من أبرز أعلامهم في الجزيرة وسوريا مطلق بن محمد بن سالَمْ الجرباء، الذي تزعم من هاجر معه إلى العراق من الشمريين يصحبه أخوه فارس بعد أن قتل أخوه قرينيس بن محمد وابنه مسلط بن مطلق. قال ابن سند بأُسلَوْبه العاطفي نحو هذا البيت الشريف: هذا ومطلق من كرام العرب، عريق النجار شريف النسب، من الشجعان الفرسان، الذين لا يمتري بشجاعتهم إنسان، له مواقف يشهد له فيها السنان والقاضب، ووقائع اعترف له بالبسالة فيها العدو والصاحب، وأمَا كرمه فهو البحر حدث عنه ولا حرج، وأمَا أخلاقه فألطف من الشمول وأذكى من الخزامى من الأرج، وأمَا بيته فكعبة الَمْحتاجين وركن الَمْلتمسين، جمع البسالة والكرم في ردائه، بحيث نادت ألسنة نظرائه: إنه العلَمْ الفرد، والشمري الذي لا يوقف لكرمه على حد، ولقد والله أعجز من بعده من سراة البادية، بمكارم لا توصف إلا بأنها ظاهرة بادية:
يا بَحْرُ لاَ تَفْخَرْ بمَدِّكَ واقْصِر عَنْ أنْ تُضَارعَ حاتِمِيًّا شَمَّريْ
مَا حلَّ في كَفَّيْهِ مَقْسُوْمٌ على كلِّ الأنام غَنِيِّهمْ والَمْقْتِر
مَا ثَمَّ مَاثرةٌ سمتْ إلا روى مرفوعها عنه لسانُ الأعْصُر
فَفِنَاؤُهُ مَاوى طَرْيد خائف وحِبَاؤهُ مَغْنَى مسيف مُعْسِر
[ ٢٦ ]
وقال عن هجرته: ثم دعته الهمة العربية إلى ارتقاء الَمْناصب العلية، فسار من العراق إلى الشام، وتوجه مع أحمد الجزار إلى البيت الحرام، ثم لَمْا قضى نسكه رجع إلى العراق من مكة محاربًا بالبنان والسنان، أُلئك الَمْبتدعة لا باللسان، فبقي في بادية العراق مطاعًا أمره، مشاعًا في الأغوار والأنجاد ذكره، لا يضرب مثلٌ إلا بشجاعته وكرمه، ولا يلَوْذ طريدٌ إلا بساحة حرمه، ولا تستمَاح إلا راحتاه، ولا تُقَبَّلُ إلا يمناه، إلى أن أصابه سهم الحمَام ودرج شهيدًا إلى دار السلام. ثم نظم ابن سند هذه القصيدة في مدح مُطلق:
بَكَتْهُ الْعَوَالي والرِّقاقُ الصَّفَائِحُ لَدُنْ غابَ منه في الضريح الصَّفَائِحُ
بكى أَجَا مِمَا شَجَاهُ ومَاسَلُ وضَجَّتْ ضَجيْجًا بالنَّوَاح الصَّحَاصِحُ
لِرُزْءِ امْريٍْ صلْت جُرَازٍ صَلَنْفَح صَبُورٍ إذا اشْتَدَّتْ عليهِ الْفَوَادِحُ
صَفوحٌ سَمُوحٌ مُطْلَقُ الْكَفِّ بالنَّدَى كأَنَّ يَدَيْهِ لِلْهَباتِ الَمْفَاتِح
أشمُّ عِصامِيٌّ مِنَ النَّفَر الأُلَى فَخَارُهُم كالشَّمْسِ أَبْيَضُ واضِح
سيوفٌ، صَنَادِيْدٌ، عِظَامٌ، أمَاثِلٌ ثِمَالٌ لَمْعتَرِّ غُيُوْثٌ مَسَامِحُ
لأَ غْزَرهِمْ مدًّا وأَشَّهَرهمْ عُلىً وأَكْبَرهمْ قَدْرًا أُتِيح الطوائحُ
فَأُوْدِعَ في بطْن الثَّرى مِنْهُ بَاسِلُ عزِيْزُ لَدَيْه مَشْرَفُّي وسَابِحُ
فَمَا أَغْمَضَ الْعَيْنَيْنِ يومَا عَلَى قَذًى وَلا رامَ إلا مَاتَرُومُ الَّصفَائِحُ
فتىً كَانَ خَوَّاضًا لِكُلِّ كَتِيْبَةٍإِذَا لَمْ يَخُضْ إِلا الْهِزَبْرُ الصُّمَادِحُ
أُتْيِح لهُ سَهْمُ فَأسْكَنَهُ الَّثرَى فَهَا كُلُّ قُطْرٍ فِيْه نَاع ونَائِحُ
فكَادتْ بهِ سَلَمْى تُهَدُّ، وَأَوْحَشَتْ مَرَاتِعُ في أَكْنَافِهَا وَمَسَارحَ
أَمُطْلَقُ مَا لِلبَدْو بَعْدَك بَهْجَةٌ فهَا هُوَ مِنْ فُرْط الِكآبةِ كالِحُ
وَهَا هُوَ لاَ قَطْرٌ يُرَادُ، ولاَ خِبًا يُشَاد، ولا خَالٌ من الجُوْدِ سَافحُ
ولا شِيْدَ منْ فَوْقِ الهِضَابِ قِبَابُةُ ولا شَمَّ أرواحَ النَّدَى مِنْهُ رائِحُ
لَدُنْ متَّ قَال الْجُوْدُ: هَا أَنَا مَيِّتٌبِمَوْتِ امْريٍْ يَبْكِيْه غَادِ وَرَائِحُ
فَمَا أُسْرجَتْ لَوْلاكَ خَيْلٌ لِغَارَةٍ ولا عَشِقَ الأشْعَارَ لَوْلاكَ مَادِحُ
ولاَ تَبِعَ الأَظْعَانُ مثلَكَ سَيِّدًا نَمَتْهُ إلى الْعَلْيَا الكرامُ الْجَحَاجِحُ
ومَا سَرَّ عَيْشٌ بَعْدَ فَقْدِكَ واحِدًا تَأَثَّفٌهُ لَوْلاَ نَدَاك الْجَوائِحُ
فلا قَلْبَ إلاَّ فِيْك مُشْتَعِلُ أسى ولا طَرْفَ إِلا فِيْهِ جَار وسَافِحُ
َنَمَاك إلى الْغرُ اَلأكَارِمِ طَّيٌْ ضَحُوكُ الَمْحَيَّا هَامِرُ الْكَفِّ مَانِحُ
غَيُوْرُ علىَ الْجَارَاتِ لا َمُتَطَلِّعُ عَلَيْهَا وَلا للِّسِّر مِنْهُنَّ فَاضِحُ
فَمِنْكُمْ وَفي أَوْصَافِكُمْ يُرْتجَى النَّدَى الْنعَيِمُ ويُسْتَحْلَى الرِّثَا وَالَمْدَايحُ
إذَا مَا أَجَرْتُمْ بالسُّيُوفِ مُطَرَّدًا تَجَنَّبُهُ مِمَا تَخَافُ الْجَوَارِحُ
وأَصْبَحَ في ظلِّ مِنَ اْلأمْنِ وَارِفِ يُراعِيْهِ سَّيافُ وَرَامٍ وَرَامحُ
كَأَنكُمُ لَلَمْعْتَفُيْنَ غَمَائِمٌ تَظَلُّ وَهُنَّ الْغَادِيَاتُ الرَّوَاِئُح
فَمَا زَالَتِ الأَعْرابُ تَرْجُو لُحُوقَكُمْ وَمَا كَرِيَاح في النَّسِيمِ الَمْرَاوح
وأَيْنَ مِنَ الْهَامَاتِ في الْفَضْلِ أَرْجُلٌ؟ وَأَيْنَ مِنَ الأَدْلِى الْغُيُوْمُ الدَّوَالِحُ؟
[ ٢٧ ]
فَلَوْلاَكُمُ لَمْ يُطْرِبِ الْبَدْوُ وَالْفَلاوَلاَ طَرِبَتْ لِلْغَزْوِ كُمْتٌ قَوَارِحُ
سَقَى جَدَثَا أَصْبَحْتَ فِيْهِ مِنَ الرِّضَا سَحَابٌ مُلِثٌّ مُرْجَحِنُْ وَدَالِحُ
وَلاَ زَالَ مِنْكُمْ من يُؤَمُّ فِنَاؤُهُ وَيَغْشَاهُ في الْجُلَّى طَرِيْدٌ وَمَادِحُ
قال أبو عبد الرحمن: قتل في حياة مطلق أخوه قرينيس عام ١٢١٢ وابنه مسلط عام ١٢٠٥.