وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن معد يكرب الكندي وهو الذي يقال له ذو التاج الأوضح أقبل على بنيه وهو يقول: " من المتقارب "
بَنِيَّ حلبتُ الزَّمانَ الخَؤُون ودرَّجتُ أَسطرَهُ بالغيرْ
وأبليتُ ثوبَ الشَّبابِ النَّضيرِ وبُدَّلتُ ريعانَهُ بالكِبرْ
وقد دقَّ عظمي ودانى خُطاي وخانَنِيَ السَّمعُ بعد البَصرْ
وأصبحتُ أُخبِرُ عن معشرٍ مضى العينُ مِنهُمْ وولَّى الأثرْ
يُسائِلُنِيْ الحيُّ عن سالفيهمْ كأنِّي لفائتها ذُو العُمُرْ
أو إنِّي ركِبتُ وأولادَ نُوحٍ على ذاتِ ألواحِهَا والدُّسُرْ
بنيَّ اسألونِيْ ولا تسألُوا سوايَ فعِنديْ صحيحُ الخبرْ
عَنِ المُلكِ كيفَ حوتهُ الرِّجالُ من أبناءِ قحطانَ دُونَ البَشَرْ
لأُخبركُمْ خبرًا شافِيًا يُسرُّ بِهِ منكُمُ منْ يُسَرْ
ينالُ مِنَ المُلك ما لا يظن بما قلَّ من ذاتهِ أو كَثُرْ
ومنْ يأمَنِ الجارُ مكرُوهَهُ وللجار مَأمولُهُ يُنتظرْ
ومن يتَّقِ اللهَ في أمرِهِ ويرجُو النَّجاةَ ويخشى الغِيرْ
ويعلمَ أنَّ إلهَ السَّما ءِ دُونَهُ لامرئٍ من وزرْ
يرى ما يرونَ وما لا يرونْ ومن عندِهِ مُحكماتُ الزُّبُرْ
فهاتا وَصَاتيْ لكُم يا بنيَّ وكانتْ وصاةَ جُدُودِيْ الغُررْ
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الأسود بن معد يكرب حين سمع هذا الشعر من أبيه آلى يمينًا ألا يتّزر على زينة أبدًا، ولا يمنع السائل مسألة يومًا، ولا تخمد له نار على طارق ما عاش، ولا يتقي أحدًا فيما يروم من أمر الملك في دنياه إلا الله الذي خلقه وبرأه. ثم أقبل على بنيه وهو يقول: " من الرجز "
إنِّيَ وأيم اللهِ يا معديكرِبْ لبارحٌ ما عِشتُ أو ما تحتنب
واحد منك يا عصام الأدب فليأمَنَنْ جاريَ ما هبَّ ودبْ
فليسَ من عِندِي على جاري الأربْ إنِّي وحقِ الجارِ حتمًا قد وجبْ
وسوفَ أُعطِيْ ما ملكتُ بل أهَبْ من البلادِ واللُّجينِ والذَّهبْ
والطَّارف الميراثِ عن أمٍّ وأبْ حتَّى أشيدَ حسبًا فوقَ الحَسَبْ
وشرفًا يُغنِيْ الفتى عن النَّسبْ يُنبِيكَ أنِّي منْ جماهيرِ العربْ
ذِمامُهُمْ يُغشَى الَّذي يهدِيْ الطَّلبْ من شاءَ مالِيْ دُونَهُ فليَنتهِبْ
وتِلكَ نَارِيْ ما بقيتُ تلتهِبْ للطَّارق الضَّاوي وللطَّاوي الصَّغِبْ
[ ٣٧ ]
قال: فلما سمع أخوه بن معديكرب شعر أخيه الأسود بن معديكرب وما ردَّ فيه على أبيه وما تقدم من يمينه، آلى يمينًا كأليّة أخيه أو أوكد منها على أنه لا يمنع أحدًا شيئًا من ماله ولا ما سأل، وأنه لا يتكلم بالخنى ما بقي، وأنه لا يهم برأيه ما عاش، وأنه لا يغدر، ولا يخون، ولا ينطق إلا بما لا يردُّ عليه، وأنه لا يرهب في جميع الأمور إلا الله وحده لا شريك له. ثم أنشأ يقول: " من الرجز "
أيا ابنَ معديكربٍ خيرَ البشرْ فِينا ابتُني الخَيرُ مع الشَّرِّ الشِمرّ
نَخلُو إذا شِئنا وإن شِئنا نَمُرْ إنِّي وربِّ المثبتات للشَّحر
المُسبَلاتِ بالسَّحابِ المُنهمِرْ لآخذ بما به الآن شعر
وما بهِ الأسودُ في القولِ نَشَرْ مِنْ تركي الرِّيبةَ والأمرِ النَّكُرْ
وتركِيَ الغَدرَ وما لا يشتهِرْ عندَ نداءِ البدوِ مِنَّا والحضرْ
وصمتِيَ الدَّهرّ عن القولِ الهتِرْ وبذلِيَ المالَ لسُؤال العُشُرْ
للمُتربِ الدَّانِيْ وللنَّائي الهكر حتَّى أحُوزَ مُنتهَى شأوِ الغُررْ
آليتُ إنْ طالَ بقائِيْ أو قصُرْ لا أنتَويْ الغَدرَ إذا غَيريْ غَدَرْ
ولا أخُونُ أحدًا من البشرْ هاتِيكَ نَارِيْ في البِقاعِ تستعِرْ
لطارقِ اللَّيلِ إذا اللَّيلُ انعكرْ من شاءَ فَضلِي فإليَّ يبتَدرْ
ولستُ أخشى أحدًا مِمَّنْ كبِرْ في باطنِ المُلكِ ولا فيما ظهرْ
إلاَّ المَليكَ المُستعانَ المُقتدِرْ مُسخِّرَ الشَّمسِ لنا مَعَ القمرْ
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إنهما لم يزالا على ما وصفا به أنفسهما، وأنهما ما سئلا قط شيئًا مما يسأل إلا جادا به وبذلاه لسائلهما. وفيهما الأشعار الكثيرة للأعشى وغيره، ملنا عنها في خبرهما وخبر أبيهما إلى التخفيف. وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن حجر بن عمرو المفضور بن الحارث آكل المرار دخلت عليه كاهنة ذات يوم، فقالت له: أتأذن لي معك أتكلم أيها الملك؟. فقال لها: قولي ما علمت. فقالت له: والسماء ذات البروج، والأرض ذات المروج وما اشتملت عليه أرحام ذات الفروج لقد نبئت نبأً، وعلمت خبرًا بأن أعظمها خطرًا وأبعدها نظرًا وأكثرها نفعًا وضرًا، يسفك دمك شرُّها أناسًا، وأرتَّها لباسًا وأغشها كناسًا، فاظعن أيها الملك العظيم عن ساحة الأرذلين، أسد وتميم. قال: فأطرق حجر بن عمرو المفضور بن الحارث بن آكل المرار الكندي قليلًا، ثم رفع رأسه وأنشأ يقول: " من المنسرح "
منْ يأمنُ اليومَ أو يعيشُ غدًا أمْ من يُرجِّي خُلُودهُ أبدا
ينفدُ ما نحن فيه عن كثب في إثرِ من قد مضَى وَمَنْ نفِدَا
حدَّثتُ عن آكِلِ المِرارِ أبيْ عمروٍ وعمروٌ مَضَى وما خَلَدا
بأنَّهُ قد رأى ثمانيةً قد مَلَكُوا الأرضَ كُلَّها عَددَا
وشاهدين الخليلَ يتلو على جدّهم وَحيًا مُنزَّلًا وهُدى
وقد رأى من رأى زُهيرًا ومَنْ أخبره أنه رأى أُدَدَا
والمرء همدان إنْ سَمِعتَ بهِ شَاهَدَهُ وهو يحملُ اللِّبَدا
فهلْ ترى من أُولاك كلهم فِيمَن عليها مُخلَدًا أحَدا
إنْ كلَّ سمعِيْ ورابِنْي بصريْ فكُلُّ شيءٍ إلى انقضاءِ مدى
فقد ملكتُ الخليطَ مِنْ مضرٍ ومن تميمٍ والحيَّ من بعدِهَا أسدا
وعامرًا لم أدع لهُمْ لِبدًا يقيهمُ سَطوتِيْ ولا سَنَدا
وأيُّمَا معشرٍ سَمِعتُ بِهِمْ لمّا نَدُسْ عُنوةً لهُمْ بلدا
إن قتلونِيْ ففِي امرئِ القيسِ أنْ يجتاحَ بالخيلِ والرِّجالِ غدا
يَتركُهَا حيثُ لا تُنبِتُ ولا تُصبِحُ إلاَّ طرائِقًا قددا
ويقال: إن حجر بن عمرو المفضور ما لبث إلا قليلًا بعد ذلك حتى قتله بنو أسد، فكان من امرئ القيس ما كان في قتله إياهم طلبًا بثأر أبيه في ذلك، وفي ذلك قوله: " من السريع "
يا دار ماويّة بالحائِل فالخبتِ فالخبتينِ من عاقل
صُمَّ صَدَاها وعفا رسمُهَا واستعجمتْ عن منطِقِ السائلِ
قولا لدُودانَ عبيدِ العصا ما غرَّهُم بالأسدِ الباسلِ
[ ٣٨ ]
قد قرت العينان من فقعس ومن بني عمرو ومن كاهل
ومن بني بكر بن دُودان إذ نقلب أعلاهم على السافل
نطعنهم سُلكَى ومخلُوجةً لفتكَ لأمين على نابل
نتركهم صرعى لدى مَعْرك أرجُلُهم كالخشب الشائل
والخيل أسراب كرجل الدَّبى أو كقطا كاظمة الناهل
وله في ذلك أشعار كثيرة، وفيما سرَّحناه كفاية.