أنا مشتاق مولاي شوقًا، لو قسم على قلوب العالمين لملأها صبوة، ولم يدع فيها سلوة، وما أشكر نفسي على أن تشتاق إلى من لا ترى له عديلا، ولا تجد إلى السلو عنه بديلا، وإن طرفي بطرفه معقود، وإن باب نسيانه وتناسيه علي مسدود، وإني إذا صدرت كتابي إليه بالسلامة، مع أن قلبي غير سليم من اللم، ولا صحيح من السقم، فإنما أريد بذلك التفاؤل بالكتاب، واتباع رسوم الكتاب. فلئن بلغني إطنابه في ذكري، وتفضيله غياي على أهل عصري، وهذا سلف أسلفنيه، وأنا بمعونة الله أؤديه، وما أزن نفسي بالميزان الذي [به يزنني ولا أزينها بالفضل] الذي يزينني، فإن كان كما قال، فالفضل منه درج إلي، وخرج من الكمين علي، فإني عاشرته فأعداني فضلًا، وهذبني قولًا وفعلًا، وأنا في ذلك جنيبته إن رضيني جنيبة، وخليفته إن قبلني خليفة، ولقد أعرب [في] ذلك الحر، وخالف طريقة غيره من أهل الدهر، ولقد شهد له فعله أنه كريم، ومن اللوم واللؤم سليم، على قضية أبي تمام الطائي إذا يقول:
وإن أولى البرايا أن تواسيه عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كانوا يألفهم في المنزل الخشن
وشهادة أبي تمام في الكرم، تقوم [مقام] شهادة أمة من الأمم، ولئن كان خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين عند الأنبياء والحكام، إن أبا تمام لذو الشهادتين عند الأحرار والكرام.
وله إلى أبي سعيد أحمد بن شبيب:
[ ٤٧ ]
ورد كتاب صاحب الجيش، بيد خلقت للسيف والقلم، بل خلقت للنعم والنقم، بل خلقت لجميع أدوات العرب والعجم، فرويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته، ولو أنصفته لأتعبت فكري في معانيه، وارتعت نظري في مقاطعه ومباديه، وتفكرت في رتبة الكتاب في الكتب، ورتبة صاحب الجيش في الرتب، فأنشدت:
ولما رأيت الناس دون محله تيقنت أن الدهر للناس ناقد
بل لو أنصف هذا الكتاب لما فزعت منه إلى الجواب عنه، لكن بعض الأجوبة خدمة، كما أن بعض الابتداءات نعمة.
ومن ألفاظ أهل العصر في ذكر الكتب: كتاب كتب لي أمانًا من الدهر، وهنأني أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد أوفر الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد.
كتاب عددته من حجول العمر وغرره، واعتدته من فرص العيش وغرره. كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، وأحسن واقع، وأجل متوقع. كتاب كدت أبليه نشرًا وطيا، وقبلته ألفًا، ويد حامله عشرًا. كتاب نسيت بحسنه الروض والزهر، وغفرت للزمان ما تقدم من ذنبه ما تأخر. كتاب هو علة المسافر، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز. كتاب هو رقية القلب السليم، وغرة العيش البهيم. كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود. نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب، فاهتزت وربت، واكتست ما اكتست. كتاب ألصقته بالكبد، وشممته شم الولد. كتاب ورد منه المسك ذكيًا، والزهر جنيًا والماء مريًا، والعيش هنيًا، والسحر بابليًا. كتاب مطلعه مطلع أهلة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد.
خرج أبو نواس مع بعض إخوانه إلى المدائن، فدخلوا إيوان كسرى، فوجدوا فيه آثار شرب، فقالوا [له]: يا أبا علي لقد طاب عيش قوم نزلوا هذا الموضع، فلو فعلنا كفعلهم لمرت لنا حال حسنة، فقال: ذاك لكم، فأحضروا ما يحتاجون إليه، وجلسوا يشربون، ولذ لهم المقام، فأقاموا خمسة أيام، فلما انصرفوا قالوا له: قد أسعفتنا بمؤانستك، وأمتعتنا بمجالستك، فلو وصفت ما جرى لنا في أبيات [من الشعر] تخلد على الدهر، لكمل أمرنا، وفضل دهرنا، فقال:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا بها أثر منهم: جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان: جني ويابس
ولم أدر من هم غير ما شهدت به بشرقي ساباط الديار البسابس
حسبت بها صحبي فجمعت شملهم وإني على أمثال تلك لحابس
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ويوم له يوم الترحل خامس
تدار علينا الراح في عسجدية حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى، وفي جنباتها مهًا تدريها بالقسي الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس
وهذا ما اخترعه أبو نواس.
قال الجاحظ: وجدنا لمعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا هذا المعنى، فإن الحسن ابتدعه.
[ومثله قول] عنترة يصف روضة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
وقال أبو نواس:
بنينا على كسرى سماء مدامة مكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه إذًا لاصطفاني دون كل كريم
[و] أخذه أبو العباس الناشئ فقال:
ومدامة لا يبتغي من ربه أحد حباه بها لديه مزيدا
في كأسها صور تظن لحسنها عربًا برزن من الحجال وغيدا
إذا المزاج أثارها فتقسمت ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك مجاسدًا وجعلن ذا لنحورهن عقودا
وقال ابن المعتز:
[وليل فاختي اللون مرخ عزاليه بطل وانهمال]
وساق يجعل المنديل منه مكان حمائل السيف الطوال
غلالة خده صبغت بورد ونون الصدغ معجمة بخال
أتى والصبح تحت الليل باد كطرف أبلق مرخي الجلال
بكأس من زجاج فيه أسد فرائسهن ألباب الرجال
ومن ظريف ما وصف الكاسات قول القاضي أبي القاسم التنوخي:
وراح من الشمس مخلوقة بدت لك في قدح من نهار
[ ٤٨ ]
هواء لكنه جامد وماء ولكنه غير جار
إذا ما تأملتها وهي فيه تأملت نورًا محيطًا بنار
وما كان الحق أن يقرنا لفرط التنافي وطول النفار
ولكن تجاور شكلاهما البسيطان فاتفقا في الجوار
كأن المدير لها باليمين إذا قام للسقي أو باليسار
تدرع ثوبًا من الياسمين له فرد كم من الجلنار
وقال كشاجم يرثي قدحًا انكسر:
عراني الزمان بأحداثه فبعضًا أطقت وبعضًا فدح
وعندي عجائب للحادثات وليس كفجعتنا في القدح
وعاء المدام وتاج البنان ومدني السرور ومقصي الترح
ومعرض راح متى تكسه ويستودع السر فيه يبح
وجسم هواءٍ وإن لم يكن يرى للهواء بكف شبح
يرد على الشخص تمثاله وإن تتخذه مراة صلح
ويعبق من نكهات المدام فتحسب فيه عبيرًا نفح
يكاد مع المرء إن مسه لما فيه من شكله ينسفح
ودق، فلو حل في كفة ولا شيء في أختها ما رجح
هوى من أنامل مجدولة فيا عجبًا من لطيف رزح
وأفقدنيه على ضنة به للزمان غريم ملح
كأن له ناظرًا ينتقي فما يتعمد غير الملح
أقلب ما أبقت الحادثا ت منه وفي الخد دمع يسح
وقد قدح الوجد مني به على القلب من ناره ما قدح
فأعجب من زمن مانح وآخر يسلب تلك المنح
فلا تبعدن فكم من حشًا عليك كليمٍ وقلبٍ قرح
سيقفز بعدك رسم الغبوق وتوحش منك مغاني الصبح
وعلى ذكر بيتي عنترة، قال ابن الرومي، وذكر روضة:
إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت على الأفق الغربي ورسًا مذعذعا
وودعت الدناي لتقضي نحبها وشول باقي عمرها فشعشعا
ولاحظت النوار وهي مريضة وقد وضعت خدًا إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عواده عين مدنف توجع من أوصابه ما توجعا
وطلت عيون النور تخضل بالندى كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
وبين إغضاء الفراق عليهما كأنهما خلا صفاء تودعا
وقد ضربت في خضرة الأرض صفرة من الشمس فاخضر اخضرارًا مشعشعا
وأذكى نسيم الروض ريعان ظله وغنى مغني الطير فيه فرجعا
وغرد ربعي الذباب خلاله كما حثحث النشوان صنجًا مشرعا
وكانت أهازيح الذباب هناكم على شدوات الطير ضربًا موقعا
هذا يقوله في قصيدة وصف فيها قوس البندق، فأجاد ما أراد إذ يقول:
كأن لباب التبر عند انتضائها جرى ماؤه في ليطها فتربعا
تراك إذا ألقيت عنها صيانها سفرت به عن وجه عذراء برقعا
كأن قراها والفزور التي به وإن لم تجدها العين إلا تتبعا
مذر سحيق الورس فوق صلاءة أدب عليها دارج الذر أكرعا
لها أول طوع اليدين وآخر إذا سمته الإغراق فيه تمنعا
تدين لمقرون أمرت مريره عجوز صناع لم تدع فيه مصنعا
تأيت صميم المتن عقود كأنها رؤوس المداري ما أشد وأوكعا
لها عولة أولى بها ما تصيبه وأجدر بالإعوال من كان موجعا
وقال كشاجم:
وروضة صنف النوار جوهره فيها فما شئت من حسن ومن طيب
كأن ما تجتنيه من زخارفها أخلاق مستحسن الأخلاق محبوب
ما انفك للعين فيها أعين ذرف تبكي بدمع من الأنواء مسكوب
حتى كأن أفانين النبات بها على الميادين ألوان اليعاسيب
كأن غدرانها بالروض محدقة تعيين ثوب من الموشي معصوب
أو أكؤس من رحيق مترعة موضوعة بين فتيان مناجيب
كأنما الطير في حافاتها حزقًا بيض زهين بتطريف وتخضيب
+مرجعات صفيرًا من مخضرة=وصلن فيهن تغريدًا وبتطريب
كأنهن قيان والصفير غنًا وكالمناقير أصناف المضاريب
باكرتها وكأن البدر شادخة في وجه لاحقة الأقراب سرحوب
مستصحبًا شكة ليست ليون وغى ولا لثأر لدى الأعداء مطلوب
وفي يساري من الخطى محكمة متى طلبت بها أدركت مطلوبي
[ ٤٩ ]
للوعل باطن شطريها ومعظمها من عود سمراء صماء الأنابيب
تأنق القين في تزيينها فغدت تزهى بأحسن تفضيض وتذهيب
في وسطها مقلة منها تبين ما ترمي فما مقتل منها بمحجوب
فقمت والطير قد حم الحمام لها على سبيلي في عودي وتجريبي
حتى إذا كحلت بالطين مقلتها قدت عليهن حتفًا [جد] مصبوب
فرحت جذلان لم تكدر مشاربي لذاتي ولم تلق آمالي بتخييب
وراح صحبي من صيدي وشكرهم وقف على ما اجتنوا من حسن مصحوب
قطعة من رسالة لأبي إسحاق الصابئ في قوس البندق: أقبلت رفقة [من] الرماة، قد برزت قبل الذرور والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، متقلدين خرائط، شاكلت السيوف بحمائلها ونياطها، وناسبتها في آثارها ونكايتها، تحمل من البندق الموزون المفتول الملمون، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط في الجهر، فجاء كفتات الفهر، وقد اختير طينه، وأحكم عجينه، فهو كالكافور المصاعد في اللمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر، في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بأكف حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من ابعد المرام، يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، ورأيت منها مناظر معجبة أنيقة، وقدودًا مخطفة رشيقة، صليبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب سمهرية الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، وقد تحنت تحني المشيخة النساك، وصالت صيال الفتية الفتاك، طواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفرانًا جرى في مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو هي قضبان فضة ذهب شطرها وأحرق الشطر، أو حيات رمل اعتنق السود منها الصفر، فملا توسطوا تلك الروضة، وانتشرت على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، أوتروها بكل وتر [فوق سهمه منه وهو مفارق للسهم وخارج عنه] مضاعف عليها من وترين، كأنه رمح ذو جسدين، أو عناق ضم مجتمعين، في وسطه [عين] كشرجة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم، محولة عن المحاذاة، مزورة عن الموازاة، كأنها متحاذر ينظر شزرًا، أو مصغ يستمع سرًا، تروع قلوب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض، فلم يزل القوم يرمون ويضيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت من الصيد حقائبهم، فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن آباء لها وأمهات استجابوها فأطاعت، وقد انقادت نوافرها صغرًا، واقتسرت أدانيها قسرًا، وكسرت أجنحتها وجأجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيض وحضر فرأيت كبشًا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلًا ضئيلًا، باليًا هزيلًا، بادي السقام، عاري العظام، جامعًا للمعايب، مشتملًا على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتي الحركة له، لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، ولا تجد فوق عظامه سلبًا، ولا تلقى يدك منه غلا خشبا، لو ألقي إلى السبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائمًا، ولا عرف الشعير إلا حالمًا.
[ ٥٠ ]
وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غناء الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الأهل. فملت إلى استبقائه لما تعرفه عني من رغبتي في التوفير، ومحبتي للتثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعًا لبقاء، ولا مدفعًا لفناء، لأنه ليس بأنثى تحمل، ولا بفتى ينسل، ولا بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى، فملت إلى الثاني من رأيك، وعملت على الآخر من قولك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبًا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وشمر الجزار، وحدت الشفار [قول أبي الطيب]:
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: ما الفائدة لك من ذبحي وأنا
لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت
لست بذي لحم لأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل لحمي. ولا جلدي يصلح للدباغ لأن اليام قد مزقت أديمي، ولا صوفي يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري. فإن أردتني للوقود، فكف حطب أبقى من ناري، ولن تفي حرارة جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم؟..
فوجدته صادقًا في مقالته، ناصحًا في مشورتهن ولم أعلم من أي أمريه أعجب، أمن مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء! أم قدرتك عليه مع إعواز مثله! أم تأهيلك الصديق مثله مع خساسة قدره! ويا ليت شعري إذا كنت والي سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك، تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت هديتك هذا [النذر] الذي كأنه ناشر القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديًا لو كنت رجلًا من عرض الكتاب؟!.. كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلبًا أجرب، أو قردًا أحدب، والسلام.
وقال أبو حية النميري:
ألا أيها الربع القواء ألا انطق سقتك الغوادي من أهاضيب فرق
مرابع وسمي تسوق نشاطه مرور الصبا في العارض المتألق
وما أنت إلا ما أرى بعدما أرى يد الحي في زي لعيني مونق
غراب ينادي يوم لا القلب عقله صحيح ولا الشعب الذي شت ملتق
جزيت غراب البين شرًا فطالما شحيت بتشحاح الغراب المنعق
ورقراقة تفتر عن متنشق كنور الأقاحي طيب المتذوق
إذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى أنابيب من عود الأراك المخلق
سقت شعث المسواك ماء غمامةٍ فضيضًا بخرطوم الرحيق المصفق
وإن ذقت فاها بعدما سقط الندى بعطفي بخنداة رداح المنطق
شممت العرار الغض غب هميمة ونور الأقاحي في الندى المترقرق
شرقت بريا عارضيها كأنما شرقت بداري العراق المعتق
وهذا شعر طريف الصنعة، حسن الوشي، جيد النمط، صافي السبك، وكذلك جميع شعر أبي حية وقد ملح ما شاء في وصف الثغر وطيب النكهة، وهو معنى كثير حسن جميل قد مرت منه قطعة.
وقال العباس بن الفرج الرياشي: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما سمعت في وصف الثغر قول ذي الرمة:
وتجلو بفرع من أرك كأنه من العنبر الهندي والمسك يصبح
ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى إليه الندى من رامة المتروح
هجان الثنايا مغربًا لو تبسمت لأخرس عنها كاد بالقول يفصح
وكتب كشاجم إلى بعض القيان وأهدى إليها مسواكًا:
قد بعثناه لكي يجلى به واضح كالؤلؤ الرطب أغر
طاب منه العرف حتى خلته كان من ريقك يسقى في الشجر
وأما والله لو يعلم ما حظه منك لأثنى وشكر
ليتني المهدى فيروي عطشي برد أنيابك في كل سحر
وقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إذ يقول:
وإذا سألتك رشف ريقك قلت لي أخشى عقوبة مالك الأملاك
ماذا عليك، دفعت قبلك للثرى من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكون متيم صب بحبك دون عود أراك
كتب شمس المعالي إلى الوزير أبي جعفر العتبي يهنئه بمولود:
[ ٥١ ]
طرقنا البشير أطال الله بقاء مولاي الشيخ بقدوم فارس ندب شد أزره، وطلوع صبح من أفقه أضاء فجره، وانتضاء نصل من قرابة قاطع، وإشراق بدر من أحشاء ليلته طالع، فتهللت الوجوه فرحًا، واستهلك الجماعة مرحًا، وقلت من بينهم: لله هو؟ فلقد بان جوهره وأغرب، وواهًا له فنعم ما نجل عنصره فأنجب، وأخذنا نزجر للمولود طالع السعود، ونرتاد له اسمًا نشتقه من كنى الجدود، ونعد للنثار نفائس الشعار والدثار، ونبذل للبشير الوارد طرائف الطريف والتالد، ونستعجل الأنس بتدبير عقيقته، وتهذيبه، ونصرف الفكر في تسليمه إلى المكتب وتأديبه، فبينا نحن نستقبل هذه الأمور، ونستلف المنى والسرور إذ فاجأنا من أخبر أن الفارس راجل، والناصر خاذل، والنصل قراب، والعصا جراب، والغلام كعاب، والمنارة محراب، وصور أن المتحرك ساكن والتامر لابن. فانتقلنا في الحال عن تدبير الختان إلى ارتياد الأختان، وعن شراء الألواح إلى شراء الوشاح، وعن بري النبال إلى صوغ الخلخال، وعن إصلاح الدواة إلى إصلاح المرآة، وعن استدعاء الدرج إلى استدعاء الدرج، وعن إصلاح القلم إلى إصلاح ميل الكتم، وحين استفاض الخبر وورد، وتحدث ذو الشنآن والحسد بأن القوس انقلبت ركوة، والصريح عاد رغوة، والنعمة تحولت نقمة، وأن النيل عاد ويلًا، والصبح عاد ليلًا، وأفصح الشامت بأن المعونة صارت مؤونة، والقاسم أصبح ميمونة، وابتدأ كل يفلع نادرة ويورد حكاية، ويجعلها قدحًا فيك ونكاية، علت بها صبرًا، وضقت منها صدرًا، وجعلت أقول عندما جعلت الأخبار تطول: مهلًا فإن مولاي قد بدل من البدر شمسًا، وهي أبهى في العيون، وعوض من الرمح ترسًا وهي أدفع في الحرب للمنون، وربَّ أنثى أنجب من الذكر، واشرف من طريف الخبر:
فما التأنيث لاسم الشمس عار ولا التذكير للبدر افتخار
هذه النفس وهي مؤنثة أشرف من الجسم وإن كثف حجمًا، وهذه السماء غير مذكرة وهي ألطف الأشياء وأعظم جرمًا، وهذا النبي الأمي عليه أيمن الصلوات هو أبو البنات، ووجدنا الله العلي العظيم قدم الإناث في كتابه العزيز الحكيم حيث يقول: ﴿يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لم يشاء الذكور﴾، ووجدنا شعيبًا ﵇ بهن تمكن من خدمة الأنبياء الكرام حين صدر الرعاء عن الماء، واحتيج إلى معاونة الأجراء، وكم كاتب استخدم بابنته زمامه، ووزير ملك بها إمامه، وصرف كيف شاء أحكامه، هذا الحسن بن سهل ملك بابنته بوران المأمون، وهذه قطر الندى استخلصت المعتضد لأبيها خمارويه بن أحمد بن طولون، ولعل مولاي ما رزق هذه القادمة إلا ليملك بها سلطانًا عظيمًا، وينال شرفًا جسيمًا، فالدول أسباب وآثار والجدود أسرار وأقدار.
فلما سمع الحسدة ذلك خمد لهبهم وسكن كلبهم، وأنبسو بألسن قد خرست، وبصائر قد اختلست، وأقدام قد تعثرت، وحجج قد دحضت وأبطلت، وأرجو أن يشكر مولاي منابي، ويحمد خطابي، ويرضى مقامي، ويهوى خصامي، والله يمتعه بعثيلة الربرب، ونجيلة الحسب، وجرثومة النسب وجالبة النشب، فأقسم لو أدرك ميلادها شاعر عصرنا لأنشد:
فلو كان النساء كمن رزقنا لفضلت النساء على الرجال
قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، فقال: كان واسع الصدر، ضيق الأدب، يبيح لنفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصغي إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته، ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرقها بسوء التدبير، فقال المأمون: لذلك ما حل محله، أما والله لو ذاق لذات النصائح واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عند شهواتها لما ظفر به.
ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من أخيه المأمون، رأي فضل المأمون عليه وإنما أرضى بذلك زبيدة، وأخاها عيسى بن جعفر كان يقول:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنه غلبت على الرأي الذي كان احزما
فكيف برد الدر في الضرع بعدما توزع حتى صار نهبًا مقسما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما
[ ٥٢ ]
ولما خلع المأمون أخاه بخراسان، ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعمل بعيوبه كتبًا تقرأ على منابر خراسان، ويقف رجل فيذم أهل العراق ويقول: [هم] أهل فسق وخمور، وفجور وماخور، ويعيب الأمين فيقول: استصحب رجلًا شاعرًا ماجنًا كافرًا استخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم ونيل المحارم، وهو الذي يقول:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي: هي الخمر ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر
فاتصل ذلك بالأمين، فحبس أبو نواس برأي الفضل بن الربيع، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه عهدًا ألا يشرب الخمر ولا يقول فيها شعرًا، فقال أبو نواس:
أيها الرائحان باللوم لوما لا أذوق المدام إلا شميما
نالني بالملام فيها إمام ما أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني لست إلا على الحديث نديما
كبر حظي منها إذا هي دارت أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني وما أزين منها قعدي يزين التحكيما
كل عن حمله السلاح إلى الحر ب فأوصى المطيق ألا يقيما
القعدة: فرقة من الخوارج يرون الخروج ولا يخرجون. وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى.
وقال في ذلك أيضًا:
غننا بالطلول كيف بلينا واسقنا نعطك الثناء الثمينا
من سلاف كأنها كل شيء يتمنى مخير أن يكونا
أكل الدهر ما تجسم منها وتبقى لبابها المكنونا
فإذا ما لمستها فهباء يمنع الكف ما تبيح العيونا
ثم شجت فاستضحكت عن لآل لو تجمعن في يد لاقتنينا
في كؤوس كأنهن نجوم دائرات، بروجها أيدينا
طالعات من السقاة علينا فإذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشرب حولها من بعيد قلت: قوم من قرة يصطلونا
وغزال يديرها ببنان ناعمات يزيدها الغمز لينا
كلما شئت علني برضاب يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيش لو دام لي غير أني عفتها مكرهًا وخفت الأمينا
وله في ذلك شعر كثير وإنما تبع أبا معاذ بشار بن برد في ذلك لأنه لما قال:
لا يؤيسنك من مخبأة قول تغلظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة والصعب يمكن بعدما جمحا
بلغ ذلك المهدي فغاظه وقال: يحضر الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل إليه، فقال له خاله يزيد بن منصور الحميري وكان مراغمًا لبشار: يا أمير المؤمنين: إن النساء قد فتن بشعره، وأي امرأة لا تصبو إذا سمعت قوله:
عجبت فطمة من نعتي لها هل يجيد النعت مكفوف البصر
بنت عشر وثلاث قسمت بين غصن وكثيب وقمر
درة بحرية مكنونة مازها التاجر من بين الدرر
أذرت الدمع وقالت: ويلتي من ولوع الكف ركاب الخطر
أمتي بدد هذا لعبي ووشاحي حله حتى انتثر
فدعيني معه يا أمتي علنا في خلوة نقضي الوطر
أقبلت في خلوة تضربها واعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنه دمع عين غسل الكحل قطر
أيها النوام هبوا ويحكم وسلوني اليوم ما طعم السهر
فنهاه المهدي عن الغزل، فقال في ترك ذلك:
يا منظرًاحسنًا رأيته من وجه جارية فديته
لمعت إلى تسومني ثوب الشباب وقد طويته
والله رب محمد ما إن غدرت ولا نويته
أعرضت عنك وربما عرض البلاء وما أبتغيته
ويشوقني بين الحبي؟ ب إذا ادكرت وأين بيته
ومخضب رخص البنا ن بكى علي وما بكيته
إن الخليفة قد أبى وإذا أبى شيئًا أبيته
قام الخليفة دونه فصبرت عنه وما قليته
ونهاني الملك الإما م عن النساء فما عصيته
بل قد وفيت ولم أضع عهدًا ولا وأيًا وأيته
وقال في ذلك أيضًا:
والله لولا رضا الخليفة ما أعطيت ضيمًا علي في شجني
قد عشت بين الندمان والرا ح والمزهر في ظل مجلس حسن
ثم نهاني المهدي فانصرفت نفسي فعال الموفق اللقن
ومن شعره المعجب في الغزل قوله:
[ ٥٣ ]
أيها الساقيان صبا شرابي واسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الصدى وإن شفائي شربة من رضاب ثغر برود
عندها الصبر عن لقائي وعندي زفرات يأكلن قلب الحديد
ولها مبسم كغر الأقاحي وحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد في حبة القل؟ ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت: نلقاك بعد ليال والليالي يبلين كل جديد
ما أبالي إن ضن عني بوصل إن قضى الله منك لي يوم جود
وله أيضًا:
فلو عاينوها لم يلوموا على البكا كريمًا سقاه الخمر بدر مخلق
وكيف تناسي من كان حديثه بإذني وإن عنيت قرط معلق
وقوله:
كأنها حين راحت في مجاسدها فارتج أسفلها واهتز أعلاها
حوراء جاءت من الفردوس مفتنة كالشمس طلعتها والمسك رياها
من اللواتي غدت فردًا وشق لها من جيبه الحسن سربالًا فراداها
راحت ولم تعطه برءًا لعلته بها ولو سألته النفس أعطاه
تغمه نفسه من طول صبوته حتى لو اجتمعت في الكف ألقاها
ما شاهد القوم إلا ظل يذكرها ولا خلا ساعة إلا تمناها
وقوله:
وصفراء مثل الزعفران شربتها على صوت صفراء الترائب رود
حسدت عليها كل شيء يمسها وما كنت لولا حبها بحسود
كأن مليكًا جالسًا في ثيابها تؤمل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلة سوامًا ولم ترفع حداج قعود
تميت بها ألبابنا وقلوبنا مرارًا وتحييهن بعد همود
إذا نطقت صحنا وصاح لها الصدى صياح جنود وجهت لجنود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كله كأنا في الفردوس تحت خلود
ولا بأس إلا أننا عند أهلها شهود وما ألبابنا بشهود
وقوله:
لعمر أبي زوارها الصيد إنهم لفي منظر منها وحسن سماع
تصلي لها آذاننا وعيوننا إذا ما التقينا والقلوب دواع
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ببؤس ولم تركب مطية راع
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها لزوارها من مزهر ويراع
إذا قلدت أطرافها العود زلزلت قلوب دعاها للوساوس داع
كأنهم في جنة قد تلاحقت محاسنها في روضة وبقاع
يروحون من تغريدها وحديثها نشاوى وما تسقيهم بصواع
لعوب بألباب الرجال إذا دنت أضيع النهى والغي غير مضاع
وقال:
درة حيثما أديرت أضاءت ومشم من حيث ما شم فاحا
وجنان قال الإله لها كو ني فكانت روحًا وروحًا وراحا
وقال:
تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت وتستفز حشا الرائي بإرعاد
كأنما صورت من ماء لؤلؤة فكل جارحة وجه بمرصاد
ومثل تلقى بتسبيحة.. قول أبي بكر محمد بن دواد الصبهاني فيما وجد له منقوشًا على جوهرة:
لما لحظت بناظري وجهًا بديع الحسن مفرد
قالت محاسن وجهه: بالله صل على محمد
صلى الله على أكرم مولود دعا لأعظم معبود، وعلى آله الطيبين، وأصحابه المنتخبين وسلم.
[ ٥٤ ]
قد أتممت هذا الكتاب عن طريق اختصار، وسبيل اختيار، ولو أردت لمددت إلى ما يربي على الغاية، ويوفي على النهاية، إذا ذاك متيسر غير متعذر، ومتسع غير ممتنع، وإنما أغريت أن أجري إلى رضاك، حسب مبتغاك، فكان كتابي باكورة حلت، غير أنها قلت، وفي هذا الكتاب أكثر المعونة بأيسر المؤونة على تنبيه نائم الخواطر، وتحريك ساكن السرائر لمن يجول في ميدان المخاطبة والمكاتبة، ويأخذ بعنان المذاكرة والمحاورة، إذا طرز به ديباج كلامه وحلى عاطل نثره ونظامه، فمن سهلت بحفظ البلاغات حواشي لسانه، تصورت صورها في جنانه، فمتى حاول كتابًا أو زاول خطابًا قامت إلى لفظه من شعاب حفظه خدام الإصابة على أقدام الإجابة، تسايره بالنصر فيما يممه من أمر، فللبلاغات أدوات يقتفى أمثالها، ويحتذى مثالها، فأولاها بعد إقامة اللسان وحفظ كلام أمراء البيان وبخاصة أهل هذا الزمان، إذ النفس أقرب إلى ما قرب منها مما بعد عنها، وهي أحق وأحجى أن تكون لإدراكه أرجى، ولا سيما إذا رأى العربي الصريح نطق العجم باللسان الفصيح، في ألفاظ لو اجتلين جواهرها، واجتنيت زواهرها، لكسدت صناعة الحلى والحلي، وبارت بضائع الوسمي والولي.
[شعر]:
ولم تتشوق للربيع نفوسنا ويضح على الدنيا بها منشد يشدو
سقى الله وردًا صار خد ربيعنا فقد كان قبل اليوم ليس له خد
فعلم أنهم شغلوا أسرارهم واستعملوا أفكارهم، من نقس تلك الرقوم ووشي تلك الرسوم، بما استقرأه وتتبعه لصار معهم كما صاروا معه، في حقه الذي عليه غصب، وفيه غلب، فكثير ممن أوردت عليك روائع حكمهم، وبدائع كلمهم، أعاجم درت لهم الفصاحة بغير عصاب، وسبقت إليهم الرجاحة بغير اغتصاب إذ علموا ما آية معانيها، وكيفية مبانيها، وقد قالت الفلاسفة: "حد الإنسان الحي الناطق، فكلما كان رتبة المنطق أعلى، كان بالإنسانية أولى".
وأمر المأمون بإسقاط رجل من الجند، فقال: يا أمير المؤمنين لم أسقطتني؟ قال: لأن روح الحياة إذا ظهر كان جمالًا، وإذا بطن كان بيانًا، وأنت لا ظاهر لك ولا باطن.
فحق كل ذي فضل وعقل أن يكون كما قال بعض الحكماء: "يجب على العاقل أن ينظر في المرآة، فإن كان وجهه حسنًا لم يشته بقبيح، وإن كان قبيحًا لم يجمع بين قبيحين".
فالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازيًا لجمال مخبرك، وشامخ فرعك مقارنًا لراسخ عنصرك:
فلو كنت ماءً كنتَ غمامةٍ ولو كنتَ دُرًَّا كنتَ من درَّةٍ بكرِ
ولو كنتَ لهوًا كنتَ تعليل ساعةٍ ولو كنتَ نومًا كنتَ إغفاءة الفجرِ
ولو كنت ليلًا كنتَ قمرًا جُنِّبت نحوس ليالي الشهرِ أو ليلةَ القدرِ
وأقول:
والله حسبي فيكَ من كلِّ ما يُعوِّذُ العبد به المولى
فاسم وعشْ ولا زلت في نعمةٍ أنت بها من غيركَ الأولى
كمل الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، ووافق الفراغ من نساخته في ضحى يوم الأربعاء المبارك السادس من شهر رجب الفرد من شهور سنة اثنتين وثلاثين وألف، على يد أفقر العباد إلى عفو الكريم الجليل، الخليل بن خليفة العزيز المكي الرومي الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
[ ٥٥ ]