في العلامات الدالة من جهة الرأس والعنق وينبغي أيضًا أن ينظر إلى رأسه، فإن وجده خفيفًا ممرطًا، ونباته متفرقا متباعدا، دل على فساد جلد الرأس، ورداءة مزاج الدماغ. وإن وجده لينًا، دل على الجبن، وإن وجده منتقضًا متساقطًا بكثرة دل على يبس الدماغ. وإن وجد به داء الثعلب أو داء الحية (^٢) دل على أخلاط ردية مفسدة للشعر. وإن وجده سالمًا من ذلك وخشنا دل على جودة مزاج الدماغ والشجاعة.
_________________
(١) نبات ينبت كثيرا في القبور والحيطان القديمة والمواضع التي لا تحرث، له زهر أحمر يطول نحوا من ذراع.
(٢) انظر ما سبق في كتاب ابن بطلان ص ٣٨١.
[ ٣٩٦ ]
وأن ينظر إلى جلدة الرأس فإن وجد بها حزازًا (^١)، أو شطفة (^٢) وبثرًا، أو أثر قروح وجرح غائر، دل على عظم قد سقط من القحف. وهذا رديّ لا يؤمن أن يقع بهذا الموضع صدمة أخرى من شيء حاد فيبلغ الدماغ فيخرجه، أو من شيء ثقيل يرضّه فيتلفه.
وأن ينظر إلى شكل القحف، فإن وجده مسفطًا جدًا (^٣) دل على الرداءة من جهتين: أحدهما: سرعة الصرع، وثانيهما قبح المنظر.
قال صاحب لقط المنافع (^٤): أما صغر الرأس وكبره فسببه المادة النطفية؛ إن قلت قل، وإن كثرت عظم.
وإذا كان الرأس صغيرًا حسن الشكل، كان أقل رداءة من الصغير الردئ الشكل، على أنه لا يخلو من رداءة هيئة الدماغ، وضعف من قواه. ولهذا قال أصحاب الفراسة: يكون هذا الإنسان لجوجًا سريع الغضب متحيرًا في الأمور.
قال جالينوس: لا يخلو صغر الرأس البتة عن دلالة على رداءة هيئة. وكبر الرأس ليس دليلًا في كل وقت على جودة الدماغ ما لم يقترن به جودة الشكل وغلظ العنق وسعة الصدر، فإنها تابعة لعظم الصلب والأضلاع التابعين لعظم النخاع وقوته، التابعين لقوة الدماغ.
وإذا كان الرأس مستديرًا دل على بعده عن الخير إذا كانت الجبهة مستديرة، والوجه طويلًا والرقبة غليظة، وفي العين بلادة.
_________________
(١) في حاشية الأصل: «الحزاز وهو النخالة التي تكون في الرأس، سببها مادة حادة بورقية أو سوداوية أو دم سوداوى أو أبخرة حادة أو يبس». وفي اللسان: «والحزاز: هبرية في الرأس كأنه نخالة، واحدته حزازة».
(٢) كذا وردت هذه الكلمة. ولعلها «السعفة»، وهي قروح تخرج بالرأس.
(٣) انظر ما سبق في حواشي ٣٥٩.
(٤) هو ابن الجوزي. ولقط المنافع: كتاب له في الطب جعله على سبعين بابا، ثم اختصره وسماه مختار المنافع. كشف الظنون.
[ ٣٩٧ ]
وأن ينظر إلى عينه، فإن وجدها عظمت فهو قبيح كسلان، وإن وجدها غارت فبه داء خبيث، وإن جحظت فهو وقح مهذار، وإن وجدها ذاهبةً في طول بدنه فهو مكّار خبيث، وإن وجدها كأنها نائتة (^١) وسائر العين لاطٍ (^٢) فهو أحمق. وإن وجدها صغيرة غائرة فهو مكار حسود. وإن وجدها ناتئة (^٣) صغيرة كعين السرطان فهو جهول ميال إلى الشهوات. وإن وجدها كبيرة ترعد فهو شرير إن صغرت حدقتها وإن وجدها عظيمة فهو قليل الشر عظيم الحمق (^٤).
وإن وجد حدقتها شديدة السواد فهو جبان. وإن وجدها زرقاء صغيرة فهو كسلان بطال كثير المحبة للنساء. وإن وجدها زرقاء مشوبة بصفرة كالزعفران فهو رديء الأخلاق جدًا. وإن وجدها زرقاء وهو أشقر اللون فهو رديء جدًا.
وإن وجدها زرقاء مشوبة بصفرة وخضرة كالفيروزج فهو أردأ الناس. وإن وجد فيها نقطًا حمرًا أو بيضًا فهو شر الناس وأرداهم. وإن وجدها بيضاء بياضها كدر فهو غير جيد الحدقة. وإن وجدها مع ذلك مستديرة كعين الأسد، والوجه متعجر، فهو ممن حدث له الجذام. وإن وجدها شهلاء فهو جيّد العين. وإذا لم يكن شهلها شديد البريق، ولا مشوبًا بصفرة ولا حمرة فهو شديد جودة العين.
وإن وجد في عينه عروقًا حمراء دل على حصول السبل له (^٥)، وإن وجد حاجبها
_________________
(١) في الأصل: «ثابتة»، صوابه من كتاب جمل أحكام الفراسة ص ٣. والناتئة: المرتفعة.
(٢) اللاطئ: اللازق.
(٣) في الأصل: «ثابتة»، صوابه من كتاب جمل أحكام الفراسة.
(٤) نص الرازي: «صاحب العين الكثيرة الرعدة شرير إن كانت صغيرة، وإن كانت عظيمة نقص من الشر وزاد في الحمق».
(٥) جاء في حواشي الأصل: «السبل: عروق تمتلئ دما وتسود وتحمر، وأكثره مع سيلان دم وحمرة وحكة. وهو ثلاثة أنواع: أحدهما يعرف بالسيل الرطب، كأنه نسيج العنكبوت بعروق حمر دقاق ويكون معه رطوبة عظيمة في العين. والثاني يعرف بالسبل اليابس وتكون معه العين ناشفة كأنها صحيحة غير أن العبا (؟) يكون مسبلا. والثالث المستحكم الذي قد غلظ ومنع البصر وبيض الحدقة».
[ ٣٩٨ ]
كثير الشعر فهو كثير الهم والحزن غث الكلام، وإن وجد مأقها الذي يلي الأنف تسيل منه رطوبة فليعصره فإن خرج منه زيادة رطوبة دل على مرض الناصور (^١)، وإن وجد في هذه المآقي زيادة لحمية ناتئة منبسطة نحو الحدقة فهي ظفرة (^٢)، وإن وجد جفنها منتثرة (^٣)، دل على مادة حادة تصل إلى أصول الأجفان فتمنعها من جودة البصر وتسقطها، وإن وجد الجفن ثقيلًا مسبلًا دل على غلظ أو جرب أو شعرة. وإن وجده منكسرًا أو مكبوبا من غير علة فهو ما كر أحمق كذاب.
وينبغي له أن يمتحن بصره قوة وضعفًا، بأن يريه أجسامًا مختلفة الأشكال فإن كان لا ينظرها نظرًا جيدًا، أو كان ينظر إلى القريب منها نظرًا جيدًا دون البعيد أو بخلاف ذلك فبصره رديء، ودلت العلامة على آفة قد نالت الدماغ والروح الباصر.
وأن ينظر إلى سمعه، فإن وجده ثقيلًا بأن يكلمه فلا يجيبه، دل على أن بسمعه آفة، إما من شدة عارضة في ثقب الأذن، والشدة إما من لحم نابت أو ثألول (^٤)، أو من قبل شيء عارض. فإن كانت من شيء عارض، كحصاة أو فولة أو شعيرة أو وسخ، فإنها تزول بالآلة التي يخرج بها ما يسقط في الأذن.
وإن كانت من غير ذلك فبرؤه عسر. وإن وجده كبير الأذن جاهل بليد طويل العمر.
وأن ينظر إلى أنفه، فإن وجد غلظًا [أو] جسًا (^٥)، دل على أن هناك لحما
_________________
(١) انظر ما سبق في ص ٣٦١.
(٢) انظر ما مضى في حواشي ص ٣٦١.
(٣) كذا في الأصل.
(٤) هذه لغة عامية في «الثؤلول» نص عليها ابن الجوزي في تقويم اللسان. والثؤلول: واحد الثآليل، وهو الخراج يخرج في الجلد.
(٥) في الأصل: «فإن وجده غليظا جشا» تحريف انظر له ما سيأتي في أول الفصل الرابع. والجسا: اليبس.
[ ٣٩٩ ]
زائدًا وقروحًا في المنخرين، فينبغي أن ينظر إليه في موضع مضئ مقابل للشمس ليظهر له ذلك.
قال صاحب لقط المنافع (^١): من كان طرف أنفه دقيقًا فإنه يحب الخصومة، ومن كان أنفه غليظًا ممتلئًا فهو قليل الفهم، ومن كان غليظ الشفة فهو أحمق غليظ الطبع، ومن كان قليل صبغ الشفة فهو ممراض، ومن كان كثير لحم الخدين فهو غليظ الطبع.
وأن ينظر إلى لسانه فإن وجده ثقيلا أو ألثغ أوليس بيّن الكلام دل على صغر اللسان أو غلظه أو قصره، أو قطع جزء منه، أو آفة للعصب اللساني، أو غير ذلك من الآفات، أو من سن قد انقلعت. وإن وجد فيه آثار قروح قد اندملت، فليسأل صاحبه عن السبب، فإن قال سببه قرحة عرضت في لسانه، أو ورم انفجر واندمل، فلا يشتريه حتى يفحص عن ذلك فحصًا جيدًا، لاحتمال أن انصرع فعض لسانه فتورم وتقرح، وأن يسمع صوته فإن وجده أبح حادًا دل على أن هناك جذامًا سيظهر.
وقال بعض الأفاضل من العلماء: حسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة.
وأن ينظر إلى أسنانه، فإن وجدها ساقطة، ولا سيما الثنايا والأنياب والأضراس، دل على القبح، والمنع من بيان الكلام والمنع من جودة المضغ، وإن وجد سقوطها من قبل أن يثغر فإنه إذا ثغرت عادت أجود مما كانت، وإن وجد سقوطها من بعد إثغاره فإنها لا تعود. وأن ينظر إلى لون أسنانه، فإن وجده أبيض أو أسود فهو عيب قبيح إلا [أن] يكون قبل إثغاره فإن الإنسان إذا ثغر عادت أسنانه ولونها إلى أحسن ما كانا وأجود وأقوى.
_________________
(١) انظر ما سبق في حواشي ٣٩٧.
[ ٤٠٠ ]
قال أبو الفرج بن الجوزي (^١) ﵀: وتفريق الأسنان وضعفها ورقتها دليل على ضعف الجسد (^٢) وقصر العمر. واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم. ومن وقع عليه عند الضحك سعال أو ربو فإنه وقح سليط.
وقال في موضع آخر: وأن يتفقد أسنانه، فإن القوية طويلة البقاء، والرفيعة (^٣) سريعة السقوط، والضعيفة المتفرقة تدل على قصر العمر.
وأن ينظر إلى لثاة أسنانه، فإن وجدها متشعبة أو مسترخية أو فيها قروح (^٤) دل على الرداءة. وأن يشتم نكهته، فإن وجدها متغيّرة، فتغيّرها إمّا من عفونة اللثاة أو من ضرس متآكل أو من بلغم عفن في المعدة. فإن كان من الأول فيزول بتقوية اللثة بالأدوية القابضة، واستعمال الأدوية الحارة. وإن كان من الثاني فيزول بقلع الضرس المتآكل، أو بتنقيته أو بكيه. وإن كان من الثالث فلا يسهل برؤه.
وأن ينظر إلى لهاته، فإن وجدها نازلة إلى السفل كثيرًا دل على الرداءة، من جهة أنه متى عرض لها ورم تبعه الخناق. وإن وجدها مسترخية دل على الرداءة من جهة أن صاحبه يعرض له السعال كثيرًا.
وأن ينظر إلى حلقه من خارج، ويمس الغدد التي هناك، فإن وجدها ظاهرة
_________________
(١) يعنى، في كتابه «لقط المنافع».
(٢) في حواشي الأصل: «قال السموأل: واجتماعها أجود من تفرقها، وإن كان الشنب مذهبا محبوبا عند العرب»: قلت: السموأل هذا هو السموأل بن يهوذا المغربي، من العلماء الذين قدموا إلى المشرق، وأقام بمدينة المراغة مراغة أذربيجان، وأولد أولادا سلكوا طريقته في الطب، وأسلم فحسن إسلامه، وصنف كتابا في إظهار معايب اليهود وكذب دعاويهم في التوراة، ومات قريبا من سنة ٥٧٠. القفطي ١٤٢.
(٣) الرفيعة هنا بمعنى الرقيقة. وهي صحيحة. جاء في شرح درة الغواص للحريرى ص ١١٨: «والناس يقولون ثوب رفيع بمعنى رقيق، كذا في أدب الكاتب، وهو مجاز، ولذلك أهملوه في كتب اللغة».
(٤) في الأصل: «قروحا».
[ ٤٠١ ]
تحت الملمس مع صلابة كان ذلك دليلًا على الخنازير (^١).
وأن ينظر إلى لون وجهه، فإن وجده مثل لهب النار فهو عجول مجنون، وإن وجده رقيقا فهو مستحى، وإن وجده أخضر أسود فهو سيّئ الخلق. وأن ينظر إلى استدارة وجهه، وإلى نحافته، وإلى صغره وطوله، فإن وجده شديد الاستدارة فهو جاهل، وإن وجده نحيفا فهو مهتمّ بالأمور، وإن وجده صغيرا فهو دنئ خبيث ملّاق، وإن وجده طويلًا فهو وقح. وأن ينظر إلى عنقه، فإن وجده قصيرًا جدًا فهو مكار خبيث، وإن وجده طويلًا دقيقًا فهو صياح أحمق جبان. وإن وجده كثير الشعر فهو أحمق شديد الحرارة.