[ ١ / ٤٩ ]
الفصل الأول: عصره وبيئته عاش الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي من بداية القرن السابع الهجري حتى بداية القرن الثامن الهجري، وامتد عمره فوق التسعين عاما (٦١٣ - ٧٠٥ هـ) وكانت نشأته حينئذ بالديار المصرية.
وشهد القرن السابع تحولات جذرية في الحياة السياسية، فكانت الدولة الإسلامية آنذاك تحت سلطان خلفاء بني العباس في بغداد، ولكنها سلطة ضعيفة اقتصرت على الاسم بمظهرها الديني، فبلاد المشرق كانت دويلات كثيرة انشغل عدد من حكامها بالحروب والمنازعات والتوسع، كل على حساب الآخر، في حين كانت بلاد الجزيرة ومصر ومعظم بلاد الشام تحت سلطان خلفاء صلاح الدين الأيوبي، وانقسمت الدولة بعد وفاة الملك العادل أخي صلاح الدين سنة ٦١٥ هـ، بين أولاده فانشغلوا كذلك بالحروب والمنازعات فيما بينهم.
وعاصر الحافظ الدمياطي كذلك عددا من سلاطين المماليك الذين حكموا مصر على وجه الخصوص؛ وحكموا الشام والحجاز أيضا (^١)، وآخر من عاصرهم الدمياطي السلطان الناصر محمد بن قلاوون (٦٩٨ - ٧٠٨ هـ).
ولم يدرك هؤلاء الخلفاء والسلاطين والأمراء الخطر الداهم والقادم عليهم من الخارج والمتمثل في الغزو المغولي للبلاد الإسلامية وبلاد العراق وما جاورها، في حين كان الغزو والتهديد الصليبي لبلاد الشام ومصر مازال قائما.
ولم تكن الأحوال الخارجية هي المؤثر الوحيد في أوضاع الدولة الإسلامية بل كان النزاع المذهبي والخلاف الديني على أشده بين الفرق الإسلامية التي كانت تتطاحن فيما بينها داخل حواضر الإسلام، وجر ذلك على البلاد الخراب والدمار وأوقع بها كثيرا من الويلات والمصائب.
_________________
(١) البدر الزركشي مؤرخا، لمحمد كمال عز الدين (ص ١٥ - ١٦).
[ ١ / ٥١ ]
وتدهورت كذلك الحالة الاقتصادية للبلاد الإسلامية، وأضحت التجارة الخارجية بأيد غريبة فضعف الإنتاج مما أدى إلى الغلاء، وكانت الزراعة في تأخر مستمر لعدم المتابعة وأصبحت نصف أراضي العراق الزراعية على وجه الخصوص خرابا، وتزايدت المصادرات لجمع الأموال فأرهق الناس بدفع الضرائب، في حين كانت بعض قصور الخلفاء والسلاطين والأمراء تعيش في بذخ مفرط، وقلّت الأمطار والمؤن وكثرت المجاعات والنكبات الطبيعية (كالزلازل-والفيضانات-والطاعون -وانتشر الجراد)، ومات كثير من الناس بسبب الفوضى العامة من ذلك (^١).
وكان لسوء الحالة السياسية واضطرابها أثر في الأحوال والجوانب الأخرى من الحياة أيضا فكانت الأحوال الاجتماعية في اضطراب دائم، لبعد كثير من الناس عن دينهم القويم، وبسبب الخوف والذعر الذي أصاب نفوس الناس وكان سمة ذلك العصر، بحيث أصبح لا أحد يطمئن على نفسه وماله، وكانت فظائع المغول والصليبيين تبرر مثل ذلك (^٢).
وأدت هذه الفوضى العامة إلى مزيد من التفريق بين المسلمين وعدم إقامة أحلاف ضد المغول أو الإفرنج الصليبيين لصدهم مما أدى إلى سقوط مدن الدولة الإسلامية في أيدي المغول واحدة تلو الأخرى، حتى وصلوا إلى قلب الدولة في العراق فدخلوا بغداد وفتكوا بأهلها وذبحوا خليفة المسلمين (^٣)، ثم تعمقوا داخل بلاد الإسلام حتى وصلوا إلى دمشق، وتوالت النكبات على المسلمين من كل صوب، ولم يقف الأمر عند ذلك فكان للصليبيين من قبل دور آخر في عموم هذه الفوضى، فكانوا من الجانب الآخر يعيثون في ديار الإسلام فسادا وذلك بحملاتهم المتكررة التي ملكوا بها أكثر ساحل الشام. فمن المدن التي دخلوها: بيت المقدس (سنة ٤٩٢ هـ) ودخلوها عنوة ووضعوا السيف في المسلمين وهدموا أركان المسجد وفعلوا به المنكرات ..،
_________________
(١) مقدمة البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، لأحمد بو ملحم (ج ١ ص ٤٥).
(٢) المصدر السابق (ج ١ ص ٥٠).
(٣) الخلافة العباسية في مصر عصر المماليك، لعبد العزيز الغامدي (ص ١٦٨).
[ ١ / ٥٢ ]
ودخلوا كذلك: عكّة (سنة ٤٩٧ هـ، ثم سنة ٥٨٧ هـ) وصيداء (سنة ٥٠٤ هـ) وصور (سنة ٥١٨ هـ)، ومع ما قام به القائد صلاح الدين الأيوبي (سنة ٥٨٢ - ٥٨٣ هـ) من تخليص هذه المدن من هؤلاء الصليبيين وإعادة هيبة المسلمين في نفوس أعدائهم إلا أن خلفاءه من بعده بددوا كل ذلك بخلافاتهم التوسعية، مما أدى إلى عودة الصليبيين مرات أخرى وبصورة أشد وأشرس لغزو بلاد الإسلام، ومن ذلك دخولهم دمياط عدة مرات (سنة ٦١٥ هـ، ثم سنة ٦٤٧ هـ) وتملكوها بعد جوع وبلاء أصاب أهلها، وقد اتجهت جهود سلاطين المماليك نحو القضاء على بقايا الإمارات الصليبية بالشام ومصر، وكان لهم دور بارز في ذلك.
أما بالنسبة للحالة العلمية في عصر علمنا الدمياطي فكان لها صورة أخرى مختلفة، حيث كانت في نشاط ظاهر لأسباب عديدة منها:
تنافس الخلفاء والسلاطين والأمراء في رعاية العلم والأدب، وإنشاء دور العلم التي توافق توجه كل منهم ..، فاستفاد العلماء والمتعلمون من هذه المدارس فائدة عظمى، فتدرج كثير من هؤلاء المتعلمين بعد ذلك في مناصب القضاة والمفتين والخطباء والشيوخ والأئمة ..، ومناصب الوزارة والنيابة وغيرها من مراكز السلطة (^١).
وتحولت أيضا مراكز العلم إلى البلاد المصرية على وجه الخصوص وحاولت القاهرة أن تقوم بدور بغداد العلمي، وذلك بعد ما قام به المغول من نكبة لبلاد العراق وإحراقهم دور العلم وما تحتويه من تراث إنساني وحضاري.
وكذلك كان إحياء الخلافة الإسلامية بالديار المصرية آنذاك سبب آخر في جذب كثير من العلماء إلى هذه الحاضرة والحاضنة الجديدة للخلافة الإسلامية.
ولم يكن ذلك فقط في البلاد المصرية بل امتد أيضا إلى مدن بلاد الشام وبلاد المغرب أيضا، فقامت حركة فكرية زاهرة ارتقت فيها العلوم والفنون الإسلامية،
_________________
(١) مقدمة البداية والنهاية (ج ١ ص ٦٧).
[ ١ / ٥٣ ]
وظهرت مؤلفات متخصصة في بعض فروع العلم أو شارحة له ومعلقة عليه وأخرى مختصة بالعلم عرفت باسم «الموسوعات»، المعتمدة على الجمع التأليفي الذي توجهه الفكرة والمنهج (^١)، وكثر إنتاج علماء هذين القرنين ..، فنجد أن لكل واحد من هؤلاء العلماء والأئمة العديد من المصنفات التي بلغت العشرات أو أكثر ..، وامتاز بعضها بالأصالة والإبداع والمناهج العلمية المتميزة (^٢)، وسعوا من خلالها إلى إيقاظ الناس وإعادة بث روح الإيمان الصادق في العلم الصحيح والاعتماد على الأصول الصحيحة للدين، وتنقيته من الشوائب والخرافات والأساطير التي واكبت ذلك العصر وما قبله، وتحفيز المجتمع الإسلامي بالرجوع إلى ما كان عليه أئمة السلف الصالح ﵃ أجمعين بقيادتهم للأمم والحضارات السائدة آنذاك.
في هذه البيئة نشأ علمنا الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي.
***
_________________
(١) البدر الزركشي مؤرخا، لمحمد كمال عز الدين (ص ٢٢).
(٢) مقدمة تهذيب الكمال، لبشار عواد (ج ١ ص ٣٧).
[ ١ / ٥٤ ]
الباب الأول