[ ٢١ ]
أ - في سنة ١٢٠٥هـ جهز شريف مكة غالب بن مساعد أخاه عبد العزيز، بجيش اشتركت فيه بعض البوادي، لَمْهاجمة الدرعية، ثم خرج غالب بجيش عظيم، لأمداد أخيه، ثم لَمْا انهزمَا بعد محاصرتهمَا لبلد الشعراء، بدأ سعود بن عبد العزيز يغير على القبائل التي تمردت، وانضمت إلى الشريف، ومن هؤلاء مُطَيْرٍ وشَمَّر، كانوا على الَمْاء الَمْعروف بِالْعُدْوَةِ لشمر، قرب حائل، ورئيسهم حصان إبليس. وقد قصدهم الإمَام سعود في هذا الَمْكان، فهزمهم، وقُتل في الَمْعركة رئيسهم مسعود " حصان إبليس " وسمرة "؟ " الَمْشهور رئيس العبيات من مُطَيْرٍ، وأبو هُليبة من مُطَيْرٍ. وكانت هذه الَوْقعة في آخر ذي الحجة من هذا العام. إلا أن هؤلاء القوم بعد انهزامهم استنفروا بقية قبائلهم، وأرسلَوْا إلى سعود يدعونه للَمْنازلة، وينذرونه بمسيرهم إليه، وكان في مكانه بالعدوة، يقسم الغنائم، فثبت لهم بعد مَا وصلَوْا إليه بزعامة مسلط بن مطلق الجرباء، الذي نذر أن يخترق " صيوان " سعودٍ بفرسه. وقد أرخى مسلط عنان فرسه ليتم نذره، فاختطفه قوم سعود بعد مَا ضربه رجل بعود يشوي به القرص، فطرحه عن جواده، ومن ثم قُتل وأنهزم اتباعه. وكانوا عندمَا قدموا عليه أقبلَوْا مقرنين إبلهم، فثبت لهم سعود وجيشه، وأوقدوا فيهم وفي إبلهم بالرصاص، فلَمْا انهزموا تركوا إبلهم مقرنة بالحبال، فغنم منهم سعود أحد عشر ألف بعير، وأكثر من ألف من الغنم، وتبع أثرهم يومين يأخذ الأموال ويقتل الرجال. وقد كان مطلق الجرباء والد مسلط، يرى التريث في مهاجمة آل سعود، بعد هزيمتهم الأولى بالعدوة، ويقال: إن هذه القصيدة لَمْسلط الجرباء قيلت في هذه الَمْناسبة:
عَدَّيتْ روس مْشَمْرخاتَ الَمْراقيبْ رِجْمٍ طويلٍ نايْفٍ مِقْلِحِزِّ
جرَّيْتَ صوتٍ مثل مَاجَرّه الذيْبْ أَوْجِسْ ضميري من ضلَوْعي يِنز
خوفي من اللِّيْ روُسهم كالْجعابِيْبْ وسيفٍ على غيرَ الَمْفاصِلَ يِجِز
لا صار مَانَاتِي سْواةَ الجلالِيبْ بْقَلاَيْعٍ بَايْمَاننا لَهْ نِخِزِّ
احسن تصبَّر واجمل الصبر بالطيبْ هذِي حياةٍ كلّ ابوها تَلَزِّيْ
والحر لا صكَّتْ عليه الَمْغاليبْ ملزوم عن دار الَمْذلة ينِزِّ
قال أبو عبد الرحمن: البيت الأخير إيذان بالجلاء من جبل شمر، ومَا كان في نية مسلط الجلاء، والأشبه أن يكون هذا الشعر لَمْطلق الجرباء وال مسلط، وهذا مَا حصل بالفعل فبعد هزيمة شمر، وقتل مسلط، رحلت شمر بزعامة مطلق الجرباء إلى العراق، فاستقرت في منطقة الجزيرة وأصبح لها نفوذ قوي هناك. وقال ابن سند بأُسلَوْبه الأدبي العاطفي: وله أيام منها العدوة لسعود بن عبد العزيز عليه، وفي ذلك اليوم قتل ابنه مسلط، وكان شجاعًا هزبرًا طاعن ذلك اليوم حتى كف كل رعيل، وقرى كل ذابل وصقيل، كيف ومطلق أبوه ذلك الباسل، ومحمد جده الذي تحامَاه القنابل، وأمَا مطلق فإنه في ذلك اليوم هزم الكتائب، وأروى من دم الفرسان كل سنان وقاضب:
قومٌ إذَا حَرَبُوا فآسادُ الشِّرَى وإذا هُمُ أَعْطَوْا فَأَبْحُرُ جُوْدِ
ياعيْن إِنْ مَاتُوا فقد مَاتَ النَّدَى فعليهم حُزْنًا بِدَمْعِكِ جُودِي
خَاضوا الَوْغَا بصوارم وشياظم قُبِّ الْبُطُوْنِ، تَؤُمُّ جَيْشَ " سُعُوْدِ "
فتفرقتْ منه الْكَمَاةُ كَأنَّهمْ نَقَدٌ نوافِرُ منْ زَئِيْر أُسُوْدِ
لاَقَاهُمُ الأَسدُ الضُبَارِمُ " مطلقٌ " فتعلقوا بشليل كلِّ قَعَوْدِ
فلَمْا ضاقت على سعود الأوهاد والنجود، خان ابن هذال فلَمْ يكن لَمْطلق مجال، فنكص على العقب وهو يطاعن ذلك الجيش اللجب.
كلَمْا كَرَّ على فُرْسَانِهِ هربوا منه كَشَاةٍ مِنْ أَسَدْ
مَا رَأَوْا صَيْلَمْةً إلا رَأَوْا هَرَبًا مِنْهُ وَإنْ كانَ أَسَدْ
[ ٢٢ ]
فمَا زلَوْا معه على كر وفر، ومضاربة بكل صارم ذكر، حتى سئموا من الَمْضاربة، فرجعوا بصفقة خائبة، ونجا هو وبنو عمه، وباء الخائن بخزيه وإثمه، فأناخ رجاله في بادية العراق، إلى أن اخضر عيشه وراق. ووجدت في كراسات الشيخ منديل هذه الأبيات لزوجة مطلق ترثى مسلطًا وأباه:
ونَّيتْ وَنَّة من شَلَع ضِرْسِه الْقَازْ اللِّي صبر لَلْجزْ يَجْذبْ مِنْينِهْ
عليكْ يا حَامِي الَمْظَاهِير، طهْمَازْ لَجَّتْ فَرَاقِيْنَ الْعَرَبْ فَاقْدِيْنِهْ
جانا عقابٍ فَرَّقَ الْحُرّ والْبازْ وَغَدا بْصَيَّادَ الْحَبَارِي حَثِيْنهْ
الدمع من عيني يِجِيْ فَرْد واجْوَازْ والشَّيْب لاح بْقِذْلِتي قَبْل حِيْنِهْ
وقال صاحب " لَمْع شهاب ": ثم إن عرب الشريف الذين كانوا ملتجئين به من بداة نجد تفرقوا عنه راجعين إلى أطراف نجد، فقحطان احتاروا إلى تثليث، وعتيبة إِلى بَرِّيَّةِ مّكَّة كَرُكْبَةَ ومَا يليها، وأمَا مُطَيْر فاحتازوا إِلى أَرض شَمَّر، واتفقوا مع مُطلق الجرباء، وبادية شَمر جميعها التي في الجبل، وصار بينهم أَهل القرى التي في الجبل حرب، فأَرسل أَهلُ الجبل إِلى عبد العزيز بن سعود أَنَّ هذا مُطلق الجرباء نكث، والتجأَتْ مُطَيرْ إِليه فهذا اليوم نحاربه، وكان إِذًا شيخ مطير حسين بن وطبان رجل شجاع، فلَمْا سمع عبد العزيز بهذا الخبر بعث ولده سعود بجيش إِليهم، وعه بعض من عَنَزَةً، وكانوا أضددًا لَمْطَيْر، وعه أَيضًا بَدْو العارض: سُبيْع والعجمَان، وهذه الَمْسيرة أول معاضدته لآل سعود، وشهور شأْنه في جزيرة العرب، ثم صار له صيت كبير، وهذا الجيش يبلغ خمسة آلاف رجل " بواردي " وثمَان مئة فارس، فصبَّحَ عربًا يقال لهم البراعِصَة من مُطَيْرٍ، وزعيمهم اسمه سعود؟ يكنى بحصان الشيطان، أَو بحصان إِبليس، وهو الذي كَنَّى نفسه بهذه الكنية، وهو شجاع معدود، ومعه مئتا فارس من رفقته، فحاربوا سعودًا وقد قتل من فرسانه نفر وقد قتل حصان إِبليس وأَولاده، وأَولاد أَخيه، وأُخِذَت بيوته وأغنامهم، وكانت إِبلهم غائبة في الفلاة. وبعد هذا اشتدَّ الأَمُر على مطلق الجرباء، وحسين الدويش، وضاقت بهم الدنيا وكانا على مَاء يسمى " يا طب " عن حائل ثمَان ساعات، فأَقبلا صائلين على سعود، وعسكروا يريدون منا جزة الحرب معه، فوقعت الحروب بينهم وبين سعود، فَساقَ أولا في وجوههم حتى دفع جموعهم بها، ثم أعقبهم بالخيل والرجال، فقتل ولد مُطلق الجرباء اسمه سلطان، وانهزمت تلك البوادي، وعددهم كثير، فأَخذ أَموالهم وقتل من قتل وأُسر من أُسر، وجملة أمولهم لا تحْصَى عدا، فجلا مُطلق الجرباء إلى العراق من ذلك اليوم.
ب - في رمضان من سنة ١٢١٢هـ نازل الإمَام سعود بن عبد العزيز عربانًا كثيرة من عدة قبائل بزعامة مُطلق بن محمد الجرباء في وادي اْلأُبيِّضِ قُرْب السمَاوة بالعراق ومَا كان أَحد يقف أَمَام كَراتِ مُطلق ذكر ذلك ابن بشر وابن سند وقتل قُرَيْنِيْس أَخو مُطلق. وقال ابن سند - كمَا نقلت من أَوراق الشيخ حمد الجاسر غزا سعود بن عبد العزيز بن محمد سعود في سنة ١٢١٢ أَطراف بني الَمْنْتَفِق، فصبَّح القرية الَمْعروفة بأَم العباس، فقتل منها وممن حولها خلقًا كثيرًا ونهب وحرقَّ، ثم كَرَّ راجعًا وحمود في البادية، فلَمْا بلغه الخبر جَدَّ، في السير ليدركه، كمَا أَدركه، وبعدمَا كَرَّ سعود راجعًا ووصل إلى أَطراف نجد، عطف وأغار في سنته تلك على بادية العراق، وكان مُطلق بن محمد الجرباء نازلًا في بادية العراق، فلَمْا صَبَّحهم سعود فَرَّ من فَرَّ منهم وثبت من ثبت، وقاتل جيش سعود مُطاق الجرباء، فكَرَّ الفرسان مرة بعد مرة، فكلَمْا كَرَّ على كتيبة هزمها، فحاد عن مطاعنته الشجعان، فكان من الله تعالى الذي لا يُرَدُّ أَنه كَرَّ عليهم في بعض كراته فعثرت فرسه في شاة، فسقط من ظهر فرسه فقتل، رحمه الله تعالى - وكان قتله عند سعود من أَعظم الفتوح إِلا أَنه وَدَّ أَسره دون قتله.
[ ٢٣ ]
ج - في سنة ١٢٣١هـ كانت الَوْقعة بين باشا العراق وبين عدة قبائل بزعامة بُنَيَّةَ بن قرَيْنِيْس بن محمد الجرباء، ومعه فارس بن محمد، وكان الباشا قد أَجلاهم عن العراق. فَهُزِمَتْ هذه القبائل بعد قتل زعيمها بُنَيَّةَ في حادثة ممَاثلة لحادثة قتل عمه مُطلق بن محمد، وذلك أَنه لحقه فارسان فأَحسَّ بهمَا أَوْ أَنهمَا دعواه للَمْبارزة، فجذب عنان جواده جَذبةَ منكرةً ليَحرِفهَا عليهمَا، فوقعت الفرس على رأُسها ويديها، وسقطت على ظهرها، فصار تحت السرج والفرس فوقه فأُدركَ وقتل ولَعلَ سبب هذا مَا حدث سنة ١٢٢٨هـ وهو أَن أَسعد بن سليمَان باشا خاف من عبد الله باشا صاحب بغداد وهرب إلى الَمْنتفق، فلَمْا أَبى حُمُوْدُ بن ثامرٍ زعيم الَمْنتفق وبعد القتال، انحازت شَمَّرُ للَمْنُتفق، وخانت عبد الله باشا، فانهزمت العساكر العراقية. قال أبو عبد الرحمن: والعامَّةُ في نجْد تنطق الجرباء هكذا " الجربا " بدون همزة، وذلك لثقل حرف الهمزة على نطق العامة قال ابن سَنَد: وفي السنة الحادية والثلاثين بعد الَمْئتين والأَلف من الهجرة، له (عدد مَا أحاط به العلَمْ، وتَعَلَّقَت به مِن الَمْمكنات القدرة، قُتلِ بُنَيَّةَ بن قُرَينيْيس الجرباء، وأُتِيَ بِرَاْسِهِ إِلى الَوْزير سعيد. واعلَمْ أَن بُنَيَّةَ عَبَر من الجزيرة لغربي الفرات، عندمَا ولَّى وزارة بغداد سعيد باشا، لَمْا بين عمه فارس وآل عُبَيْدِ من الضغائن، لاسيمَا أَميرهم قاسم بن محمد بن عبد الله بن شاوي الْعبَيدِي، وقد كان سعيد باشا وَلَّى زمَام أَكثر أُمُورِهِ له، فلَمْا بين فارس والَمْذكور لَمْ يستقر في الجزيرة فنزل بعشيرته على خُزَاعة، في تلك السنة، ليكتال، وكان بين الدُّرَيعي الْعَنزيِ الرُّوَيلي - بضم الراء وفتح الَوْاو ولام بعدها ياء النسب - اقتفى أَثره ونزل قريبًا منه، وأَرسل إِلى حمود بن ثامر، استنفر، فنفر بفرسان عشيرته لَمْساعدة الدُّرَيْعي، لَمْا بينهمَا من الائتلاف، وكذلك خرج عسكر الَوْزير سعيد، كبيرهم قاسم ابن شاوي، ومعه عُقيل - بضم العين وفتح القاف وسكون الَمْثناة التحتية - وهم عسكر للَوْزير، فقامت الحربُ على ساق وذاذ الفرسانُ، فَقَدَّر الله عليه في بعض كَرَّاتِهِ أَنْ أصابته بندقُ فَخَرَّ من صهوَة فرسه - ﵀ وإيانا - وقد سمعته ينتسب إلى طيء القبيلة الَمْعروفة الَمْنسوب إليها حَاتِمُ بن عبد الله بن سعد الطائي وابنه عدي بن حاتم الطائي الصحابيُّ الجليل وهذا نص أَدبي، بأُسلَوْب عاطفي انتسخته من أَوراق شيخي حمد الجاسرنقلا عن " مطالع السعود بطيب أَخبار الَوْالي داود " لعثمَان بن سند. قال ابن سند: " د " وفي سنة ١٢٣٧هـ وقد كان أَرسل والي كَرْمَانَ مقدار أَلف من عسكره للَمْيرة من تلك الأَوطان، فلقيهم صُفُوقُ الجرباء، وقراهم طعنًا وضربًا، وسقاهم بدل العْذَابِ عَذَابأ، وجَرَّعَهم بالسيوف مُرًّا وصابًا، فقتل منهم الكثير، والباقي بين منهزم وأَسير. ثم قال بعد كلام طويل يتعلق بداود باشا: أَخبرني ثقاتُ عدَّة أَنَّ صفوقَ بن فارسٍ الجرباء غزا ابن الشاه، وعبر دِيَالةَ، بفوارس من عشيرته، إلى أَن كان من عسكر ابن الشاه بمرآة، فركب فرسان العسكر لَمْا رأَوه وكَرَّوا عليه، فاستطردهم حتى عبروا دِيالَةَ، وبعدوا عنها، فعطف هو ومن عشيرته ومن الروم عليهم، فأَدبرتِ فرسان العجم، وقفاهم فوارس شَمر، وقتلَوْا منهم من أَدركوا، وأَتوا بخيلهم وسَلَبِهِمْ - ولله الحمد والَمْنة -.وأخبرني غير واحد أَن هذه غير الأُولى التي ذكرها الَمْؤرخ التركي