وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن كندة - وهو ثور بن المرتع، واسم المرتع نبت بن مالك بن زيد بن كهلان - وصى بنيه، وهم أثله ونحيب ومعاوية، وهو جدّ الملوك المتوجة من كندة، فقال لهم: يا بني احفظوا أنفسكم عما يشينها، وحثوها على ما يزينها. يا بني، ما أفلح غادر قط، ولا ساد خائن يومًا من الدهر، ولا عاش كريمًا إلا حميدًا، ولا مات جواد إلا فقيرًا ولست أرى شيئًا أذل من البخل، ولا أحسن من المنفرد الوحيد. ثم أنشأ يقول:
بَنِيَّ احفظُوا للدَّهرِ منِّي خصائلًا تعيشُوا بها بينَ الأنامِ مُلُوكًا
بَنِيَّ أقلُّ النَّاس مَنْ كانَ غادرًا فكانَ لإحرامِ الرِّجالِ هَتُوكا
وأكثرهُمْ من كانَ في العُرفِ آمرأً وكانَ لمذمُومِ الفعالِ ترُوكا
وأكرمُهُم من كان في سُبُلِ العُلا وفي مهيعِ المجدِ التَّليد سلُوكا
وأحملهم من كان يُلفَى لقومِهِ إذا ندبُوهُ للنِّزالِ وشيكا
وكان لدى الهيجاءِ في كُلِّ مشهدٍ قصُومًا لأقرانِ الرِّجال بتُوكا
وإيَّاكُمُ والبُخلُ فالبُخلُ ربُّهُ وإن كان ذا مالٍ يموتُ ضريكا
ولو عاشَ ما قد عاشَ لُقمانُ لم يكُنْ مع البُخلِ إلا خامِدًا وهلُوكا
[ ٣٥ ]
بنيَّ صِلُوا الأرحامَ كي لا تفرَّدُوا إذا كان طعنُ الواصلين شكُوكا
فما اللَّيثُ إلا بالعرين الَّذي بهِ لما شاءهُ عند الجبالِ دروكا
وليسَ امتناعُ البيتِ إلا بأهلِهِ وإن سميكا