وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن معاوية الأكرمين وهو جد الملوك المتوجة من كندة وصَّى بنيه، فقال لهم: يا بني، أحسنوا موالاة من والاكم، واجتهدوا في معاداة من عاداكم، أما من عاداكم فأسهروا ليله، وأخيفوا نهاره، وكونوا أمامه ظلامًا، ووراءه أفاعي، وعن يمينه وشماله أسدًا، افترسوه في الليل إذا تعشى، وانتهموه في النهار إذا تخلّى، فإن تركه إياكم ليس من شفقة به عليكم، ولكنه ينتظر الفرصة فيكم، ليثب وثبة الخادم على الضالة في مرصده. وأما من والاكم فارعوا ليله، واحفظوا نهاره، وكونوا له حصنًا ساطعًا وركنًا مانعًا وعيشًا هامعًا، وأدنى ما توجبون له من حقه أن تؤثروه بالخير عليكم، وتقوه الشر بأنفسكم، وأن تحفظوه وأقاربه، فما الناس إلا اثنان، عدو كاشح وصديق ناصح. ومعاوية هذا الذي يقول فيه عامر بن السّكون الأشرس بن كنده بن المرتع حيث يقول:
أبَتْ حادثاتُ الدَّهرِ إلا امتحانيه على المكروه إلا اصطباريهْ
لقد كانَ ظنِّي أنْ أوارى ولا أرى رجالًا بأيدِيهَا بوارًا مُعاوِيَهْ
وكانَ القُوى مِنِّي فلمَّا سُلِبتهُ سُلِبتُ القُوى حتى استبانَ انحنائِيهْ
لقد فارقَتِنيْ يومَ فارقتُ وجههُ يَمينِيَ لا بلْ فارقتني شِماليَهْ
فلو كانَ يُفدَى لافتديتُ بقاءَهْ بنفسِيْ وأولاديْ وأهليْ وماليهْ
لقد ورثِتْ ثور بنَ نبتِ بن مالكٍ فتاها الَّذِي أضحتْ لَهُ وهي باكِيهْ
فكائنْ ترى في كِندةَ المُلكَ والعُلا لهُ اليومَ من راثٍ يَحنُّ وراثيةْ
معاويَ إنِّي لستُ أنساكَ ما جرتْ شآميةٌ في عندلٍ أو يمانيهْ
تمنَّيتُ إذ وافتْ نعاتُكَ عُذوةً بأن قبلها قامَتْ عليَّ نُعاتيهْ