
يزيدك وجههُ حسنًا إذا ما زدتَهُ نظرا
بعينٍ خالط التفتي؟ ؟رُ من أجفانها الحورا
ووجهٍ سابريِّ لو تصوَّبَ ماؤهُ قطرا
وقيل للجاحظ: من أشعر المحدثين؟ فقال: الذي يقول: وأنشد هذه الأبيات. وقال تميم [بن المعز]:
[ ١٩ ]
ما هجرتُ المدامَ والوردَ والبدْ رَ بطوعٍ لكن برغمٍ وكرهِ
منعتني من الثَّلاثةِ من لو قتلتني لمْ أحكِ والله من هي
قالت: الوردً والمدامةُ والبد رُ رُضابي ولونُ خدّي ووجهي
قلت: بخلًا بكلِّ شيءٍ؟ فقالت: لا ولكن بخلتُ بي وبشبهي
قلت: يا ليتني شبيهك ِقالت: إنما يقتلُ المحبَّ التشهيّ
وقال [عمر بن أبي ربيعة] فيما يتعلق بالبيت الأخير:
أصبح القلبً مستهامًا مُعَنّى بفتاةٍ من أسوأ النَّاس ظنّا
قلت يومًا لها وحرَّكتِ العو دَ بمضرابها فغنَّتْ وغنَّى
ليتني كنتُ ظهرَ عودكِ يبومًا فإذا ما احتضنتني صرت بطنا
فبكتْ ثم أعرضت ثم قالتْ: من بهذا أتاكَ في اليومِ عنّا
لو تخوفتَ جفوةً أو صدودًا ما تطلَّبت ذا لعمرك منّا
قلتُ لما رأيتُ ذلك منها بأبي ما عليكِ أن أتمنّى
وقال أبو الفتح كشاجم فيه:
تمنَّيتُ من خدِّها قبلةً وما كنتُ أطمعُ في قبلته
وكأسًا أناولها ملأها فتبدا وأشربُ من فضلته
فأبلغها ذاك عنّي الرسو لُ في بعضِ ما نصَّ من قصته
فقالتْ لأقرب أترابها: ألا تنظرينَ إلى همَّته
فقالت: أنجمعُ هجرانهُ وبخلًا عليه بأمنيته
وكان تميم بن المعز يقتفي طريق ابن المعتز في التشبيهات، وبدائع الصفات، ويتابعه في سلوك ألفاظ الملوك، وكانت يد فكره قاصرة عن مرماه، فيما عنَّ له معناه، ولكنه أدمن فأحسن، في كثير مما اعتمده وقصده، وشعره بمصر مع استحكام السن، في غاية الحسن كقوله:
سقّياني فلستُ أصغي لعذلِ ليس إلاّ تعِلَّةُ النَّفس شغلي
أأطيعُ العذول في ترك ما أه؟ ؟وى كأنّي اتَّهمت رأيي وعقلي
علّلاني بها فقد أقبلَ اللّي؟ ؟ل كلونِ الصُّدود من بعد وصل
وانجلى الغيم بعد ما أضحكَ الرَّو ض بكاءُ السَّحاب فيه بوبلِ
عن هلالٍ كصولجانِ نضارٍ في سماءٍ كأنَّها جامُ ذبلِ
وله أيضًا:
رُبَّ صفراءَ علَّلتني بصفرا ء وجنحُ الظَّلامِ مرخى الإزارِ
بين ماءٍ وروضةٍ وكرومٍ وروابٍ منيفةٍ وصحاري
تتثنّى بها الغصونُ علينا وتجيب القيانُ فيها القماري
وكأنّ الدُّجى غدائر شعرٍ وكأنّ النُّجومَ فيها مداري
وانجلى الغيمُ عن هلالٍ تبدّى في يدِ الأفقِ مثلَ نصفِ سوارِ
وله أيضًا:
إذا حذرتَ زمانًا لم تسَرَّ به كم قد أتى سهل أمرٍ دون أصعبه
فأقبل الدَّهر ما أعطاك مختلطًا لعلَّ مرَّك يحلو في تقلبه
خذها إليك ودع لومي مشعشعة من كفِّ أقنى أسيل الخدِّ مذهبه
في كلِّ مقعد حسنٍ منه معترضٌ عليه يحميهِ من أن يستبدَّ به
فكحل عينيه ممنوعٌ بخنجره وورد خدَّيه محميٌّ بعقربه
لا تتركِ القدحَ المملوءَ في يده إنّي أخافُ عليه من تلهّبه
وصنهُ عن سقينا إنّي أغار به وسقِّهِ واسقني من فضلِ مشربهِ
وانظر إلى اللّيل كالزِّنجي منهزمًا والصُّبح في أثره يعدو بأشهبه
والبدرُ منتصبٌ ما بين أنجمه كأنّه ملكٌ في صدر موكبه
وقوله أيضًا:
عقرب الصُّدغِ فوق تفاحةِ الخ؟ دِّ نعميٌ مطرزٌ بعذابِ
وسيوف الألحاظِ في كلِّ حينٍ مانعات جنة الثَّنايا العِذابِ
وعيون الوشاةِ يفسدنَ بالرّق؟ بة والمنع رؤية الأحبابِ
فمتى يظفرُ المحبُّ ويشفي بالتّداني مضاضة الاكتئاب
وقوله:
ترى عذاريهِ قد قاما بمعذرتي عند العذول فأضحى وهو يعذرني
ريمٌ كأنَّ له في كل جارحةٍ عقدًا من الحسنِ أو نوعًا من الفتنِ
كأنَّ جوهرهُ من لطفهِ عرضٌ فليس تحويهِ إلاّ أعينُ الفطنِ
أخفى من السِّرّ لكنْ حسنُ صورته إذا تأملّته أبدى من العلنِ
والله ما فتنت عيني محاسنهُ إلاّ وقد سحرت ألفاظه أذني
ما تصدر العينُ عنه لحظها مللًا كأنّه كلُّ شيءٍ مرتضىً حسن
[ ٢٠ ]
يا منتهى أملي لا تُدنِ لي أجلي ولا تعذّب ظنوني فيكَ بالظننِ
إن كان وجهكَ وجهًا صيغَ من قمرٍ فإنَّ قدَّك قدٌّ قُدَّ من غصن
وقوله أيضًا:
أأعذرُ قلبي وهو لي غيرُ عاذرٍ وأعصي غرمي وهو ما بين أضلعي
نأوا والأسى عنّي بهم غير مُنتأٍ وودَّعتهم والقلب غير مودعِ
فأوَّل شوقي كانَ آخر سلوتي وآخر صبري كان أول أدمعي
وقوله أيضًا:
إن كانتِ الألحاظُ رسل القلوبْ فينا فما أهونَ كيدَ الرَّقيبْ
قبَّلتُ من أهوى بعيني ولم يشعر بتقبيلي خدُّ الحبيبِ
لكنَّه قد فطنت عينهُ لسرِّ عيني فطنةَ المستريبِ
إن كان علمُ الغيبِ مستخفيًا عنّا فعندَ اللَّحظ علمُ الغيوبِ
وقوله أيضًا:
ألا يا نسيمَ الرّيح عرِّجْ مُسلِّمًا على ذلك الشخصِ البعيدِ المودِّع
وهُبَّ على من شفَّ جسمي بعادُهُ سمومًا بما استمليت من نار أضلعي
فإن قال ما هذا الحرورُ فقل له: تنفُّس مشتاقٍ لوجهك موجَعِ
وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله رقيق حاشية اللسان، أنيق ديباجة البيان، وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف عن بديع الشعر إلى رفيع النثر، أتى بحلال السحر، وهو أبدع الناس استعارات، وأحلاهم إشارات، وليس بعد ذي الرمة أقصد منه للتشبيهات، وكان ذو الرمة يقول: "إذا قلت: كأن، فلم أجد مخرجًا فقطع الله لساني".
وسأريك قطعة من منثوره الظريف، ومنظومه الشريف: قال أحمد بن سعيد الدمشقي: كنت أؤدبه، فتحمل البلاذري على قبيحة أم المعتز بقول سألوها أن تأذن له في الدخول عليه لتأديبه وقتًا من النهار معي فأجابت أو كادت أن تجيب، فلما اتصل الخبر بي جلست في منزلي غضبًا لما بلغني عنها، فكتب إلي وهو ابن ثلاث عشرة سنة يقول:
أصبحت يا بن سعيدٍ حُزتَ مكرمةً عنها يقصِّرُ من يحفى وينتعلُ
سربلتني حكمةً قد هذَّبت شيمي وأجَّجت نار ذهني فهي تشتعل
أكون إن شئت قُسًا في خطابته أو حارثا وهو يوم الحفلِ مرتجلُ
وإن أشأْ فكزيدٍ في فرائضه أو مثل نعمان لما ضاقت الحيلُ
أو الخليل عروضيًا أخا فطنٍ أو الكسائي نحويًا له عللُ
تعلو بداهة ذهني في مركَّبها كمثل ما عُرفتْ آبائي الأُوَلُ
وفي فمي صارمٌ ما سلَّهُ أحدٌ من غمدهِ فدرى ما العيش والجذلُ
عُقباك شكرٌ طويلٌ لا نفاد له=تبقى معالمهُ ما أطَّتِ الإبلُ قس الذي ذكره: هو قس بن ساعدة الإيادي، وحارث: هو الحارث بن حلزة اليشكري، ووصف ارتجاله يوم حفله في إنشاده عمرو بن هند قصيدته التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواءُ
وزيد هو زيد بن ثابت الأنصاري، وغليه انتهى علم الفرائض، ونعمان هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت رئيس أهل العراق في الفقه، والخليل بن أحمد الفرهودي منسوب إلى الفراهيد بطنٌ من اليحمد من الأزد، وعلي بن حمزة الكسائي الكوفي.
وقال ابن المعتز:
سلي بي إذا ما الحربُ ثارتْ بأهلها ولم يكُ فيها للجبان قرار
وعمَّ السّماءَ النقعُ حتى كأنَّه دخانٌ وأطرافُ الرِّماح شرارُ
ولي كلُّ خوّارِ العنان مُجرَّبٌ كميْتٌ عناه الجري فهو مُطارُ
كأنَّ الرياحَ الهوجَ يحملن سرجه إذا ابتلَّ منه محزَمٌ وعذارُ
وعضبٌ حسامُ الحد ماضٍ كأنّه إذا لاح في نقع الكتيبةِ نارُ
وقمصُ حديدٍ ضافيات ذيولها لها حدقٌ خزر العيون صغار
وقال يمدح الموفق:
إليك امتطينا العيس تنفخُ في البُرى وللصبحِ طرفٌ بالظَّلام كحيل
فبتنا ضيوفًا للفلاةِ، قراهمُ عنيقٌ ونصٌّ دائمٌ وذميلُ
يهزُّ ثيابَ العصْبِ فوق متونها نسيمٌ كنفث الراقيات عليلُ
ولمَّا طغى فعلُ الدعيِّ رميته=بعزمٍ يردُّ العضبَ وهو فليل
وجرِّد من أغمادهِ كلَّ مرهفٍ إذا ما انتضته الكفُّ كاد يسيلُ
جرى فوق متنيهِ الفرندُ كأنّما تنفِّس فيه القينُ وهو صقيلُ
وقال أيضًا في سيف يصفه:
[ ٢١ ]
ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ فما يُنتضى إلاّ لسفك دماءِ
ترى فوق متنيه الفرندَ كأنَّه بقيَّةُ غيمٍ رقَّ دون سماءِ
وقال "مقصورة":
وكأسٍ سبقتُ إلى شربها عذولي كذوبِ عقيقٍ جرى
يسيرُ بها غصنٌ ناعمٌ من البانِ مغرسهُ في نقا
إذا شئتُ كلَّمني بالجفو نِ من مقلةٍ كُحِّلتْ بالهوى
له شعرٌ مثلُ نسج الدُّروعِ وطرفٌ سقيمٌ إذا ما رنا
ويضحك عن أقحوان الرِّيا ضِ يغسلهُ بالعشيِّ النَّدى
ومصباحنا قمرٌ مشرقٌ كترسِ اللُّجين يشقُّ الدُّجى
وقال أيضًا:
وفتيةٍ كسيوفِ الهند قلت لهم: سيروا فما فثؤوا رأيي ولا خرقوا
ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيلِ لهم حتى توقَّد من ذيل الدُّجى الشَّفق
وقال أيضًا:
لبسنا إلى الخمّار والنَّجم غائرٌ غلالةَ ليلٍ طرِّزت بصباح
وظلَّت تدير الرّاح أيدي جآذرٍ عتاقٍ دنانير الوجوه ملاح
وقال:
وعاقدِ زُنَّارٍ على غصنِ الآس مليح المعاني مخطفِ الخصر ميَّاس
سقاني عُقارًا صُبَّ فيها مزاجها فأضحك عن ثغرِ الحبابِ فمَ الكاس
[وقال:
يقول العاذلون: تسلَّ عنها وداوِ لهيبَ قلبك بالسُّلوِّ
وكيف وقبلةٌ منها اختلاسًا ألذُّ من الشماتة بالعدوِّ]
وقال:
وآثار وصلٍ في هواك حفظتها تحيّاتُ ريحانٍ وعضّاتُ تفاحِ
وكتبٍ لطافٍ تربها المسكُ أدرجتْ على وصفِ أشجانٍ وتعذيب أرواحِ
يخلنَ تعاويذًا بجنبي كأنّني أمسُّ بخيلٍ في مسائي وإصباحي
ومن نثره المستندر قوله: وسار فلان في جنود عليهم أردية السيوف، وقمصان الحديد، وكأنّ دروعهم زبد السيول، وكأن رماحهم قرون الوعول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، ويمتد بالنقع سرادقها، قد نثرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين، وقرطت عذرًا كأنها الشنوف، تتلقف الأعداء أوائله، ولما تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر وهب معهم ريح النصر. وهذا في صفة الجيش بديع كله.
وله في النظم مثله مما رمى فيه بالتشبيهات، على مراقي الاستعارات. فجاء مفرغًا في قالب الكمال، مطلعًا في طالع الجمال، وهو قوله يمدح المكتفي بالله لما قدم من الرقة بعد القبض على القرمطي، وهاك الكلمة بجملتها:
لا رمَّانِ النُّهود فوق أغصانِ القدود
وعناقيد من أصدا غٍ وورودٍ من خدود
ووجوهٍ من بدورٍ طالعاتٍ بالسعودِ
ورسولٍ جاء بالميعاد من بعد الوعيد
ونعمي من وصالٍ في قفا طول الصُّدود
ما رأت عيني كظبي زارني في يوم عيد
في قباءٍ فاختيِّ الل؟ ون من لبس الحديد
كلما قاتل جند ي بسيف وعمود
قاتل الناس بعيني؟ ن وخدين وجيد
قد سقاني الرَّاح من في؟ ؟هـ على رغم الحسود
وتعانقنا كأنّي وهو في عقدٍ شديد
نقرع الثغر بثغرٍ طيّبٍ وعذب الورود
[مثلما عاجل بردٌ قطر مزنٍ بجمود]
مرحبًا بالملك القا دمِ بالجدِّ السعيد
يا مُذلَّ البغي يا قا تل حيَّات الحقود
عش ودم في ظلِّ عيشٍ خالدٍ باقٍ جديد
فلقد أصبح أعدا ؤك كالزرع الحصيد
ثم قد صاروا حديثًا مثل عادٍ وثمودِ
جاءهم بحر حديد تحت أجبال بنود
فيه عقبان خيولٍ فوقها أسدُ جنود
وردوا الحرب فمدّوا كلَّ خطيّ مديد
وحسامٍ شرهِ الحَ؟ دِّ إلى قطع الوريد
ما لهاذ الفتح يا خي؟ ؟ر إمامٍ من نديد
فاحمد الله فإن ال؟ حمدَ مفتاحُ المزيدِ
[ ٢٢ ]
كتبت هذه القصيدة لأنها فريدة، تجري على النفس مجرى الطبع، والكلام الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المتناول، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة، يدنو من فهم سامعه دنوه من وهم صانعه، والمصنوع مثقف الكعوب، معتدل الأنبوب، يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته، كما يجول السَّحر في الطرف الكحيل، والأثر في السيف الصقيل، وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل لتنقيح المباني دون تصحيح المعاني يعفي آثار صنعته، ويطفئ أنوار صيغته، ويخرجه إلى فساد التعسف وقبح التكلف، فإلقاء المطبوع [بيده] إلى قبول ما يبعثه هاجسه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، ولا تدقيق الفكر، ويخرجه إلى حد المستهدم الرث، وحيز المستوخم الغث، وأحسن ما أجري إليه، وعول عليه، التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين في الطبع والصنعة.
وقد قال أعرابي للحسن البصري: علمين دينًا وسطًا، لا ساقطًا سقوطًا، ولا ذاهبًا فروطًا، قال: أحسنت، (خير الأمور أوساطها) . والله قد جعل البيان مقسمًا في خلقه، وأجل حظ البحتري، إذ كان عن هذه القوس ينزع، وإلى هذا النحو يرجع.
ومن كلام ابن المعتز في صوف الكتاب والقلم قوله: الكتاب والج للأبواب، جريء على الحجاب، مفعم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق، والقلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفًا، وينطق سائرًا، على أرض بياضها مظلم، وسادها مضيْ، كأنه يقبل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان.
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لمات عرض القاسم على المعتضد بالله ليخلف أباه: فقال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يج؟ ري كما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطا سًا كما قبل البساط شكور
مرسل لا تراه يحبسه الش؟ ك إذا ما جرى ولا التفكير
ولطيف المعنى جليل نحيف وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم حت؟ ف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدجى نهارًا فما أد ري أخط فيهن أم تصوير
وقال بعض البلغاء: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال أبو الطيب المتنبي:
دعاني إليك العلم والحلم والحجى وهذا الكلام النظم والنائل النثر
وما قلت من شعر تكاد بيوته إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
وصف أحمد بن صالح بن شيرزاد جارية كاتبة فقال: كأنّ خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها [سواد] شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مقطعها قلب عاشقها.
ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الخط وسرعة يد الكاتب: الكلام الفائق، بالخط الرائق، نزهة القلب، وفاكهة النفس، وريحانة الروح، خط كأنه يواقيت في نظام، وصفحات نور عليها سطور الظلام. خط أحسن من عطفة الأصداغ، وبلاغة تميل بالآمل أوذن بالبلاغ. خط كما تفتح الزهر غب المطر، كأنه خطوط الغوالي في خدود الغواني. خط أملح من بنفسج الخط، وأحسن من الدر في السمط. خط أحسن من بدور الغرر، في ليالي الطرر. فلان يغرس في ارض القراطيس، وينشر عليها أجنحة الطواويس. خط كأن القلب يشعر منه نورًا، [وتجنى العين منه نورا] . خطه خطة الحسن، ويده ضرة البرق، وقلمه فلكي الجري، ويده ظئر البلاغة، وأم الكتابة، وضرة الريح، وينبوع الفضل.
قطعة من مقطعات تجري في شعرهم في التمثيل والمحاضرات في معانٍ مختلفة: أبو فراس الحمداني:
ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
أبو الحسن بن لنكك البصري:
جار الزمان علينا في تصرفه وأي دهر على الأحرار لم يجر؟
عندي من الدهر ما لو أن أيسره يلقى على الفلك الدوار لم يدر
وقال:
عدنا من زماننا عن حديث المكارم
من كفى الناس شره فهو في جود حاتم
أبو عبد الله بن الحجاج:
دعوت نداك من ظمأٍ إليه فعناني بقيعتك السراب
سراب لاح يلمع في سباخ ولا ماء لديه ولا تراب
وقال أيضًا:
[ ٢٣ ]
لحى الله امرءًا أعطاك سرًا فبحت به وفض الله فاه
فإنك بالذي استودعت منه أنم من الزجاج بما وعاه
وهذا كقول السري الموصلي:
وإنك كلما استودعت سرًا أنم من النسيم على الرياض
ولابن وكيع [في هذا المعنى]:
صديق قد ندمت على اختياري له لما تأمله اختباري
ينم بسر مسترعيه سرًا كما نم الظلام بسر نار
أنم من النصول على مشيب ومن صافي الزجاج على عقار
أبو الحسن الموسوي النقيب:
ما السؤدد المكسوب إلا دون ما يومي إليه السؤدد المولود
فإذا هما اتفقا تكسرت القنا إن غولبا وتضعضع الجلمود
وقال:
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه لقد تقارب بني العز والهوان
ومنظر كان بالسراء يضحكني يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
وقال:
أنت الكرى مؤنسًا طرفي وبعضهم مثل القذى مانعًا عيني من الوسن
لقد تمازج قلبانا كأنهما تراضعا بدم الأحشاء لا اللبن
وقال:
اشتر العز بما بي؟ ع فما العز بغال
بالقصار الصفر إن شئ؟ ت أو السمر الطوال
ليس بالمغبون حظًا مشترٍ عزًا بمال
إنما يدخر الما ل لحاجات الرجال
والفتى من جعل المعرو ف أثمان المعالي
أبو الفضل بن العميد:
لن يصرف الدهر عن سجيته إرب أريب وحول ذي حيل
أي معين صفا على كدر الد دهر وأي النعيم لم يزل
وقال:
آخ الرجال من الأبا عد والأقارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا رب أو أشد من العقارب
وقال الكندي: الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب. وإنما المرء بصديقه.
[وقال] الصاحب أبو القاسم بن عباد:
حفظ اللسان راحة الإنسان فاحفظه حفظ الشكر للإحسان
فآفة الإنسان في اللسان
وقال:
مرادي من الدنيا صديق مساعد وليس يريد الدهر لي ما أريده
ومن يكن القاضي خصيمًا له فقد أضر به إقراره وجحوده
فمهما ادعى حقًا له عاد باطلًا ولو أن كل العالمين شهوده
وعز على الإنسان إثبات حجة إذا كان حكامًا عليه عميده
[وقال] علي بن عبد العزيز القاضي:
يقولون لي: فيك انقباض، وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما
إذا قيل: هذا مورد قلت: قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما
ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت إلا لأخدما
أأغرسه عزًا فأجنيه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالإعراض حتى تجهما
[وقال] أبو بكر الخوارزمي:
علق غدا بياعه مبتاعه لهوانه
كالفرج لم يخطب فصا ر أخوه من أختانه
[وقال] إسماعيل الشاشي:
وجود المنى ألا تكاثر في المنى ونيل الغنى ألا تفكر في الغنى
ومن كان للدنيا أشد تضورًا تجده عن الدنيا أشد تصونا
عبرة:
لا يؤيسنك من عثمان حدته وإن تطاير من أثوابه الشرر
فإن حدته والله يكلؤه كالبرق والرعد يأتي بعده المطر
[وقال] أبو الفتح البستي:
إذا أحسست في لفظي فتورًا وخطي والبلاغة والبيان
فلا تعجب لذاك فإن رقصي على مقدار إيقاع الزمان
وقال أيضًا:
بقية العمر عندي ما لها ثمن وإن غدا خير محبوب من الثمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويح؟ يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن
ونثر هذا النظم لعلي بن أبي طالب ﵁ [وقال] الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي:
كم والد يحرم أولاده وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ولحظها يدرك ما يبعد
وقال:
أطالب أيامي بإنجاز موعدي وها هي تلوي بالوفاء وتجمح
أقول عساها أن تلين لمطلبي قليلًا فبعض الشوط بالتمر يسمح
أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي:
[ ٢٤ ]
تعلم من الأفعى أمالي طبعها فآنس إذا أوحشت تعف من الذم
لئن كان سم كامن تحت نابها ففي لحمها ترياق غائلة السم
وقال:
الله يعلم أني لست ذا بخلٍ ولست ملتمسًا في البخل لي عللا
لكن طاقة مثلي غير خافية والذر يعذر في القدر الذي حملا
[وقال] أبو بكر الخالدي:
وأخ رخصت عليه حتى ملني والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعز وجوده إن رمته إلا صديق مخلص
[وقال] أخوه أبو عثمان:
يا هذه إن رحت في خلق فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحيا ة قميصها خزف وقار
أبو نصر بن نباتة:
ولا تحقرن عدوًا رماك وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تجذ الرقاب وتعجز عما تنال الإبر
وله:
أرى همم المرء اكتئابًا وحسرة عليه إذا لم يسعد الله جده
وما لامرئٍ في حادث الدهر حيلة إذا نحسه في الأمر وافق سعده
وله:
وعنفني في مركب الهول معشر وقالوا: أيهوى الجدب من هو في الخصب
وإني لأدري أن في العجز راحة وأعلم أن السهل أوطا من الصعب
ولو طلب الناس المكارم كلهم لكان الغنى كالفقر والعبد كالرب
ولكن أشخاص المعالي خفية على كل عين ليس تبصر باللب
يقول في هذه القصيدة يمدح علي بن المزربان:
ومن كعلي للفوارس تدعي وللخيل سامتها القوائم للوثب
ترى الشمس أمًا والكواكب إخوة وتنظر من بدر السماء إلى ترب
رأى الفلك الدوار تربة بابل أحق وأولى منه بالأنجم الشهب
يدب ويسري نشركم في نسيمها ويعبق منكم في المياه وفي الترب
وما بشروق الشمس منها تشرفت بكم شرفت شرق البلاد على الغرب
ابن وكيع:
لئيم لا يزال يلم وفرًا لوارثه ويدفع عن حماه
ككلب صيد يمسك وهو طاو فريسته ليأكلها سواه
وقال:
تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن خالفتني لتريد نقصي فلا تغضب إذا لم تعط طاعة
وقال:
امزح بمقدار الطلاقة واجتنب مزحًا تضاف به إلى سوء الأدب
لا تغضبن أخاك إن مازحته إن المزاح على مقدمة الغضب
[وقال] أبو إسحاق الصابي:
وأحق من نكسته بالصغر من درجاته
من مجده من غيره وسفاله من ذاته
وكتب إلى صديق له من السجن بقوله:
نحن في الصحبة كالنسرين لكني واقع
وعلى الطائر أن يغشى أخاه ويراجع
وكان سبب سجنه أنه في أيام عز الدولة بختيار بن معزها أحمد بن بويه الديلمي كان على ديوان الإنشاء، وكانت بين بختيار وعضد الدولة فنا خسرو منافسة في الرئاسة، فلما خلع الفضل بن جعفر المقتدر [وهو المطيع] وأقيم مكانه ابنه أبو الفضل عبد الكريم الطائع سنة أربع وستين وثلاثمئة، استولى على جميع الأمر عضد الدولة، وقتل بختيار وأمحى أثره، فأحضر الصابي، وقال: قد علمت ما كنت تعاملني به من قبيح المخاطبة في المكاتبة، وقد أحفظني ذلك، فأوجب حلفي على قتلك إذا ظفرت بك، وقد رأيت ذلك من الفساد إذ كنت مقدمًا في صناعتك، ولكن لا تعمل لي عملًا أبدًا.
واستصفى أمواله وحبسه، وولى ديوان الإنشاء أبا منصور المرزبان الشيرازي، وكان غاية في البلاغة والفصاحة وحسن آلات الكتابة. وزارة أبا إسحاق الصابي في السجن أبو الفرج الببغاء الشاعر زورة ثم قطعه فكتب إليه:
أبا الفرج أسلم وابق وانعم ولا تزل يزيدك صرف الدهر حظًا إذا نقص
مضت مدة أستام ودك غاليًا فأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارة شفت كمدًا من صاحب لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائر فواقًا كما يستفرض السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي وعادك عيد من تذكرك القفص
فعوفيت يا قس الطيور فصاحة إذا سرد المنظوم أو تلي القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدبق لهذم لفرسانكم عند اللقاء بها قعص
[ ٢٥ ]
فهذي دواهي الطير وقيت شرها إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص
فأجابه أبو الفرج الببغاء:
أيا ماجدًا في حلبة المجد ما نكص ويا كاملًا في رتبة الفضل ما نقص
ستخلص من هذا السرار وأيما هلال توارى في السرار فما خلص
بدولة تاج الملة الملك الذي له في أعالي قبة المشتري خصص
تقنصت إنصافي وما كنت قبل ذا أظن بأن المرء بالبر يقتنص
فأصبحت لا أخشى أذية جارح ورأيك لي وكر وقلبك لي قفص
ولعضد الدولة:
طربت إلى الصبوح مع الصباح وشرب الراح والغرر الملاح
وكان الثلج كالكافور نثرًا وناري بين نارنجي وراحي
فمشمومي ومشروبي وناري وثلجي والصبوح مع الصباح
لهيب في لهيب في لهيب صباح في صباح في صباح
تنازع إبراهيم بن المهدي ويختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دؤاد [في مجلس الحكم] في عقار بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، وأغضب ذلك ابن أبي داؤد، فقال: يا إبراهيم إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءًا فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتًا ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أممًا، وطريقك نهجًا، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلًا، وورف مجالس الخليفة حقوقها من التوقير والتعظيم والاستكانة والتوجه إلى الحق، فإن هذا أشكل بك، وأجمل بمذهبك في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلن، فرب عجلة تهب ريثًا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل.. إن ربك عليم حكيم.
فقال إبراهيم: أمرت أصلحك الله بسداد، وحضضت على رشاد، ولست عائد لما يثلم قدري عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فها أنا ذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، باخع بجرمه، لأن الغضب لا يزال يستفز بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد جعلت حقي في هذا العقار ليختيشوع، فليت ذلك يكون وافيًا بأرش الجناية عليه، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.
وفضل إبراهيم بن المهدي أشهر من أن يذكر، وكانت أخته عليه تعدل بكثير من أفاضل الرجال، في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع، وهي القائلة:
اشرب على ذكر الغزا ل الأغيد الحلو الدلال
اشرب عليه وقل له يا غل ألباب الرجال
أبقيت جسمي ناحلًا وسكنت في ظل الحجال
وبلغت مني غاية لم أدر فيها ما احتيالي
وقالت، ولها فيه لحن:
يا عاذلي قد كنت قبلك عاذلًا حتى بليت فصرت صبًا ذاهلًا
الحب أول ما يكون جهالة فإذا تفرع صار شغلًا شاغلا
وقالت:
وضع الحب على الجور فلو أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوى عاشق يحسن تأليف الحجج
وقليل الحب صرفًا خالصًا لك خير من كثير قد مزج
كأنها ذهبت في البيت الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى فأين حلاوات الرسائل والكتب
وزاد منصور بن سلمة النمري في هذا فقال:
راحتي في ملامة العذال وشفائي سؤالهم عن حالي
لا يطيب الهوى ولا يحسن الح؟ ب لخلق إلا بخمس خصال
بسماع الأذى وعذل نصيح وعتاب وهجرة وتقال
وأنشد كشاجم لابن الرومي:
لولا اطراد الصيد لم تك لذة فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذاالشراب أخو الحياة وماله
من لذة حتى يصيب غليلا
وأنشد الأصمعي:
لا خير في الحب وقفًا لا تحركه عوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي قلبها أو عندها جزعي لكنت أملك ما آتي وما أدع
إذا دعا باسمها داع ليحزنني كادت له شعبة في مهجتي تقع
لا أحمل اللوم فيها والغرام بها ما حمل الله نفسًا فوق ما تسع
وسمعت أم جعفر، زبيدة بنت جعفر، علية تغني في شعر العباس بن الأحنف:
عندي مثالك لعبة عاجية لو كان يقنع بالشبيه متيم
فإذا فقدتك ساعة كلمتها لكنها خرساء لا تتكلم
[ ٢٦ ]
وإذا بكيت حسبتها تبكي معي وإذا ضحكت حسبتها تتبسم
فأمرت أم جعفر فصنعت لها لعبة من عاج، وكتبت على صدرها أبيات العباس، وأهدتها إلى الرشيد، فما زال يشرب عليها بقية ليلته، فلما أصبح سألها عن القصة، فأخبرته، فأحضر علية فغنته بالشعر فجدد صبوحًا، ولم يمر له يومًا أطيب من يومه.
وخرج الرشيد إلى الري ومعه علية، فلما صرا بالمرج عملت شعرًا وغنته وهو:
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه وقد غاب عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب منن نحو أرضه تنشق يستشفي برائحة الركب
فلما سمع الصوت بكى ورق لها، وعلم أنها اشتاقت إلى بغداد، فأمر بردها.
قال إسحاق الموصلي: كانت علية إذا طهرت لزمت المحراب، وقرأت القرآن، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب، إلا أنها تتناول منه، وكانت تكاتب بالأشعار خادمين يقال لأحدهما: طلا، وتكني عنه بظل، والآخر رشأ، وتكني عنه بزينب على أنهما جاريتان.
فمن شعرها في طل:
يا رب إني غرضت بحبها فإليك أشكو ذاك يا رباه
ظل ولكني حرمت نعيمه وهواءه إن لم يغثني الله
وأقامت أيامًا فلم تره، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته وقالت له:
قد كان ما كلفته زمنًا يا ظل من وجدي بكم يكفي
حتى أتيتك زائرًا عجلًا أمشي إلى حتفي على حتفي
فبلغ ذلك الرشيد، فحلف عليها ألا تكلم طلًا ولا تذكر اسمه، فدخل عليها على غفلة، وهي تقرأ في المصحف: ﴿فإن لم يصبها وابل..﴾ فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك وقبل رأسها، وقال: ولا كل هذا، وقد وهبت لك طلًا.
وقيل: أنه كان قتله.
وحجب طل عنها عند أول ما أحس الرشيد بما بينهما فقالت:
أيا سروة البستان طال تشوقي فهل لي إلى ظل إليك سبيل
متى يلتقي من ليس يرجى خروجه وليس لمن يهوى إليه دخول
ومن قولها في رشأ:
وجد الفؤاد بزينبا وجدًا شديدًا متعبا
أصبحت من وجدي بها أدعى شقيًا منصبا
ولقد كنيت عن اسمها عمدًا لكي لا تغضبا
وجعلت زينب سترة وكتمت أمرًا معجبا
قالت: وقد عز والوصا ل ولم أجد لي مذهبا
والله لا نلت المود ة أو تنال الكوكبا
وقالت: لأكنين عنه كناية خفية فقالت:
القلب مشتاق إلى ريب يا رب ما هذا من العيب
قد تيمت قلبي فلم أستطع إلا البكا يا عالم الغيب
خبأت في شعري ذكر الذي أحببته كالخبء في الجيب
[لأن في قولها في آخر القسم الأول وأول الثاني: "ريب يا" تصحيف رشأ] ولها في الأمين وغنته:
أطلت عاذلتي لومي وتفنيدي فأنت جاهلة شوقي وتسهيدي
لا تشرب الراح بين المسمعات وزر ظبيًا غريرًا نقي الخد والجيد
قد رنحته شمول فهو منجدل يحكي بوجنته ماء العناقيد
قام الأمين فأغنى الناس كلهم فما فقير على حال بموجود
دخل يومًا إسماعيل بن الهادي على المأمون طائش العقل، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت أكذب بأرغن الروم بأنه يقتل طربًا، وقد صدقت الآن بذلك، قال: وما تدري ما هو؟ قال: لا والله، [قال]: هذه عمتك علية تلقي على عمك إبراهيم صوتًا من شعرها، وهو:
ودعت من أهوى ورحت بحسرة عجبًا لقلبي كيف لم يتصدعا
لا وجد إلا دون وجد نالني يوم الفراق وقد خرجت مشيعا
فإذا الأحبة قد تولت عيسهم وبقيت فردًا والهًا متفجعا
من شعرها:
طالت علي ليالي الصوم واتصلت حتى لقد خلتها أربت على العدد
شوقًا إلى مجلس يزهى بساحته أعيذه بجلال الواحد الصمد
[ ٢٧ ]
كتب أبو الفضل محمد بن أحمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري: سألتني عمن شفني وجدي به، وشغفني حبي له، وزعمت أني لو شئت لذهلت عنه، واعتضت منه، زعمًا، لعمرو أبيك، ليس بمزعم، كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لي تجاه، هيهات هو أغلب علي، وأقرب إلي، من أن يرخي لي عناني، أو أن يخليني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه، وبعد أن ناط حبه بقلبي نائط وشاطه بدمي شائط، فهو جار مجرى الروح في الأعضاء، متنسم تنسم روح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحب السلو عنه مع هناته، ولا الخلو منه مع ملاته، وهذا على أني إن قابلني لم يهنني إقباله، وإن أعرض عني لم يطرقني خياله، يبعد علي مناله، ويقرب من غيري نواله، ويرد عيني خاسئة، ويدي خالية، وصله ينذر بصده، وقربه يؤذن ببعده، يدنو عندما ينزح، ويأسو مثلما يجرح، مخالته أحوال، وخلته خلال، وحكمه سجال والحسن في عوارفه والجمال في معاطفه والبهاء في فضوله وصفاته، والسناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق لنجواه، يتشابه قطراه، وتتضارع حالات، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير.
وكتب إليه وصل كتابك فصادفني قريب عهد بانطلاق، من حيث عنت الوثاق، ووافقني مستريح الجوانح والأعضاء من حر الاشتياق، فإن الدهر جرى على حكمه المألوف في تحويل الأحوال، ورسمه المعروف في تبديل الأبدال، وأعتقني من مخالبك عتقًا لا تستحق معه ولاء، وابرأني من عهدة مودتك براءة لا تستوجب معها دركًا ولا استثناء، ونزع من عنقي ربقة الذل من إخائك، بيدي جفائك، ورش [على] ما كان يحتدم في ضميري من نيران الشوق ماء السلو، وشن على ما كان يتلهب في صدري من الوجد روح اليأس ومسح أعشار قلبي فلأم فطورها بجميل الصبر، وشعب أفلاذ كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل في مسالك أنفاسي، فعوضني من النزاع إليك نزوعًا عنك، ومن الذهاب فيك رجوعًا دونك، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصري، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظري، حتى حدر النقاب عن صفحات طريقتك وسفر عن وجوه خليقتك، فلم أجد إلا منكرًا، ولم ألق إلا مستكبرًا، فوليت منهما فرارًا، وملئت منهما رعبًا، فاذهب فقد ألقيت على غاربك حبلك، ورددت إليك ذميمًا عهدك.
وفي فصل من هذه الرسالة: وأما عذرك الذي رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز [وأعرض]، ورفعت بضبعه فانخفض، فقد ورد فلقيته بوجه من يؤثر قبوله على رده، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما يذله لك عن نفسه، ولم يقم عند ظنك به، أنى؟ وقد غطى التذمم وجهه فلم يقدر على إيقافه، ومضى [يعثر] في فضول ما تغشاه من كذب حتى سقط، فقلنا: لليدين وللفم.
وقوله هذا محلول من عقود نظمه إذ يقول:
وسألتك العتبى فلم ترني لها أهلًا فجدت بعذرة شوهاء
وردت مموهة فلم يرفع لها طرف ولم ترزق من الإصغاء
وأعار منطقها التذمم سكتة فتراجعت تمشي على استحياء
لم تشف من كمد ولم تبرد على كبد ولم تمسح جوانب داء
سئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن المجيدين من المغنين فقال: من لطف معناه في اختلاسه، وتمكن في أنفاسه، وتفرع في أجناسه، فكاد يعلم ضمائر معاشرين، وشهوات مجالسيه، فقرع كل واحد منهم بالنوع الذي يطابق هواه، ويوافق معناه، فأطرب جميعهم، وأخذ بقلب كافتهم، حتى اتفقت عليه أهواؤهم، واجتمعت على تفضيله كلمتهم، والتأمت على مدحه ألسنتهم.
قال جعفر بن مهلهل: فحدثت بهذا الحديث إبراهيم بن المهدي وعجبته منه، فقال: أيجوز هذا عليك!.. ابن الموصلي في قدره وصناعته ومحله من الخلفاء قد علم أنه مسؤول عن هذا، فتقدم في إعداد الجواب.
وقال كشاجم:
وجارية مثل شمس النهار أو البدر إذ لاح بين الدراري
أتتك تميس بقد القضيب وترنو بعين مهاة القفار
وترفل في مصمت أبيض تلون من خدها جلناري
وتحمل عودًا فصيح اللسان يشارك أرواحنا في المجاري
له عنق كذراع الفتاة ودستانة بمكان السوار
فجارت عليه وجادت له بعسف اليمين ولطف اليسار
ولا أمهلته ولا نهنهته من الظهر حتى تقضى نهاري
[ ٢٨ ]
فلما تغنت غناء الوداع بكيت وقلت لبعض الجواري:
لئن عاشت عند هزار اللقاء لقد مت عند هزار الإزار
قال ثمامة بن أشري: كنت عند المأمون في مجلس أنس إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير المأموني، فكرهت ذلك، فقال: يا ثمامة ما بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنى عمير كرت مواطن الإبل وكثبان الرمل، وإذا غنتنا عريب انبسط أملي، وقوي جذلي، وذكرت الجنان والولدان، كم بين يا أمير المؤمنين أن تغني غادة كأنها غصن بان ترنو بمقلة وسنان، كأنما خرطت من ياقوتة، أو صورت من فضة، بشعر عكاشة العمي حيث تقول:
من كف جارية كأن بنانها من فضة قد طرفت عنابا
كأن يمناها إذا ضربن بها تلقى على يدها لشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الصابع، ششن الكف بشعر ورقاء ابن زهير العبسي:
رأيت زهيرًا تحت كلكل خالدٍ فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فضحك وقال: إن الرق لبين، يا غلام لا تأذن له!.. وأحضر قيانه، فظللنا في أطيب يوم.
وكان ابن الرومي يقول: "لو أدركت ملحن ها الشعر قتلته، وهو:
كليب لعمري كان أكثر ناصرًا وأيسر جرمًا منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة كحاشية البرد اليماني المسهم
.. ما الذي يشبه من معاطاة الندمان، ومؤانسة الخلان من ذكر الدم والقتل؟! " وذكر أحمد بن الطيب السرخسي أن النعمان بن المنذر أهدى إلى كسرة جارية تغني غناء العرب، اشتراها [له] بمائة ألف درهم، فغنته شعر عنترة العبسي:
فشككت بالرمح الطويل إهابه ليس الكريم على القنا بمحرم
ففسر له ما يقول فقال: الحرب بلية، والندام مسرة، وما معنى ذكر البلية مع حصول المسرة؟ ولم يسمعها بعد.
قلت أنا: وليت شعري إذا كان الغناء داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي يفكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، والمنقذ من الكرب، الداخل عليه بغير بعث، والوالج إليه بغير نصب، ما باله لا تستخرج له الأشعار الرقيقة، ذات المعاني الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في اللطائف الظريفة الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات الجيوش والمقانب، وذكر الغارات والكتائب، ووصف الأحزان والمصائب، فلأن يسمع من كان ثملًا جذلًا:
سكرت من لحظه لا من مدامته ومال بالنوم عن عيني تمايله
وما السلاف دهتني بل سوالفه ولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بصبري أصداغ لوين له وغل صدري ما تحوي غلائله
أحب إليه من أن يسمع:
أسمعاني الصياح بالإمليس وصياح العيرانة العيطموس
ودعاني من قرع مزهر ريا واختلاف الكؤوس بالخندريس
عزفت [عن] تلكم اللبانات نفسي=وسمعت نحو غير ذاك حدوسي أو يسمع:
ما تغطي عساكر الليل مني ما تجلي مضاحك الصبح عني
جسم سيف في جوف غمد ثياب صدر أنس من تحته قلب جني
ما ينال الكرى سويداه إلا حسوة الطائر الذي لا يثني
كم ظلامٍ جعلته طيلساني صاحبي همتي وقلبي مجني
إلا أن يكون كالمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب.
ولأبي عثمان الناجم في وصف الغناء قطع مستملحة، بكل طريقة موشحة، كقوله:
لقد جاد من عاتب ضربها وزاد كما جاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغناء أنشدنا شعرها عودها
وله:
تأتي أغاني عاتب أبدًا بأفراح النفوس
تشدو فنزمر بالكؤو س لها ويرقص بالرؤوس
وهذا كقوله:
سلامة بن سعيد يجيد حث الراح
إذا تغنى زمرنا عليه بالأقداح
وقال:
ما صدحت عاتب ومزهرها إلا وثقنا باللهو الفرح
لها غناء كالبرء في جسد أضناه طول السقام والترح
تعبده الراح فهي ما صدحت إبريقنا ساجد إلى القدح
وقال:
ما حضرتنا قتول إلا أذكت بنظراتها جوانا
تصدع بالصوت قبل تأتي كأن في نايها لسانا
وقال:
إذا أنت ميزت بين الغنا ء ميزتها الأحذق الأطيبا
تهز القريض بألحانها كما هزت الغصن ريح الصبا
وقال:
[ ٢٩ ]
ما تغنت إلا تقشع هم عن الفؤاد وأقلعت أحزان
تفضل المسمعين طيبًا وحذقًا مثلما يفضل السماع العيان
وقال:
ما نطقت عاتب ومزهرها إلا ظللنا للراح نعملها
تطلب أوتارها الهموم بأو تار تستفيق تقتلها
وقال:
شدو ألذ من ابتدا ء العين في لإغفائها
أشهى وأحلى من منى نفس وصدق رجائها
وقال أيضًا:
لها غناء مطرب معجب يفعل ما لا تفعل الخمرة
تشوق الأذن إلى شدوها تشوق العين إلى الحضرة
كأنما بهجة من زارها بهجة من طارت له القمرة
لو أن إسحاق شدا بعدها لخلت من يسمع في سخرة
مندرة في كل ألحانها لا كالتي تحسن في الندرة
وقال:
لقد برعت في الغناء وزادت وأربت على البارع
يسبح سامعها معجبًا فأصواتها سبحة السامع
[وقال أيضًا:
يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود؟
فقال لي: لن نقوم منها ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم ليلة نعمنا في ظلها والزمان عيد
ظل كأن لم يكن تقضى وشره حاضر عتيد]
وقال يرثي عجائب جارية ابن مروان:
أضحى الثرى بجوارها عطر المسالك والمسارب
حلت حفيرتها حلو ل المسك في سرر الكواعب
يا درة كانت تضي ء لناظر من كل جانب
تبع فيه أستاذه ابن الرومي، يرثي جارية أم علي بنت الرسي:
واهًا لذاك الفناء من طبق على جميع الأنام مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهم سكنى الغوالي مداهن السرر
يا مشربًا كان لي بلا كدر يا سمرًا كان لي بلا سهر
أصبحت بالترب غير راجحة عنه وقد ترجحين بالبدر
ومن ألفاظ أهل العصر في الغناء والمغنين: غناؤه كالغنى بعد الفقر، وهو عذر للسكر، غناء يبسط أسرة الوجه، ويرفع حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاء النفس، غناء يحرك النفوس ويرقص الرؤوس، ويحرض [على الكؤوس]، فلان طبيب القلوب والأسماع، ومحيي الخواطر والطباع، يطعم الآذان سرورًا، ويقدح في القلب نورًا، القلوب من غنائه على خطر، فكيف الجيوب! السكر على صوته شهادة، نعمة نغمته تطرب وضروب ضربه لا تضطرب.
ولهم في ضد هذا: يغني فيتعب ولا يطرب، إذا غنى عنى، وإذا أدى أذى، يميت الطرب، ويحيي الكرب، ضربه يوجب ضربه، من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف، [ولا يقدر على سماعه الضيف] .
وقال كشاجم:
ومغن بارد النغم ة مختل اليدين
ما رآه أحد في دار قوم مرتين
قربه أقطع للذا ت من صبحة بين
وقال أيضًا يذم عوادة:
جاءت بعود مثلها نافر كأنه نقنق الضفدع
مضطرب الأوتار منقوصها مستقبح المبدإ والمقطع
يود من يسمع أصواته لو فقد السمع ولم يسمع
فأقبلت تضرب غير الذي تحسب والنغمة لم تتبع
كأنما قسمة تأليها مثلث مختلف الأضلع
وهذا ضد قوله لبعض إخوانه:
عندي معتقة كودك صافية ونديمك الدمث الرقيق الحاشية
إذا كربت إلى السماع ترنمت بيضاء زاهية تسمى زاهية
تصل الغناء يمينها بشمالها كمثلث أضلاعه متساوية
وله في هذا المعنى:
صحت مقادر ضربها وحسابها وغنائها وتوازنت في الأنفس
فكأن أشكال المثلث إنما يؤخذن عنها ليس عن إقليدس
وقال أبو فراس الحمداني: كان سيف الدولة لا يشرب النبيذ ولا يسمع القيان، ويحظرهما علي، فوافت من بغداد ظلوم الشهرامية، وكانت من المحسنات، وكان بحضرته ابن المنجم، فاضل [أهل] زمانه. فتاقت نفسي إلى سماعها، فسألنه أن يحضرهما، فوعدني بذلك في يومنا، فانصرفت عنه، وأنا غير واثق [به]، لعلمي بضعف نيته في ذلك، ووجهت إلى ظلوم وابن المنجم فحصلتهما، وأقمت أنتظر رسوله إلى غروب الشمس فكتبت له:
محلك الجوزاء بل ارفع وصدرك الدهناء بل أوسع
وقلبك القلب الذي لم يزل للجد والهزل به موضع
رفه بقرع العود سمعًا غدًا قرع العوالي جل ما يسمع
[ ٣٠ ]
فبلغت الأبيات الوزير أبا محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي، فأمر بها فلحنت، وغني بها، فلم يزل يشرب عليها بقية يومه.
وكان أبو فراس حسن الشعر جيد النمط، لقوله من الحلاوة، وعليه من الطلاوة ما يشهد به ما أنشد له: وكان أبو القاسم الصاحب يقول: بدئ الشعر بملك، وختم بملك، بدئ بامرئ القيس وختم بأبي فراس.
كتب إلى سيف الدولة وقد قفل من غزاة: كتابي أطال الله بقاء مولاي الأمير من منزلي وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر والظهر وقرًا وشكرًا. فاستحسن سيف الدولة بلاغته، فقال أبو فراس:
هل للسماحة والفصا حة والعلا عني محيد
إذ كنت والدي الذي خرجتني وأبي سعيد
في كل يوم أستفي؟ د من العلاء وأستعيد
ويزيد فيّ إذا رأي؟ تك في الندى خلق جديد
وقال:؟لنا بيت على طنب الثريا=بعيد مذاهب الأكناف سام
تظلله الفوارس بالعوالي وتفرشه الولائد بالطعام
وقال:
ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ليست مؤاخذة الخلان من شاني
يجني الصديق فأستحلي جنايته حتى أدل على عفوي وإحساني
ويتبع الذنب ذنبًا حين يعرفني عمدًا فأتبع غفرانًا بغفران
يجني علي فأحنو صافحًا أبدًا لا شيء أحسن من حانٍ على جانِ
وقال:
فوالله ما أضمرت في الحب سلوة ووالله ما حدثت نفسي بالصبر
وإنك في عيني لأبهى من الغنى وإنك في قلبي لأحلى من النصر
فيا حكمي المأمول ملت مع الهوى ويا ثقتي المأمون خنت مع الدهر
وقال:
لبسنا رداء الليل والليل راضع إلى أن تردى رأسه بمشيب
وبتنا كغصني بانة عطفتهما مع الصبح ريحا شمأل وجنوب
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه مبادي نصول في عذار خضيب
فيا ليل قد فارقت غير مذمم ويا صبح قد أقبلت غير حبيب
وقال:
لا غرو إن فتنتك باللح ظات فاترة الجفون
فمصارع العشاق ما بين الفتور إلى الفتون
فاصبر فمن شيم الهوى صبر الضنين على الظنين
كتب شمس المعالي إلى وكيل له بالري يعرف بأبي الفرج عبد السلام بن محمد كتابًا دعاه الإعجاب به إلى أن أوقف عليه كافي الكفاة وتاج الولاة أبا القاسم بن إسماعيل بن عباد الصاحب، فأطنب الصاحب في وصفه وتقريظه، فكتب عبد السلام إلى شمس المعالي بذلك فأجاب: أما إعجاب الفاضل بالفصول التي عرضتها عليه، ورفعتها إليه، فلم يكن ذلك مما يحسبه إلا لخلة واحدة، وهي أنه وجد فنًا في غير أهله فاستبدعه، وفرعًا في غير أصله فاستشنعه، فقد يستعذب الشريب من منبع الزعاق ويستطاب النحيب من مخرج النهاق، ولكنك فيما أقدمت عليه، من بسط اللسان بحضرته وإرخاء العنان بمشهده، كمن حاسن بقباحته القمر، وخاشن بوقاحته الحجر، ولا كلام فيما مضى، ولا عتب فيما اتفق وجرى.
فأجاب الصاحب: قرأت الفصل الذي تجشمه جامع هزة العرب إلى عزة العجم، وناظم صليل السيف إلى صرير القلم، فحرت في محاسن خط، لا البرد الوشيع معتلق ذيلها، ولا الروض المريع نائل نيلها، وعقائل لفظ إن نعتها فقد غبنتها، وإن وصفتها فما أنصفتها، والله يمتعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه وغاربه، واستولى على مشارقه ومغاربه، ولم يكن استحساني مما رأيت، وإعجابي بما رويت، استغرابًا لمنبعه، ولا استبداعًا لمطلعه، بل لأنه شريف في جنسه، نفيس في نفسه، وقد حفظت ذلك الفضل، حيث سواد الناظر وأعز، وبسويداء القلب وأحرز، وعسى أن ينجز الدهر وعدًا، فيعود التعارف ودًا، فقد سمعت بالبعيد القريب، وفرحة الأديب بالأديب، وما إلى ذلك على الله بعزيز.
[ ٣١ ]
فأجاب شمس المعالي وكيله عن هذا الجواب: قد أهديت إلي أعزك الله محاسن الدنيا مجموعة في ورقة، ومباهج الحلل والحلي محصورة في طبقة، وهو ما خطه ذلك الفاضل بيده، وباشره بقلمه [و] ما كنت أحسب أن جماع البديع يأخذ منه، ولا نور الربيع يفتر عنه، حتى عاينته فسميته لرقته برد الشراب، ولإعجابي به من دقته برد الشباب، ولفتوني بطلعته محير الألباب، ولوقوفي عند جزالته معيار الكتاب، فرصانة الطبع والعذوبة من جنى روضته، ومتانة المعنى والبراعة في ضمان قبضته، وأظنه لو جعل دعاء يدعى به النيران لأقبلا إلى الأرض منخفضين، أو حول حداء يحدى به الجبلان لمشيا مسرعين، أو صير جلاء يجلى به الناظران لأبصرا ما بين الخافقين، فمن لاطم أمواج بحره مساجلًا أصبح صريع صدماتها، ومن زاحم أفواج فكره مكاثرًا أمسى أسير حملاتها، فلله جامع أفراد هذه الفضائل، وناظم آحاد هذه العقائل، فقد حاز من العلم الذرى والغوارب، وخلف لغيره الشوى والمخالب، وكذا النجيب إذا جرى لم يشق غباره، والشهاب إذا سرى لم تلحق آثاره، وأنا أرى قضاء حقه بالاعتراف بفضله، دون الإغراق في وصف فعله، فلذلك وقفت حيث بلغت، وأمسكت حيث انتهيت.
وكتب الصاحب إلى أبي القاسم علي بن القاسم من قاشان: إذا أقبلت عقد البعد تتحلل، وبدت وجوه القرب تتهلل، وطويت من مسافة البين أرض، وقطع من جادة الفراق بعض، ترجح كوكب الوحشة للأفول وتزحزح موكب الأنس للقفول.
وهذه حالي، فإني لما وردت موضع كذا [وكذا] خلفت ورائيب أرضًا كانت تبعد عن مولاي رحلي، ووطئت أخرى طالما قربت منه ربعي، طارت دواعي المسرة من نفسي، وانتشرت بواعث الغبطة في صدري، وولى الهم مفلولًا عني وأقبل الارتياح مستأمنًا نحوي، ونادى الالتقاء بأن هذا صدر أمل إليَّ ينتهي وينتظم، وبي يستكمل ويختتم، فقلت: لبيك إلفًا، وكأن قد
وله يمازح بعض إخوانه: خبر سيدي عندي وإن كتمه عني، واستأثر به دوني، فقد عرفت أمره في أمسه من شربه وأنسه، وغناء الضيف الطارق وعرسه، وكان ما كان مما لست أذكره وجرى [ما جرى مما] لست أنشره، وأقول أن مولاي امتطى الأشهب، فكيف عاين ظهره؟ وركب الطائر، فكيف شاهد جريه؟ هل سلم من حزونة الطريق؟ وكيف تصرف: أفي سعة أم [في] ضيق؟ وهل أفرد الحج أم تمتع بالعمرة؟ وهل قال في الحملة بالكرة؟ ليتفضل مولاي بتعريفي الخبر، فما ينفعه الإنكار، ولا يغني عنه إلا الإقرار، وأرجو أن يساعدنا الشيخ أبو مرة، كما ساعده مرة، فنصلي إلى القبلة التي صلى إليها، ونتمكن من الدرجة التي خطب عليها، وله فضل السبق إلى ذلك الميدان، الكثير الفرسان.
وله أيضًا: تصفحت أوطار النفوس، فلم أعتز بأكرم من قربه، وتأملت أشخاص الخطوب، فلم أرع بأقطع من بعده، محاسنه أنوار لم تحتجب بسجوف ومناقبه شموس لم تتصل بكسوف، وألفاظه تذكرني بلباس الشباب وريعانه، بل بأفنان الصبا وفينانه، أيام من عود النوى خور، وليالي من باع الدجى قصر، ولولا أن عادتي أن أطأطئ [ناظري] للصديق تسليمًا، وأصبر له على الملام [وإن كان] مليمًا لقلت في ظلمه، وقد تظلم، قولًا على غرة الدهر، ويشدخ في جبهة الشمس والبدر إذ لم يرضى بحقي أن يلويه، حتى عطف على عهدي يستبطئه، ولكن أقول: يا نفس صبرًا، فما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم برق يسقاه، وأعود فأسأل الله أن يعيد:
عيشًا لنا بالأبرقين تأبدت أيامه وتجددت ذكراه
والعيش ما فارقته فذكرته لهفًا وليس العيش ما تنساه
وهذا كقول الحسن بن سهل: حد الطرب ما بقي سروره يتخيل في النفس، ويتردد في الفكر.
ومن شعر الصاحب:
لقد صدقوا والراقصات إلى منى بأن مودات العدا ليس تنفع
ولو أنني داريت دهري حية إذا استمكنت يومًا من اللسع تلسع
وقال [أيضًا]:
وقائلة: لم عرتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم
فقلت: ذريني لما أشتكي فإن الهموم بقدر الهمم
وقال [أيضًا]:
دعتني عيناك نحو الصبا دعاء يكرر في كل ساعة
فلولا وحقك عذر المشيب لقلت لعينيك سمعًا وطاعة
هذا من قول إبراهيم بن المهدي، وتمثل به إسماعيل بن إسحاق القاضي، [وقد كان] رأى غلامًا جميلًا:
لولا الحياء وأنني مشهور والعيب يعلق بالكبير كبير
[ ٣٢ ]
لحللك منزلك الذي تحتله ولكان منزلنا هو المهجور
وقال الصاحب:
قال لي: إن رقيبي سيء الخلق فداره
قلت: دعني، وجهك الج نة حفت بالمكاره
وقال ابن الرومي في حسن الحبيب، وقبح الرقيب، [فأحسن]:
ما بالها قد حسنت ورقيبها مستقبح، لا كانت الرقباء
ما ذاك إلا لأنها شمس الضحى أبدًا يكون رقيبها الحرباء
وقال الصاحب أيضًا، وكان من الغلاة في الاعتزال:
ولما تناءت بالحبيب دياره وصيرت منه في عياني على وهم
تمكن مني الشوق غير مخالس كمعتزلي قد تمكن من خصم
وقال:
كنت دهرًا أقول بالاستطاعة وأرى الجبر ضلة وشناعة
ففقدت استطاعتي من هوى ظبي فسمعًا للمجبرين وطاعة
أخذه من قول سعيد بن حميد:
قالت: أكتم هواي وأكن عن اسمي بالعزيز المهيمن الجبار
قلت: لا أستطيع ذلك قالت: صرت بعدي تقول بالإجبار
وتخليت عن مقالة بشر ب؟ ن غياث لمذهب النجار
وقال الصاحب لغلام تركي قبل يده:
أبا شجاع يا شجاع الورى ومن لنا في وجهه قبله
قبل فمي إن كنت آثرتني فاليد لا تعرف ما القبلة
وهذا كقول الشريف أبي قاسم الرسي:
يا بدر بادر إلي بالكاس فرب خير أتى على ياسي
ولا تقبل يدي فإن فمي أولى بها من يدي ومن راسي
وكان أبو القاسم الرسي حلو الغناء، فكه الخلق، جميل الخلق. ومن قوله، وله فيه لحن:
إذا التحف الجو بالأدكن وغنى الحمائم كالأرغن
وهبت رياح الصبا سحرة بريح البنفسج والسوسن
وحن إلى القصف ألافه فبادر إلى شيخك المنحني
فنفس عن الزق أوداجه وسق الندامى ولا تنسني
وشرب عنده كوفان المغني، فلما أصبح افتقد رداءه، فقال: قد سرق ردائي أيها الشريف، قال: ويحك، من تتهم منا، أما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي، واطووه إلى يوم القيامة.
كان جعفر بن حذار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبي حفص عمر بن أيوب، كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص، وقال: يا أبا القاسم، إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس، ومسرح لبانة، ومذاد همٍّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، ولا يخشى عيبه، وقد اتصل بي ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل أعزه الله من أخبار مجالستي فلا تفعل، وأنشده [قول أبي العباس الناشيء:
ولقد قلت للأخلاء يومًا قول ساع بالنصح لو سمعوه
إنما مجلس الشراب بساط للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا من نعيم ولذة رفعوه
وهم أحرياء إن كان منهم حافظ ما أتوه أن يمنعوه
فاعتذر ابن حذار، وحلف أنه ما فعل، ثم قام عن مجلسه، فأنشد أبو حفص:
كم من أخ أوجست منه سجية فأنست بعد وداده بفراقه
لم أحمد الأيام منه خليقة فتركته مستمتعًا بخلاقه
عول أبو حفص في أكثر كلامه على كلام ابن العباس عبد الله بن محمد الناشئ في الشراب، والأبيات التي أنشد أولًا له.
قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف والمسامحة بالشرابي، والتغافل عن الجواب، وإدمان الرضى، وإطراح ما مضى وإسقاط التحيات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، وحفظ الغيب، وستر العيب.
وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة لشراعة بن الزند بوذ: من أمتع الجلساء؟ قال: الذي إذا عجب عجب، وإذا غنى طرب، وإذا سقي شرب، وإذا أمسكت حدثك، وإذا حدثت أنصت لك. قال: فأي أوقات الشراب أطيب؟ قال: وقت نشاط على غب السماء. قال: فأي المجالس أحسن؟ قال: إذا لم يكن مطر مغرق، ولا حر محرق، فالشرب على وجه السماء. قال الوليد: أفيلومونني يا شراعة على حبك، وأنا إذا سألتك شيء لقيتني بمثل هذا الجواب، خذ من بيت المال ألفي دينار: وأنشدوا في نحو قول شراعة:
لا خير في الشرب إلا مع أخي ثقة إن سر غنى وإن غنيته طربا
يعطيك صمتًا إذا غنيته وإذا شربت حيا وإن حييته شربا
[ ٣٣ ]
عف اللسان عفيف الفرج تحمده في كل حال إذات أثرى وإن تربا
يزيده الراح حلمًا والغنا طربًا والسكر تقوى واستماع الأذى أدبا
فاشدد يديك بهذا إن ظفرت به واكنز مودته، ولا تكنز الذهبا
وقال الحسن بن وهب شربت البارحة على وجه الجوزاء فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفني قميص الشمس.
وقال أبو القاسم الصاحب: قد حملت أوزار السكر على ظهر الخمر، وطوي بساط الشراب، على ما فيه من خطأ وصواب.
وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس من يومنا بقرب المطر وبعده، فكأنه قول كثير عزة:
وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت عما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
وما أصبحت أمنيتي إلا في لقائك، فليت النأي هتك بيني وبينك، ورقعتي هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطًا حركني للكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سرورًا بسار خبرك إذ حرمت السرور بمطر هذا اليون، موفقًا إن شاء الله.
فكتب إليه الحسن بن وهب: وصل كتابي الأمير أيده الله وفمي طاعم ويدي عاملة، فلذلك تأخر الجواب قليلًا، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استحق ذمًا لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإذا أمطر حكى جودك وسخاؤك، وإذا غام أشبه ظلك وفناءك، وسؤال الأمير عني نعمة من نعم الله ﷿ علي. يعفي بها آثار الزمان الشيء عندي، وأنا كما يحب الأمير صرف الله الحوادث عنه، وعن حظي منه.
وقال علي بن الجهم:
أما ترى اليوم ما أحلى شمائله صحو وغيم وإبراق وإرعاد
كأنه أنت يا من لا شبيه له وصل وهجر وتقريب وإبعاد
وكتب بعض أهل العصر، وهو السري الموصلي إلى بعض إخوانه بقوله:
يوم رذاذ ممسك الحجب يضحك فيه السرور من كثب
ومجلس أسبلت ستائره على شموس البهاء والحسب
وقد جرت خيل راحنا خببا في حلبها أو هممت بالخبب
والتهبت نارنا فمنظرها يغنيك عن كل منظر عجب
إذا ارتمت بالشرار واطردت على ذارها مطارد اللهب
رأيت ياقوتة ممسكة تطير عليها قراضة الذهب
فانهض إلى المجلس الذي ابتسمت عنه رياض الجمال والأدب
ومن ملح ما قيل في النار قول أبي الفرج الببغاء:
فحم قدم الغلام فأدلى من كونينه حياة النفوس
كان كالأبنوس غير محلى فغدا وهو مذهب الأبنوس
لقي النار في ثياب حداد فكسته مصبغات عروس
وقال ابن وكيع:
وقر قد طردت بنار راح عضدت جنودها بوقود نار
لها شرر كأن الريح منه مبددة نثارًا من بهار
وقال الأمير الميكالي:
كأن الشرار على نارنا وقد راق منظرها كل عين
سحالة تبر إذا ما علا فإما هوى ففتات اللجين
ومن ألفاظ أهل العصر في الاستدعاء إلى الأنس: نحن في مجلس أبت راحته أن تصفو أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا طاب أو تعيه أذناك، فأما خدود نارنجه فقد احمرت خجلًا لإبطائك، وأما عيون نرجسه، فقد حدقت تأميلًا للقائك، [و] نحن لغيبتك كعقد قد ذهبت واسطته، وشباب قد أخذت جدته، وإذا غابت شمس السماء عنا، فلا بد أن تدنو شمس الأرض منا، فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنة الخلد، وتسهم لنا في لقائك الذي هو قوت النفس، ومادة الأنس فعلت، فأنت ممن ينظم به شمل الطرب، ويبلغ بلقائه كل أرب، فكن إلينا أسرع من السهم إلى ممره، والماء إلى مقره، وجشمن إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك.
وقال أبو الفتح البستي:
رب يوم للعيش فيه رفاغ ولكأس السرور فيه مساغ
قد فرغنا للهو فيه وللشر ب وما للكؤوس فيه فراغ
وعند حر له قلائد في الأعناق من جوهر الأيادي تصاغ
عندنا للبخور غيم وللما ورد طش وللغوالي رداغ
وقال أيضًا: قد نظمنا السرور في عقد أنس=وجعلنا الزمان للهو سلكا
وفضضنا الدنان في يوم ثلج عزل الغي فيه رشدًا ونكسا
فكأن السماء تنخل كافو رًا ونحن نفتق مسكا
وأبو الفتح [البستي] القائل:
[ ٣٤ ]
أفد بطبعم المكدود بالهم راحة=براح وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
وشعر أبي الفتح ينم عن تصرفه في العلم، كقوله:؟لئن عجزت عن شكر برك قوتي=وأوى الورى عن شكر برك عاجز
فإن ثنائي واعتقادي وطاعتي لأفلاك ما أوليتنيه مراكز
وقاله أيضًا:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلًا فاحكم على ملكة بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة لما غدا وهو برج اللهو الطرب
وقال أيضًا:
شرف الوغد بوغد مثله مثل ما فيه زيغ وخلل
ودليل الصدق فيما قلته شرف المريخ في بيت زحل
وقال أيضًا:
لئن كسفونا بلا علة وفازت قداحهم بالظفر
فقد يكسف المرء من دونه كما يكسف الشمس جرم القمر
وقال أيضًا:
لا يغرنك أنني لين اللم؟ س فعزمي إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قومٍ ثم للأخرين فيه زكام
وقال أيضًا:
وقد يلبس المرء خز الثياب ومن تحتها حالة مضنية
كمن يكتسي خده حمرة وعلتها ورم في الرية
وشعره في هذه الأسباب وغيرها من الأبواب، يخرج عن حد الكتاب. وله في الفن الذي كثر في أهل العصر من تجنيس الشعر كقوله:
إن أسيافنا الغضاب الدوامي صيرت ملكنا قرين الدوام
باقتسام الأموال من وقت سام واقتحام الأهوال من وقت حام
وله فيه أيضًا:
إن هز أقلامه يومًا ليعملها أنساك كل كمي هو عامله
وإن أقر على رق أنامله أقر بالرق كتاب الأنام له
ولأبي الفضل الميكالي في هذا النوع قوله:
أفدي غزالًا حماه قصر كجنة قد حوت نعيما
طرقته لا أهاب سوءًا أباحني حبه الحريما
فجاد من فيه لي براح شفى حريقًا به مقيما
أفدي حريقًا أباح ريقًا لا بل حريمًا أباح ريما
قال مسلم بن عبد الله بن جندب الهذلي: خرجت أريد العقيق، ومعي زيان السواق، فلقينا نسوة لم أر أجمل منهن، فيهن امرأة فرعتهن طولًا [وكمالًا، وبرعتهن ظرفًا وجمالًا] فأنشد ريان بيني أبي، وهما:
ألا ياعباد الله هذا أخوكم قتيل فهل منكم له اليوم ثائر
خذوا بدمي إن مت كل خريدة مريضة جفن العين، والطرف ساحر
ثم قال لي: شأنك بها يا بن الكرام، فالطلاق لي لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها، فأقبلت علي، وقالت: أأبوك ابن جندب؟ قلت: نعم، فقالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم نفسك، واحتسب أباك.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال رجل من [بني] فزارة لرجل من [بني] عذرة: تعدون موتكم في الحب مزية، وإنما ذلك من ضعف البنية، ووهن العقل، وعجز الروية. فقال العذري: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدعج، من فوقها الحواجب الزج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها سرد الدر، لجعلتموها اللات والعزى ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم.
وقال أعرابي: دخلت بغداد فرأيت بها عيونًا دعجًا، وحوجب زجًا، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.
وقال أعرابي في امرأة ودعها:" والله ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد على ديباجة خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبي.
وذكر أعرابي امرأة فقال: تلك شمس باهت الأرض بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إلى اقتضائها، ولي نفس كتوم لدائها، ولكنها تفيض على امتلائها أخذه [أبو تمام] الطائي فقال:
شكوت وما الشكوى لمثلي بعادة ولكن تفيض النفس عند امتلائها
ووصف أعرابي نساء فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين انتعلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول.
وقال أبو العباس بن الحسن العلوي:
صادتك من عين القصور بيض أوانس في الخدور
حور تحور إلى صبا ك لأعين منهن حور
وكأنما برضابه ن جنى الرحيق من الخمور
يصبغن تفاح الخدو د بماء رمان النحور
وقال بعض البغداديين:
لو ذقت صيد ظباء القصور لأنسيت صيد ظباء الفلاة
ظباء مراتعها في القلوب ومشربها من لذيذ الحياة
وقال ابن الرومي:
[ ٣٥ ]
تعنت بالمسواك أبيض صافيًا تكاد عذارى الدر منه تحدر
وما سر عيدان الراك بريقها تأودها في أيكها تتهصر
لئن عدمت سقيا الثرى إن ريقها لأعذب من هاتيك سقيًا وأخصر
وما ذقته إلا بشيم ابتسامها وكم مخبر يبديه للعين منظر
بدا لي وميض شاهد أن صوبه غريض وما عندي سوى ذاك مخبر
ولا عيب فيها غير أن ضجيعها إن لم تصبه الساهرية يسهر
تذود الكرى عنه بنشر كأنما تضوعه مسك ذكي وعنبر
وما تعتريها آفة بشرية من النوم إلا أنها تتحير
وغير عجيب طيب أنفاس روضة منورة باتت تراح وتمطر
كذلك أنفاس الرياض بسحرة تطيب وأنفاس الورى تتغير
وقال:
ألا ربما سؤت الغيور وساءني وبات كلانا من أخيه على وحر
وقبلت أفواهًا عذابًا كأنها ينابيع خمر حصبت لؤلؤ النحر
وقال أيضًا
تعلك ريقًا يطرد النوم برده ويشفي القلوب الحائمات الصواديا
وهل ثغب حصباؤه مثل ثغرها يصادف إلا طيب الطعم صافيا
وقال ابن المعتز بالله:
بأبي خليلًا كنت أعهده [لي] واصلًا فأزور جانبه
عبق الكلام بمسكةٍ نفحت من فيه ترضي من يعاتبه
وقال ابن الرومي:
يا رب ريق بات بدر الدجى يمجه بين ثناياكا
يروي ولا ينهاك عن شربه والماء يرويك وينهاكا
وقال ابن وكيع:
ريق إذا ما ازددت من شربه ريًا ثناني الري ظمآنا
كالخمر أروى ما يكون الفتى من شربها أعطش ما كانا
وقال ابن الرومي يصف نساء:
إذا لبسن خلاخلًا أكذبن أسماء الخلاخل
تأبى تخلخلهن سو ق مرجحنات خوادل
وقال غيره:
استكتمت خلخالها ومشت تحت الظلام به فما نطقا
حتى إذا ريح الصبا نسمت ملأ العبير بسرها الطرقا
وأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس في مثل هذا [المعنى]:
رب قول من سعاد لنا قد حفظناه وقد نفعا
أملي لا تأت في قمر لحديث وراقب الدرعا
وتوق الطيب ليلتنا إنه واش إذا سطعا
وقال ابن الرومي:
صدورهن فوقهن حقاق عاج ودر زانه حسن اتساق
يقول القائلون إذا رأوها أهذا الدر من هذي الحقاق
[وما تلك الحقاق سوى ثدي قدرن من الحقاق على وفاق]
[نواهد لا يعد لهن عيب سوى بعد المحب من العناق]
أخذه من قول عبد الله بن أبي السمط:
كأن الثدي إذا ما بدت وزان العقود بهن النحورا
حقاق من العاج مكنونة حملن من الدر شيئًا يسيرا
ولأهل العصر في أوصاف النساء: هي روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض، بدر التم يضيء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، لها ثغر كالدر يجمع الضريب والضرب. أعلاها كالغصن ميال، وأسفلها كالدعص منهال، لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج. نطاقها مجدب، وإزارها مخصب، مطلع الشمس من وجهها، [ومنبت الدر من فيها، وملتقط الورد من خدها]، ومنبع السحر من طرفها، ومبادئ الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها.
وكتب الأمير عبيد الله بن أحمد الميكالي إلى أبي القاسم الداودي جوابًا عن كتاب ورد عليه، منه:
[ ٣٦ ]
وقفت على ما أتحفني به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطه المزري بزهر الربيع، موشحًا بغرر ألفاظه التي لو أعيرت حليها لعطلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرحت طرفي منها في رياض جلتها سحائب العلوم والحكم، وهب عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم، ولم أدر وقد حيرتني أصنافها، وبهرتني نعومتها وأوصافها، حتى كستني اهتزازًا وإعجابًا، فأنشأت بيني وبني التماسك سترًا وحجابًا، أدهتني بها نشوة راح؟ أم ازدهتني لها نخوة ارتياح؟ وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض؟ أم قرع سمعي بها غناء "معبد" و"غريض" وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة [إلا] وهي تود لو كانت أذنًا تلتقط درره وجواهره، أو عينًا تجتلي مطالعه ومناظره أو لسانًا يدرس محاسنه ومفاخره.
وله إلى أبي منصور بن عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي كتابي وأنا أشكو إليك شوقًا لو عالجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلي لانثنى على كبد ذات حرق ولواعج، وأذم زمانًا يفرق فلا يحسن جمعًا، ويخرق ولا ينوي رقعًا، ويوجع القلوب بتفريق شمل ذوي الوداد، ثم يبخل عليها بما يشفي غليل الصدر والأكباد، قاسي القلب فلا يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم استعدي على صرفه وأستنجد، وأتلظى غيظًا عليه وانشد:
متى وعسى يثني الزمان عنانه بعثرة حال والزمان عثور
فتدرك آمال وتقضي مآرب وتحدث من بعد الأمور أمور
وكلا، فما على الدهر عتب، ولا له إلى أهله ذنب، وإنما هي أقدار تجري كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها، فهي تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور [و] المكتوب، لا على شهوات النفوس، وإرادات القلوب، وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب النازح وتسهيل الصعب الجامح، فيعود الأنس بلقاء الإخوان كأتم ما لم يزل معهودًا، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسومًا وعهودًا، إنه لقادر عليه، والملي به.
وزار أبا منصور الثعالبي، فكتب إليه أبو منصور بقوله:
لا زال مجدك للسماك رسيلًا وعلو جدك بالخلود كفيلا
يا غرة الزمن البهيم إذا غدا هذا الورى لزمانهم تحجيلا
يا زائرًا مدت بدائع فضله ظلًا علي من الجمال ظليلا
وأتت بصوب جواهر من لفظه حتى انتظمن لمفرقي إكليلا
بأبي وغير أبي هلال نوره يستعجل التسبيح والتهليلا
نقشت حوافر طرفه في عرصتي نقشًا محوت رسومه تقبيلا
ولو استطعت فرشت مسقط خطوه بعيون عين لا ترى التكحيلا
ونثرت روحي بعد ما ملكت يدي وخررت بين يدي هواه قتيلا
وأبو منصور قريع دهره، وفريد عصره، وله مصنفات كتب في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وكل ما أحكيه من ألفاظ أهل العصر غير منسوب إلى قائله، فمستخرج من تأليفه، مأخوذ من تصنيفه، وفيه يقول [أبوالفتح] البستي:
قلبي رهين بنيسابور عند أخ ما مثله حين تستقرى البلاد أخ
له صحائف أخلاق مهذبة منها الحجى والعلا والظرف ينتسخ
ومن مليح شعر [أبي الفضل] الميكالي قوله:
أقول لشادن في الحسن فرد يصيد بلحظه قلب الكمي
ملكت الحسن أجمع في نظام فأد زكاة منظرك البهي
وذلك أن تجود لمستهام برشف من مقبلك الشهي
فقال أبو حنيفة لي إمام وعندي لا زكاة على الصبي
[فإن تك مالكي الرأي أو من يرى رأي الإمام الشافعي]
[فلا تك طالبًا مني زكاة فإخراج الزكاة على الولي]
ومن أشعاره الفقهية قوله:
بنفسي غزال صار للحسن قبلة تحج من الفج العميق وتقصد
دعاني الهوى فيه فلبيت طائعًا وأهللت بالإخلاص والسعي يشهد
فطرفي بالتسهيد والدمع قارن وقلبي فيه بالصبابة مفرد
وقال أبو الفتح كشاجم:
فديت زائرة في العيد واصلة والهجر في غفلة عن ذلك الخبر
فلم يزل خدها ركنًا أطوف به والخال في خدها في موضع الحجر
[ ٣٧ ]
وقال عمر بن علي المطوعي: أراد الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد، أدام الله فضله، أيام مقامه "بجوين" أن يطلع إلى قرية من قرى ضياعه تدعى "تجاب"، على سبيل التنزه والتفرج، وكنت من جملة من استصحبه إليها، واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجو صاف، ولم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب، فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع، متسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حولها من الأرض طولًا وعرضًا، فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأقبلنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة، فما شعرنا إلا بالسماء قد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعدما أشرقت، وجادت بمطر كأفواه القرب، فأجادت، وحكت أنامل الأجواد وأعين العشاق، بل أربت عليها وزادت، حتى كاد غيثها أن يعود عيثا، وهم وبلها [أن] يستحيل وبالًا، فصبرنا على أذاها، وقلنا: "سحابة صيف عن قريب تقشع"، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردًا كالثغور، لكنها ثغور العذاب، لا من ثغور العذاب، فأيقنا البلاء وسلمنا لأسباب القضاء، فما مرت غلا ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السيل قد بلغ الزبى، والماء قد بلغ القيعان والربا. فملنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها، عائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء الوبل، وغلف طرازيها طين الوحل، ونحن نحمد الله على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على نجاة الأنفس والرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح، فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكف، وتبكي إلى الصباح بأدمع هوام، وأربعة سجام، فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالي الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة [بها] رفضًا ونتخذ الارتحال فرضًا، فما زلنا نطوي الصحاري أرضًا فأرضًا، إلى أن وافينا المستقر ركضًا، فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذي جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا معه إلى ساعة التيسير، بعدما صلينا منه [بالأمس] بالأمر [الصعب] العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة، وفي قطع ذلك الطريق، وطي تلك الشقة، أخذ [مولانا] الأمير القلم فعلق [هذه الأبيات] ارتجالًا:
دهتنا السحاب غداة التجاب بغيم على أفقه مسبل
فجاء برعد له رنة كرنة ثكلى ولم يثكل
وثنى بوبل عدا طوره فعاد وبالًا على الممحل
وأشرف أصحابنا من أذاه على خطر هائل معضل
فمن لائذ بفناء الجدار وآو إلى نفق مهمل
ومن مستجير ينادي: الغريق هناك، ومن صارخ معول
وجادت علينا سماء السقوف بدمع من الوجد لم يهمل
كأن حرامًا لها أن ترى يبيسًا من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعة فأدبر كل من المقبل
يقلع ما شاء من دوحة وما يلق من صخرة يحمل
كأن بأحشائه إذ بدا أجنة حمل ولم يحبل
فمن عامر رده غامرًا ومن معلم عاد كالمجهل
كفانا بليته ربنا وقد وجب الشكر للمفضل
فقل للسماء ارعدي وابرقي فإنا رجعنا إلى المنزل
أخذ المطوعي قوله: "فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام" من قول أبي الفتح البستي:
رب ليل أغمد الأنوار إلا نور ثغر أو مدام أو ندام
قد نعمنا بدياجيه إلى أن سل سيف الصبح من غمد الظلام
وقوله "كاد غيثها يعود عيثا" من قوله [أيضًا]:
لا ترج شيئًا خالصًا نفعه فالغيث لا يخلو من العيث
وقال الميكالي في بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على بهو مطل عليها:
أما ترى البركة الغراء قد لبست نورًا من الشمس في حافاتها سطعا
والبهو من فوقها يلهيك منظره كأنه ملك في دسته ارتفعا
والماء من تحتها ألقى الشعاع على أعلى سماوته فارتج ملتمعا
كأنه السيف مصقولًا تقلبه كف الكمي إلى ضرب الكمي سعى
ومن ظريف ما [في] وصف الماء قول ابن المعتز بالله، وذكر إبلًا:
فتبدى لهن بالنجف المقفر ماء صافي الجمام عري
يتمشى على حصى يسلب الما ء قذاه فمتنه مجلي
[ ٣٨ ]
وإذا ضاحكته ذرة شمس خلته كسرت عليه الحلي
وقال يصف منزلًا:
لا مثل منزلة الدويرة منزل يا دار جادك وابل وسقاك
بؤسًا لدهر غيرتك صروفه لم يمح في قلبي الهوى ومحاك
لم يحل للعينين بعدك منظر ذم المنازل كلهن سواك
أي المعاهد منك أندبل طيبه ممساك ذا الآصال أم مغداك
أم برد ظلك ذي الغصون ذوي الندى أم أرضك الميثاء أم رياك
وكأنما سطعت مجامر عنبر أوفت فأر المسك فوق ثراك
وكأنما أيدي الربيع ضحية نشرت ثياب الوشي فوق رباك
كأن درعًا مفرغًا من فضة ماء الغدير جرت عليه صباك
وقال ابن الرومي:
وماء جلت عن حر صفحته القذى من الريح معطار الأصائل والبكر
به عبق مما تسحب فوقه نسيم الصبا يجري على النور والزهر
وقال أبو بكر أحمد بن محمد الضبي الصنوبري:
سقى حلبًا سافك دمعه بطيء الرقوء إذا ما سفك
ميادينها بسطهن الرياض وساحاتها وسطهن البرك
ترى الريح تنسج من مائها دروعًا مضاعفة أو شبك
كأن الزجاج عليها أذيب وماء اللجين بها قد سبك
هي الجو في رقة غير أن مكان الطيور تطير السمك
وقد نظم الزهر نظم النجوم فمفترق النظم أو مشتبك
كما درج الماء مر الصبا ودبج وجه السماء الحبك
يباهين أعلام قمص القيان ونقش عصائبها والتكك
وقال أيضًا:
ولقد طربت إلى الفرا ت بكل ذي كرم ومجد
والشمس عند غروبها صفراء مذهبة الفرند
والماء حاشيتاه خض؟ راوان من آس ورند
تحبوه أيدي الريح إن هبت على قرب وبعد
بطرائق من فضة وطرائق من لازورد
والسفن كالطير انبرت في الجو من مثنى وفرد
حتى إذا جزر الفرا ت مضى وأعقبه بمد
ألفيته وكأنه ملقى عليه رداء ورد
متململًا كالصب أو ذن من أحبته بصد
وكأن ما يخشاه ما بحشاي من قلق ووجد
وقال يصف دجلة، وقد طرحت النجوم والبدر أجرامها عليها:
ولما تعالى البدر وامتد ضوؤه بدجلة في تشرين بالطول والعرض
وقد قابل الماء المفضض نوره وبعض نجوم الليل يقفو سنى بعض
توهم ذو العين البصيرة أنه يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
ولأهل العصر في هذه المعاني: قال ابن وكيع التنيسي:
خذها بكفي فاتر الجفون مدامة كدمعة المحزون
على غدير أملس المتون مثل فرند الصارم المسنون
أمواجه كعكن البطون ذي زردٍ كالؤلؤ الموضون
كسلخ إيم أو كمسك نون
وقال [أيضًا]
غدير يدرج أمواهه هبوب الشمال ومر الصبا
إذا الشمس من فوقه أشرقت توهمته جوشنًا مذهبا
وقال أيضًا:
سقاني كأس الراح شاطئ جدول تداريجه يحكين بطنا معكنا
إذا صافحته راحة الريح خلته بتكسيرها إياه ثوبًا معينا
وقال علي بن محمد الإيادي التونسي يصف دار البحر:
ولما استطال المجد واستولت البنى على النجم وامتد الرواق المروق
بنى قبة للملك في وسط جنة لها منظر يزهي به الطرف موتق
بمعشوقة الساحات أما غراسها فحضر وأما طيرها فهي نطق
تحف بقصر ذي قصور كأنما ترى البحر في أحشائه وهو متأق
لها بركة للماء ملء فضائه تخب بقطريها العيون وتعنق
لها جدول فيها كأنه حسام جلاه القين بالأرض ملتصق
لها مجلس قد قام وسط مائها كما قام في فيض الفرات الخورنق
كأن صفاء الماء فيها وحسنه زجاج صفت أحشاؤه فهو أزرق
إذا بث الليل أشخاص نجمه رأيت وجوه الماء بالنار تحرق
وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها فرند على تاج المعز رونق
كأن شرافات المقاصير حولها عذارى عليهن الملاء المنطق
يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها كما ذاب آل الصحصحان المرقرق
وقال عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي:
[ ٣٩ ]
يا رب فتيان صدق رحت بينهم والشمس كالدنف المشغوف في الأفق
ومرضة أصائلها حسرى شمائلها تروح الغصن الممطور في الورق
معاطيًا شمس إبريق إذا مزجت تقلدت عقد مرجان من النزق
عن ماحل طافح بالماء معتلج كأن نقيته صيغت من الحدق
تضمه الريح أحيانًا وتفرقه فالماء ما بين محبوس ومنطلق
من أخضر ناضر والطل يلحقه وأبيض تحت قبطي الضحى يقق
تهزه الريح أحيانًا فيمنحها للزجر خفق الفؤاد العاشق القلق
كأن حافاته نطقن من زبد مناطقًا رصعت من لؤلؤ نسق
كأن قبته في سندس نمط حسناء مجلوة اللبات والعنق
إذا تبلج فجر زرقتها حسبته فرسًا دهماء في بلق
أو لازوردًا غدا في متنه ذهب فلاح في شارق مت مائه شرق
عشية كملت حسنًا وأسعدها ليل يمدد أطنابًا على الأفق
تجلى بغرة وضاح الجبين له ما شئت من حسب زاك ومن خلق
قال محمد بن مخلد الكاتب: لزمت أبا الحسن علي بن محمد بن الفران، أغدوا وأروح إلى بابه لأحظى بطائل، ولا أصل إلى تصريف ولا نائل، حتى برمت نفسي، فرأيت هاتفًا في المنام يقول لي:
يا أيها المكثر في المطالب اهجر تصاريف المنى الكواذب
إذا أتى وقت القضاء الغالب بادرت الحاجات كف الطالب
فتركت المصير إليه، فلم يمض إلا أسبوع حتى تقلد أبو محمد حامد بن العباس الوزارة فقلدني خلافته، فتابت نفسي، وثابت حالي.
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني إسماعيل بن إسحاق القاضي هذه الأبيات:
لا تعتبن على النوائب فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه إن الأمور لها عواقب
ولكل صافية قذى ولكل خالصة شوائب
والدهر أولى ما صبر ت له على رنق المشارب
كم فرحة مطوية لك بين أثناء النوائب
ومسرة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب
قال القاضي: ما عرض لي هم فادح، فذكرت هذه البيات إلا رجوت من روح الله ﷿ [من الفرج] ما يفك عقالي، وينعم بالي، ثم تزول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره.
كتب بديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد شاقه حضرته: لم تزل الآمال أطال الله بقاء مولاي الأمير السيد شمس المعالي وأدام سلطانه تعدني هذا اليوم، والأيام تمطلني بألسنة صروفها على اختلاف صنوفها، بين حلو استخفني، ومر أشرقني، وشر صار إلي، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أرتع الآفاق، فأكون مشرقًا للمشرق الأقصى، وطورًا مغربًا للمغرب، ولا مطمع إلا في حضرته الرفيعة، وسدته المنيعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشاسع، والأمل الواسع، وقد صرت أطال الله بقاء مولانا، بين أنياب النوائب، وتجشمت هول الموارد والمطالب، وركبت أكناف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهية أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بيده، والبساط يلثمه بفمه الرأي العالي إن شاء الله تعالى.
[ ٤٠ ]
وله إلى سهل بن محمد بن سليمان يسأله عن حاجة بعد انقطاعه عنه: أنا إذا طويت اليوم عن خدمة مولاي أطال الله بقاءه لم أرفع بصري، ولم أعده من عمري، وكأني به إذا أغفلت عن مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول في جملة حاشيته، وحملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لما شبع وتمشيع، وتجلل وتبرقع، تربع وترفع، فما يطور بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب، وأنا الرجل الذي آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حر بوادي عوف، حتى إذا وردت رقعتي عليه هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر في عنوانها في اسمي، قال: بعدًا وسحقًا، وسبًا وتبًا، وحتًا ونحتًا، وطعنًا ولعنًا، فما أكدر شراب أخلاقه، وأكثر سراب نفاقه، والآن انحل من عقدته، وانتبه إلى رقدته، وكاتبني يستعيدني، كلا لا أزوجه الرضى ولا كرامة، ولا أمنحه المنى ولا قلامة، سأدعه [يركب رأسه، فستأتيني به] الليالي والكيس الخالي، ثم أزنه بميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى إذا بلغ موضع الحاجة قال: مأربة به لا حفاوة، ووطر ساقه لا نزاع شاقه، وهذا هذاء، أنا لا أبعد عن تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية، أن يقول: مرحبًا بالرقعة وكاتبها، وأهلًا بالمخاطبة وصاحبها، وحاجتي الرقعة التي سالت إلى ما التمست، بما طلبت كما اقترحت، فرأيه فيها موفقًا إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى مستمنح عاوده مرارًا: مثل الإنسان في الإنسان مثل الأشجار في الإثمار، سبيل من أتى بالحسنة، أن يرفه إلى السنة وأنا كما ذكرت لا أملك غير عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيعلق بالوفود، ولكن هذا الخلق النفيس لا يساعده الكيس، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما [في النسب]؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، قد جهدت بالطباخ، أن يطبخ [لي] جيمية الشماخ، لونًا فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفي ومئتي بيت من شعر الكميت، فلم تغن، ولو وقعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، لم تنفع، وأنت لا تقنع، فما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلي، إفضالًا منك علي، فراحتي ألا تطرق ساحتي، وفرجي ألا تجي، والسلام.
ومن شعره قوله:
وأروع أهداه لي الليل والفلا وحمش تمس الأرض لكن كلا ولا
عرضت على نار المكارم عوده فكان معمًا في السوابق مخولا
وخادعته عن ماله فخدعته وساهلته في بره فتسهلا
ولما تخالينا وأحمد منطقي بلاني في نظم القريض بما بلا
فما هز إلا صارمًا حين هزني ولم يلقني إلا إلى السبق أولا
فلم أره إلا أغر محجبًا وما تحته إلا أغر محجلا
وله أيضًا:
لعمر الذي ألقى إلي ثيابه لقد ملئت تلك الثياب به مجدا
وقد قمرته راحة الجود بزة وما ضربت قدحًا ولا نصبت نردا
أعد نظرًا يا من بناني بنانه ولا تدع الأيام تهدمني هدا
وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحى وإن طلعوا في غمة طلعوا وردا
صلوا رحم العليا وبلوا لهاتها وخير الندى ما سح وابله نقدا
وله يصف خاتمًا:
وممنطق من نفسه بقلادة الجوزاء حسنا
متألف من غير أسر ته على الأيام خدنا
كمتيم لقي الحبي سب فضمه شغفًا وحزنا
علق سني قدره لكن من أهداه أسنى
[ ٤١ ]
قال وهب بن ناجية الرصافي: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلبًا شديدًا، حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها فخرجت أريد البادية مرتادًا رجلًا عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فدفعت إلى بيت مضروب، وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، فدنوت وسلمت، فرد علي نساء من وراء السجف، ثم قالت إحداهن: اطمئن يا حضري، نعم مناخ الضيفان بوأك القدر، ومهدك الصبر، قلت: وأنى يطمئن المطلوب، أو يأمن المرعوب [من] دون أن يأوي إلى جبل يعصمه أو مفزع يمنعه، وقليلًا ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه، قالت: لقد ترجم لسانك عن ذنب كبير، وقلب صغير، وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا تجوع فيه كبد، هذا الأسود بن قنان، أخواله كعب، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له صدق الجوار، وطلب الثأر، ووقود النار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت سعد حيث تقول:
إذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته بكل معدي وكل يمان
وفى بهما جودًا وبأسًا وسؤددًا ورأيًا فهذا الأسود بن قنان
أعز ابن أنثى من معد ويعرب وأكرمهم فعلًا بكل مكان
فتى لا ترى في ساحة الأرض مثله ليوم نزال أو ليوم طعان
قلت: لقد أذهبت اللوعة، وسكنت الروعة، فمن لي به، قالت: يا جارية مولاك، فلم تلبث أن عادت وهو معها في جماعة من قومه، فقال: أي المنعمين علينا أنت؟ فسبقت المرأة وقالت: يا أبا المرهف هذا الرجل نبت [به] أوطانه، وأزعجه زمانه، وأوحشه سلطانه، وقد ضمنا له عنك، ما يضمن لمثله عن مثلك، فقال: بل الله فاك، أشهدكم يا بني أبي أن هذا الرجل في جواري وذمتي، فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني، ثم أمر ببيت، فضرب إلى جانبه، وقال: هذا بيتك، وهذا مالك، وأنا جارك، وهؤلاء رجالك، فلم أزل بينهم في أعز دار، وأحسن جوار، إلى أن سرت عنهم.
ومدح ألأعرابي قومًا فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فدلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وابتاعوا المحامد بالمال.
وقصد أعرابي من بني كلاب رجلًا منهم، يكنى أبا معاذ، فسئل عنه بعد انصرافه فقال: لقد رأيت أبا معاذ خير ملاذ، ولذت منه بأكرم معاذ، وأحمدت بلقائه عاقبة الإغذاذ.
ومن ألفاظ أهل العصر في المدح: فلان مسترضع ثدي المجد، مفترش حجر الفضل، له فضل يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب، له صدر تضيق عنه الدهناء، وتفزع إليه الدهماء، له في كل مكرمة غرة الإيضاح والأوضاح، وفي كل فضيلة قادمة الجناح، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، وغرة يترقرق منها ماء الكرم الصريح، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم، يحيي القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به [ماء] البحر لنقى ملوحته، وكفى كدورته، وهو غذاء الحياة، ونسيم العيس، ومادة الفضل، وآراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، له همة تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة، وهو راجح في موازين العدل، سابق في ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن، ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله، هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، ونقش الفص، وهو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة، هو غرة الزمان، وناظر الإنسان، أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام بها، بوارق المجد، أرخ الرجال بفضله وعقم النساء عن مثله. البذل منه معتاد، والفضل منه مبدأ ومعاد، ماله للعفاة مباح، وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن حسه سمع، جوهره من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوته من يواقيت الأحرار، لا من يواقيت الأحجار.
ولهم في نقيض ذلك:
[ ٤٢ ]
فلان عصارة لؤم في قرارة خبث، ألأم مهجة من أسقط جثة، قد ارتضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، فوته غنيمة، والظفر به هزيمة، صغير القدر، ضيق الصدر، لا أمس ليومه ولا قديم لقومه، وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة، وجه كقفا الصك، وظلم الشك، ما هو إلا قذى العين، وأذى القلب، وشجى الصدر، وحمى الروح، ريح صيف، وطارق ضيف، يغمض عن الذكر، ويضعف عن الفكر، أقل من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة، هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدينار صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته، هو تمثال الجهل، وصورة اللؤم، ومقر البخل، حسبانه أغاليط وفعاله تخاليط، سكيت الحلبة وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة، لسانه مقراض الأعراض، هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب.
وقال كشاجم:
صاحب لي ليس فيه في الذي أشكر خله
وحش وجهًا ومخبورًا وتفصيلًا وجمله
كل من جاراه في مض مار لؤم جاء قبله
لابس كبرًاَ على ما فيه من غدر ومله
ومريد من أباه ومهين من أجله
فهو كالدينار لا يكر م إلا من أذله
قال أحمد بن علي النوفلي: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لمحمد بن وهيب الحميري يمدح المعتصم بن رشيد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
فالشمس تحكيه في الإشراق طالعة إذا تقطع عن إدراكها النظر
والبدر يحكيه في الظلماء منبلجًا إذا استنارت لياليه به الغرر
تحكي أفاعيله في كل نائبة الغيث والليث والصمصامة الذكر
فالغيث يحكي ندى كفيه منهمرًا إذا استهل بصوب الديمة المطر
وربما صال أحيانًا على حنق شبيه صولته الضرغامة الهصر
والهندواني يحكي عن عزائمه صريمة الرأي منه النقض والمرر
وكلها مشبة شيئًا على حدة وقد تخالف فيها العقل والصور
وأنت جامع ما فيهن من حسن فقد تكامل فيك النفع والضرر
فالخلق جسم له رأس يدبره وأنت جارحتاه السمع والبصر
ثم قال: ألا أنشدك ما هو أخصر وأيسر في المعنى والوزن والقافية، قلت: بلى، فأنشدني لنفسه، يمدح أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرته تضاءل الأنوران: الشمس والقمر
وإن أمضى رأيه أو حد عزمته تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذرًا من خوف سطوته لم يدر ما المزعجان: الخوف والخطر
كأنه الدهر في نعمى وفي نقم إذا تعاقب منه النفع والضرر
كأنه وزمام الدهر في يده يرى العواقب ما يأتي وما يذر
ومن قول ابن وهيب: "ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم.. " أخذ أبو القاسم [محمد] بن هانئ قوله يمدح جعفر بن علي:
المدنفان في البرية كلها جسمي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة الشمس والقمر المنير وجعفر
وبيت ابن هانئ الأول من قول ابن الرومي:
يا عليلًا جعل العل لة مفتاحًا لسقمي
شهدت وجنتك الحم راء أن الرغم رغمي
ليس في الأرض عليل غير جفنيك وجسمي
لك سقم في جفون سقمها أكذب سقم
[و] قال بعض الرواة: أنشدت أعرابيًا قول جرير بن عطية الخطفي:
أبدل الليل لا تسري كواكبه أم طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي، فأنشدني قوله:
وليل لم يقصره رقاد وقصر طوله وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه حتى تناولنا جناه من قريب
بمجلس لذة لم نقو فيه على شكوى ولا عد الذنوب
بخلنا أن نقطعه بلفظ فترجمت العيون عن القلوب
قلت: زدني فما رأيت أظرف منك شعرًا، فقال: أما من هذا فحسبك، ولكني أنشدك من غيره، فأنشدني:
وكنت إذا علقت حبال قوم صحبتهم وشيمتي الوفاء
[ ٤٣ ]
فأحسن حين يحسن محسنوهم وأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتي مشيئتهم وأترك ما أشاء
ومن أقصر ما قيل في الليل قول إبراهيم بن العباس:
وليلة من الليالي الغر قابلت فيها بدرها ببدري
لم تك غير شفقِ وفجر حتى تقضت وهي بكر الدهر
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي:
يا رب ليل سرور خلته قصرًا كعارض البرق في أفق الدجى برقا
قد كاد يعثر أولاه بآخره وكاد يسبق منه فجره الشفقا
كأنما طرفاه طرف اتفق ال؟ جفنان منه على الإطراق وافترقا
ومن أطول ما قيل في الليل قول ابن الرومي:
رب ليل كأنه دهر طولًا قد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهن نجوم الش؟ يب ليست تزول لكن تزيد
ومن أجود ما وصف به الليل في الطول والقصر قول سيدوك الواسطي:
عهدي بنا ورداء الوصل يجمعنا والليل أطوله كاللمح بالبصر
فالآن ليلي مذ غابوا فديتهم ليل الضرير فصبحي غير منتظر
ومن ألفاظ أهل العصر في وصف ليالي الأنس: ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل، ليلة كبرد الشباب، فضية الأديم، مسكية النسيم، ليلة هي لمعة الدهر، وغرة العمر، كالمسك منظرًا ومخبرًا، ليلة هي باكورة العمر وبكر الدهر، ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار وقال الصنوبري:
وليلة كالرفرف المعلم محفوفة الظلماء بالأنجم
تعلق الفجر بأرجائها تعلق الشقر بالأدهم
جمعت فيها بين خمرين من خمر العناقيد وخمر الفم
تناول الجام يدي من يد موشية الراحة والمعصم
شبهت ذوب الراح في جامها كذوب دينار على درهم
وقال [أيضًا]:
قم فاسقني والظلام منهزم والصبح باد كأنه علم
والطير قد طربت فأفصحت الأ لحان طرًا وكلها عجم
وميلت رأسها الثريا لإسرا ر إلى الغرب وهي تحتشم
في الشرق كأس وفي مغاربها قرط وفي أواسط السما قدم
ومن أجمع ما قيل في وصف الثريا وأحسنه قول الحاتمي، وطرف:
وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا إلى أن بدا للصبح في الليل عسكر
ونجم الثريا في السماء كأنه على حلة زرقاء جيب مدنر
ومن أبدع ما جاء في وصف النجوم وذكر الليل مع حسن تصرف وقلة تكلف، قول علي بن محمد العلوي:
متى أرتجي يومًا شفاءً من الضنى إذا كان جانيه علي طبيبي
ولي عائدات ضفتهن فجئن في لباس سواد في الظلام قشيب
نجوم أراعي طول ليلي بروجها وهن لبعد السير ذات لغوب
خوافق في جنح الظلام كأنها قلوب معناة بطول وجيب
ترى حوتها في الشرق ذات سباحة وعقربها في الغرب ذات دبيب
إذا ما هوى الإكليل منها حسبته تهدل غصن في الرياض رطيب
كأن الذي حول المجرة أوردت لتكرع في ماء هناك صبيب
كأن رسول الصبح يخلط في الدجى شجاعة مقدام بجبن هيوب
كأن اخضرار الفجر صرح ممرد وفيه لآل لم تشن بثقوب
كأن سواد الليل في ضوء صبحه سواد شباب في بياض مشيب
كأن نذير الشمس يحكي ببشره علي بن داود أخي ونسيبي
ولولا اتقائي عتبة قلت: سيدي ولكن يراها من أجل ذنوبي
جواد بما تحوي يداه مهذب أريب غدا خلا لكل أريب
نسيب إخاء وهو غير مناسب قريب صفاء وهو غير قريب
ونسبة أجسام الأقارب وحشة إذا لم يؤنسها انتساب قلوب
وقد أنشدها الصولي لمحمد بن أحمد الأصبهاني في علي بن داؤد بن الجعد، ولما سمع أبو بكر بن دريد خروجه، قال: "والله ما سمعت مثل هذا الخروج قط"، وإنما أخذه من قول مسلم بن الوليد في يحيى بن خالد وجعفر ابنه:
أجدّك ما تدرين أن رب ليلة كأن دجاها من قرونك ينشر
نصبت لها حتى تجلت بغرة كغرة يحيى حين يذكر جعفر
والشيء يذكر بما يدانيه في جهة معانيه.
قال كشاجم يذكر سواد الشعر وبياض الفرق:
رنت فأصابت سر قلبي بلحظة لها في الحشا لذع وليس لها جرح
[ ٤٤ ]
وقد حسرت عن واضح الفرق فاحم كخطي ظلام خط بينهما صبح
وقد ملح بعض أهل العصر، وهو أبو محمد بن مطران، في وصف تمام الشعر، مع ما أضاف إليه من حسن المشي، وملاحة النظر بقوله:
ظباء أعارتها المها حسن مشيها كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلت مواطئ من أقدامهن الضفائر
ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الليل والنجوم وما يقارب ذلك ويتعلق به: ليلة قص جناحها، وضل صباحها، ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار، ليل اكتحل بمراود الرق، وتقلب على مراقد القلق، النجوم شهود سهوده. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف، كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب، توقد الشفق في ثوب الغسق، تفتحت أزاهير النجوم، ونورت حدائق الجو، فأذكى الفلك مصابيحه، وطفت النجوم في بحر الدجى، ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى.
ليلة كأنها في لباس بني العباس، ليلة قد حلك إهابها، كأن الفجر يهابها، هرم الليل، وشمطت ذوائبه، تقوس ظهره وتصرم عمره. باح الصباح بسره، وخلع الليل ثيابه. وحدر الصبح نقابه. ولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم. ووهى نطاق الجوزاء. وانطفأ قنديل الثريا.
قال بعض الرواة: خرجت في بعض أسفاري، فوردت على ماء من مياه طيئ، وقد انتجعه قوم حلول بجنباته، فبينا أنا أدور به، إذا بامرأة ورجل، قد تخليا، فعلمت أنهما في عتاب، فوقفت عليهما، وسلمت، فردا علي السلام، وأمسكا عن حديثهما، فقلت: خذا في شأنكما فإني رجل ذو علاقة، ولعل بعض ما يمر يصادف بعض ما أجد، فيسلي قليلًا، فقال لها: بالله أنشديه بعض ما تفاوضنا في يومنا، فأنشدتني:
إذا قربت داري كلفت وإن نأت أسفت فلا للقرب أسلى ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى بانتظارها وإن بخلت بالوعد مت من الوجد
ففي كل حب لا محالة فرجة وحبك ما فيه سوى محكم الجهد
فقلت: أحسن والله ما شاء، فهل أجبت عن قوله، قالت: نعم [والله] وأنشدت:
إذا كان لا يسليك عمن تحبه فراق ولا يشفيك طول تلاق
فهل أنت إلا مستعير حشاشة لمهجة صب آذنت بفراق
فقلت: أسعدكما لله بالألفة، وأمتعكما بالمحبة، وحباكما بجميل الصحبة وانصرفت.
قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وعنده جماعة يتذاكرون رقيق الشعر، فأحسن مجلسي، ثم قال: يا أصمعي ما ترى في شعر فتى من أهل بغداد، يزعم الناس أنه من أرق شعرائنا شعرًا، وهو الذي يقول:
تاهت علينا لأن تمت محاسنها خود تكلم في أعطافها الفتن
همت بإيناسنا حتى إذا نظرت إلى المراة نهاها وجهها الحسن
ما كان هذا جزائي من محاسنها أغرت بي السوق حتى شفني الشجن
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه شاعر فطن، أراد معنى فأصابه، ولقد أنشدني ابن الخياط أبياتًا استحسنتها في الغزل، وهي:
يا خود أسهرني ذكرى خيالكم بعد الهدوء فأشجاني وما طرقا
وحارب الشوق ماء العين فانهزمت عساكر الدمع حتى حلت الحدقا
فالدمع مستوفز مني على وجل إذا تهب له ريح الهوى استبقا
كسوت قلبي من الأحزان أجنحة فإن دعاه هواكم دعوة خفقا
قال [الرشيد]: أحسن، فما فعل؟ قلت: هو حي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، والأول للعباس بن الأحنف.
وقال علي بن يحيى المنجم:
ومن طاعتي إياه يمطر ناظري إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
كأن جفوني تبصر الوصل هاربًا فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا
قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح، وما زلنا في سمر نصول فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر، فقال القاسم: مثلك من ذكر وليه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو آذنتموني لكنت كأحدكم مسرورًا بما به سررتم، مفيضًا فيما أنتم أفضتم.
وذم رجل رجلًا فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤوسه محابر، ونوادره بوادر.