في العلامات الدالة من جهة السمن والهزال، والطول والقصر وينبغي له أيضًا أن ينظر إلى جسمه، فإن وجده سمينًاُ فلا يشتريه، لأن السمنة (^١) رديئة جدًا، لا سيما السمنة بالطبع، فإنها مستعدة لحدوث أمراض رديئة لأن الحرارة الغريزية تكون فيها ضعيفة لضيق عروقها، وضيق العروق فيها لشيئين: أحدهما برد المزاج. ثانيهما ضعف الأعضاء السمينة لها، فأصحابها لذلك أقل أعمارًا، لأن ضيق العروق يتبعه ضعف الحرارة الغريزية ونقصانها، وهذان يتبعان نقصان الروح، وهم معرضون للسكتة والفالج وعسر النفس.
ومن أفرط سمنه وكان ممراضا، فهو على خطر. وإن وجده قضيفًا مهزولًا نحيفًا فلا يشتريه، لأن النحيف رديء لما يغلب على مزاجه من اليبس، فهو لا يقدر على الرياضة والأعمال الكثيرة، لأن ذلك مما يسخنه ويجففه فيزداد نحافة.
وصاحب النحافة لا يقدر على الحر والبرد، لأنهما يصلان إلى أعضائه الباطنة
بسرعة فيعرّيانها من اللحم … وإسهال النحيف خطر.
وإن وجده معتدلا ليس بالسمين ولا بالهزيل، فليشتره (^٢) فإنه من أحسن العبيد بدنًا، وأدومهم صحة، وأصبرهم على الأعمال، وأبعدهم عن الأمراض، لأن الحرارة الغريزية متوفرة فيه، والهضم جيد، والأعضاء قوية لذلك.
وإن وجده طويلا دلّ ذلك على غباوته وغفلته وقلة عقله. وإن وجده قصيرا دل ذلك على خبثه وخداعه ومكره.
_________________
(١) هذه الكلمة بمعنى السمن مما لم يذكر في المعاجم المتداولة. وقد وردت بهذا المعنى أيضا في شرح الحماسة للمرزوقى ١٢٦٢، ١٤٣٦.
(٢) كذا جاءت بالأصل. وإثبات حرف العلة مع الجازم لغة لبعض العرب، كقوله: ألم يأتيك والأنباء تنمى … بما لاقت لبون بنى زياد
[ ٤٠٦ ]
قال الجاحظ: الغباوة والغفلة في الطوال أكثر، والخبث والخداع في القصار أبين، واللطف في النحاف والقضاف أظهر، والغلظة والجفاء في السمان أكثر، وما سوى ذلك نادر.
قال صاحب لقط المنافع: قالوا: والطوال من الناس في الشبيبة أحسن، وفي الكبر أقبح، لسرعة الانحناء إليهم. والمعتدلون في الطّول صالحو الحال.
قال الجاحظ: أجمع الناس على أن ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحًا من أحول، ولا أقود من أجدب.
قال بعض الحكماء: لا تبتاعن مملوكا قوي الشهوة فإن له مولى غيرك، ولا قوي الرأي فيستعمل الحيلة عليك. لكن اطلب من العبيد من كان حسن الانقياد، قوي الجسم، شديد الحياء. واعلم أنه ما من شيء تنتفع به إلا وفيه مضرة، فإن الخادم الذكي الفطن الذي يريحك من كد الإفهام ويقنعه منك الإشارة في تبليغ الأغراض، لا تقدر أن تستر عنه شيئًا من أمرك، فسرك معه شائع، وهو قادر لفطنته على الاحتيال عليك في كل ما تريد. وإن كان الخادم غبيًا وقفت أمورك، وانكسرت أغراضك، ولا يفي كتمان سرك بوقوف أغراضك. فينبغي أن تستخدم الفطناء في الأمور الخارجة عن المنزل، وتستخدم البله في الأمور الداخلة. وكذلك الأصدقاء في معاملتهم والمعاملون.