[ ٩ ]
من الَمْتفق عليه بين النسابين أن آل الجرباء من عَبْدَةَ من شَمَّر. ومنهم قسم دخلَوْا في سنجارة من شمر، ولا يزالَوْن ألان في سوريا بزعامة ميزر الجرباء شيخ الفداغة، ودهام الجرباء شيخ الخرصة. وشمر بطن من ثعل بن عمرو من طيء كمَا قال ابن الكلبي. وهي اليوم من كبريات القبائل العربية. ولَمْا تكلَمْ ابن لَعْبُون عن شمر أَبي القبيلة قال: وقد غلبت هذه النسبة شمر على أَهل جبل طيء من البادية وبعض الحاضرة والظاهر أَنهم كلهم ليسوا من نسله، ولا يبعد أَن ينسب إِليه غير من يجتمع معه في عمود نسبه من سائر طيء وكذلك من خالطهم أَو نازلهم من جار أَو حليف قد ينسب إليهم، مع تطاول الأَزمَان قال أَبو عبد الرحمن: إِذنْ عَبْدَةَ من أَكبر قبائل شمر الطائية حلفًا، وهي من قبيلة جنب الَمْذحجية نسبًا. فهم أَبناء عم عبيدة من قحطان. قال شاعر من عبيدة من قحطان:
إِنْ سَلْتَ عَنَّا يَالسُّوَيْطِي قَحَاطِيْن عَوَاصْمٍ واللِّي حذَانَا لفَايِقْ
حنَّا وعَبْدَةَ والضَّياَغمْ بجَدَّيْن لطَّامْة يومْ اللّقا كُلِّ مَايقْ
[ ١٠ ]
فأَمَا عن عموم طيء فقد ذكر النسابون أَن قبيلة طيء خرجت من اليمن على إِثر خروج الأَزد منه، ونزلَوْا سَمِيراء وفَيْدَ، في جوار بني أَسد، ثم غلبوا بني أَسد على أَجاءٍ وسَلَمْى فعرفا فيمَا بعد بجبلى طيء. وذكر ابن سعيد أصحاب الرياسة في العرب في عصره بالعراق والشام. ورئاستهم في بني ربيعة بن حارم، من أحفاد فطرة بن طي، فقد ورثوا أرض غسان والشام، ومن أشهر أُسرهم آل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة، أثنى عليهم ابن فضل الله العمري كثيرًا وكان شيخنا حمد الجاسر أَلفَ عن آل فضل كتابًا في صغره، وحدثني مشافهة أًن عقب آل فضل باقون حتى الآن بالأُردن. وشَمَّرُ بطن من طيء، ولكنها في العصور الَمْتأخرة أَصبحت مجمع البطون الطائية مع أَخلاط أُخرى دخلت فيها بالحلف وقد نسب ابنُ دَخِيْلٍ آل علي وآل رشيد إِلى آل فضل، ولاسند له إلا أَنهم حلَوْا محلهم في الَمْكان والإمَارة، أَمَا كتب الأَنساب فدلت على أَنهم من مذحج. فإن صح أن عَبْدَةَ من شمر - كمَا نقل عن ابن قدامة - فلا ريب أن زعمَاءهم آل ضيغم من جنب من مذحج، وقد دخلَوْا في عَبْدَةَ. وآل ضيغم إلى آخر القرن السابع الهجري، لا يزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج. ويظهر - استئناسًا بالأسمَاء - أن آل علي وآل رشيد من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي، الذي ذكره ابن رسول في كتابه " طرفة الأصحاب ". ولعل بين جدهم الأدنى عرار بن شهوان وشهوان بن منصور جدًا اسمه فارس بن طعان استئناسًا بنص ظن آل فارس كمَا سيأتي بيانه. وإنمَا نسبتهم إلى فارس بن طعان لأن آل خليل هم أبناء خليل بن جاسر بن علي بن عطية من آل حعفر، وقد ذكر الشريس أن آل فارس وآل خليل بطن واحد، وابن فارس محمد كان حيًا عام ١١٠٩هـ. ثم ذكر أن آل صادق من ذرية عبد الله بن محمد بن علي من آل فارس، فإذا كان آل صادق أبناء عم آل علي وكانوا من آل فارس بن طعان فآل علي من ذرية فارس. وكلهم من آل جعفر، وقد ذكر ابن بسام أن آل جعفر من الضياغم. ولهذا كله رجحت أن لآل علي وآل رشيد جدًا اسمه فارس ابن طعان إمَا من أحفاد عرار بن شهوان، وإمَا بين عرار بن شهوان، وشهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال، فإقحام فارس بن طعان في نسب آل رشيد استنتاج يظل مجرد احتمَال. وفي نص ابن رسول أن لَمْنيف بن ضيغم بن منيف بن جابر ولدًا اسمه راشد وله حفيد اسمه عُمير بن أحمد بن راشد. وفي الكتاب الَمْجهول الَمْؤلف الذي نقل عنه الشيخ حمد الجاسر أخبار الخيل الدُّهْم الشهوانيات في مخطوطته عن الخيل أن شهوانًا أبا عرار أخو راشد عم عمير. فيحتمل أن يكون عرار حفيدًا لَمْنيف بن ضيغم. ويحتمل أن يكون من ذرية شهوان بن منصور بن ضيغم. وعلى أي حال، فتوارث اسم شهوان وعُمير وراشد يؤكد أن عرار بن شهوان وعمير بن راشد من أحفاد منيف بن ضيغم. وقال ابن مغيرة عن الجربان وعن عموم نسب عَبْدَةَ: وآل السيح بطن من شمر، وهم بطون وأفخاذ، منهم الجربان البطن الثالث من شمر عَبْدَةَ: وهم بنو ضيغم ابن معاوية بن الحارث بن منبه بن يزيد بن حرب بن عُلَةَ ابن جلد بن مذحج أخو طيء. وكان معاوية بن الحارث من جنب والَمْلك في بيت جنب، وهو الذي استجار به مهلهل أخو كليب، وتزوج ابنة مهلهل واسمها عبيدة، وإليها تنسب قبائل من جنب، فولدت له أبا القبيلة ضيغمَا. ومن بني ضيغم عَبْدَةَ هؤلاء وكانت لهم الرئاسة على قبائل شمر من طيء بن علي "؟ ". وكانت رئاسة جبل طيء قديمَا لجديلة بطن من طيء ثم صارت في بني نبهان ثم صارت في الجربان. ثم صارت في عَبْدَةَ في آل جعفر. قال أبو عبد الرحمن في كلام ابن مغيرة: هذا تصحيف وتداخل، وسأضم إليه نصًا لابن رسول لعله يزيل شيئًا من غموض ابن مغيرة. قال شيخنا حمد الجاسر: جاء في كتاب " طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب " للسلطان عمر بن يوسف ابن رسول الَمْتوفى سنة ٦٩٤: نسب آل منيف وهم آل ضيغم وآل رشيد من جنب، وهم الَمْعرفون بالَمْعضة. وهو منيف بن ضيغم بن منيف بن جابر بن علي بن عبد الرب بن ربيع بن سليمَان بن عبد الرحمن بن روح بن مدرك بن عبد الحميد بن مدرك. ويقال: إنهم من بَكيل، إلا أنهم حالفوا عنس من مذحج فسموا جَنْبًا وقيل: إنهم من نزار من عَنْزِ بن وايل بن قاسط ابن هنب بن أفصا بن دُعْمِيِّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان. دخلَوْا في
[ ١١ ]
نسبسب جنبٍ، لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي، من تغلب بن وائل أخي عنز بن وائل، تزوجها روح بن مدرك من بعد معاوية بن عمرو ابن معاوية بن الحارث الجنبي. وإخوتهم من أُمهم آل عايذ، وآل رشيد، وبنو قيس، وآل سفر، وآل الصلت، وأصحابهم، يسمون الأبطن، من ولد هذا معاوية الجنبي فنسبوا إليهم. فآل ضيغم بن منيف وأولاده ثمَانية: منيف وشكر وعيسى وعلي ومنصور وشيبان وعامر وحارث. قال أبو عبد الرحمن: من نص ابن رسول ونص ابن مغيرة يتضح التالي: جنبٍ، لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة التغلبي، من تغلب بن وائل أخي عنز بن وائل، تزوجها روح بن مدرك من بعد معاوية بن عمرو ابن معاوية بن الحارث الجنبي. وإخوتهم من أُمهم آل عايذ، وآل رشيد، وبنو قيس، وآل سفر، وآل الصلت، وأصحابهم، يسمون الأبطن، من ولد هذا معاوية الجنبي فنسبوا إليهم. فآل ضيغم بن منيف وأولاده ثمَانية: منيف وشكر وعيسى وعلي ومنصور وشيبان وعامر وحارث. قال أبو عبد الرحمن: من نص ابن رسول ونص ابن مغيرة يتضح التالي: ١ - أن عَبْدَةَ لا تنتسب إلى شمر بالرجوع إلى الجد شمر، وإنمَا يجتمعون مع شمر في أدد بن زيد، والد طيء الذي من ذريته بنو شمر، ومَالك الذي من ذريته عَبْدَةَ. وبين أهل النسب خلاف هل " مذحج " لقب لَمْالك بن أدد أم هو اسم لأُم طيء ومَالك.
٢ - أن قبائل عَبْدَةَ من ذرية ضيغم بن معاوية بن الحارث وأُم ضيغم عبيدة بنت مهلهل. إلا أن أبا حزم جعل زوج عبيدة من أحفاد معاوية بن الحارث فقال: ومن بني يزيد بن حرب بن علة ابن جلد بن مَالك " مذحج ": معاوية بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن منبه بن يزيد بن حرب بن علي الذي تزوج بنت مهلهل بن رييعة التغلبي بنجران ومهرها أدمَا فقال في ذلك أبوها
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا اْلأَرَاقِمَ، في جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطِبُهَا ضُرِّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
[ ١٢ ]
٣ - سبب دخول عَبْدَةَ في جنب أنهم من ذرية ضيغم بن معاوية بن الحارث وحده منبه بن يزيد بن حرب أحد الأخوة الذين شملتهم التسمية بجنب. قال ابن حزم: ولد يزيد بن حرب بن عُلَةَ بن جَلْدِ ابن مَالك " مذحج ": منبه والحارث، والغلي، وسنحان، وهفان، وشِمران، تحالف هؤلاء الستة على ولد أخيهم صُدَاء ابن يزيد، فسموا جَنْبًا، مع بني عمهم بني سعد العشيرة بن مَالك بن عُلَةَ بن جلد بن مَالك، وهو مذحج. ونقل العزاوي عن كتاب " مجمع الأنساب " أن عَبْدَةَ من شمر. قال أبو عبد الرحمن: ونص ابن مغيرة يوافق نص السلطان عمر بن يوسف بن رسول. وقد جاء في هذا النص أن آل ضيغم كانوا إلى آخر القرن السابع - وهو عصر ابن رسول - لا يزالَوْن في الجنوب في بلاد مذحج، ونسبهم إلى جنب، وذكر وجهًا آخر في نسبتهم إلى عنز بن وائل من نزار، وأنهم دخلَوْا في جنبٍ لأن أُمهم عبيدة بنت مهلهل تزوجها روح بن مدرك. ولا ريب أن الَمْعروف الآن بين عَبْدَةَ انتسابهم إلى ضيغم، وعلى ذلك شواهد من الشعر العامي. وقد أفادني شيخي علامة الجزيرة حمد الجاسر - حفظه الله - أن شارل هوبر نقل عن عبيد بن علي بن رشيد خبر انتقال أجداده من الجنوب إلى الجبلين بمَا يشبه قصة انتقال طيء من وادي طَرِيْبٍ في الجنوب إلى الجبلين. فهذا يعني تسليم آل رشيد بأنهم آل ضيغم. وقد نقلت الليدي آن بلنت عن محمد بن رشيد أن شمرًا الذين في الجزيرة وشمرًا أتباعه يعدون أنفسهم أقرباء قرابة رحم وقال: إن دمَاء خيولنا واحدة. قال أبو عبد الرحمن: وثمة رأي طريف ينسب الجربان إلى آل فضل وهو مَا جاء في كتاب " كنز الأنساب " نقلا عن مجلة " لغة العرب " البغدادية بعنوان بنو تغلب العدنانية. ثم إنني سألت بعد ذلك أحد الشيوخ الكبار وهو الشيخ مجول الجرباء، رئيس عشاير شمر عن تغلب وهل لها بقية موجودة في الديار الشمَالية فلَمْ يذكر لي من ذلك شيئًا، بل تعذر عليه تعيين البطن معتذرًا عن ذلك بتغير الأسمَاء عليه، ولَمْ ينف بالَمْرة وجود بقية منهم، فلَمْا ذكرت له الفضول طابت نفسه، وارتاح لهذا الاسم كثيرًا، وكأنه كان نائمَا فاستيقظ ثم قال: إنه قريب من الصواب، ثم فكر هنيهة وقال: بل هو الصواب عينه، وعد لي منهم مطلق وبُنَيَّةَ الجرباء، رؤساء شمر أي الجد الأول الَمْؤسس لإمَارة شمر في جبل طيء، وكان ذلك في حين نبوغ أول رجالها الَمْشهورين بهذا الاسم. وذكر بعد ذلك أشياء تدل على صدق قوله، ثم قال: الفضول اندمجوا في القبائل، وتشتتوا في البلاد، وأورد أدلة عديدة على تأييد كلامه هذا. وقال أبو عبد الرحمن: هذه إفادة انتسختها من أوراق شيخي حمد الجاسر ثم راجعت مجلة " لغة العرب " فوجدت كاتب هذا البحث الأستاذ سليمَان الدخيل - ﵀ -. يذكر أن سالَمْا الجرباء جد مطلق وبُنَيَّةَ الجرباء. قال أبو عبد الرحمن: ويا ليت الدخيل أورد هذه الأدلة العديدة؟! وعلى أي حال فهذا العاصي أحد مشايخ آل الجرباء يلَمْح إلى أصل رحلتهم بهذا البيت من إحدى أُحْدِيَّاتِه على الخيل:
ترْ لاَبِتِكْ غَوْشَ الْيِمَنْ مَا هُم مجمَّعْ مِنْ بَلَدْ