[ ١ / ١٠٩ ]
الفصل السابع: مكانته العلمية وجهوده برزت مكانة الحافظ شرف الدين الدمياطي العلمية من خلال تتبع أقوال العلماء فيه من أهل عصره ومصره وغيرهم ممن جاء بعدهم، فأثبتوا الثناء والفضل وأطلقوا الألقاب العلمية التي ترفع من قدره وتعلو بشأنه ومنزلته، وأبدأ ببعض تلاميذه:
فقال عنه الحافظ الذهبي: «شيخنا الإمام الحافظ الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين» (^١)، وقال أيضا: «العلامة الحافظ الحجة أحد الأئمة الأعلام وبقية نقاد الحديث، ومحاسنه جمة» (^٢)، وقال أيضا: «الحافظ الكبير الشهير بقية الأعلام» (^٣)، وقال كذلك: «حافظ العصر العلامة» (^٤)، وقال أيضا: «له حرمة وجلالة» (^٥)، وقال أيضا:
«سمعت أبا الحجاج المزي يقول: ما رأيت في الحديث أحفظ من الدمياطي» (^٦)، وقال أيضا: «أحفظ من رأيت أربعة: ابن دقيق العيد والدمياطي وابن تيمية والمزي، فابن دقيق العيد؛ أفقههم في الحديث، والدمياطي؛ أعرفهم بالأنساب، وابن تيمية؛ أحفظهم للمتون، والمزي؛ أعرفهم بالرجال» (^٧).
وقال عنه ابن كثير الدمشقي: «شيخنا الإمام العالم الحافظ شيخ المحدثين حامل لواء الحديث واللغة في زمانه مع كبر السن والقدر وعلو الإسناد وكثرة الرواية وجودة الدراية وحسن التأليف وانتشار التصانيف وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق، رحل وطاف وحصل وجمع فأوعى، ولكن ما منع ولا بخل، بل بذل وصنف ونشر العلم وولي المناصب بالديار المصرية وانتفع الناس به كثيرا» (^٨).
_________________
(١) طبقات الحفاظ (ج ٤ ص ١٤٧٧ - ١٤٧٨).
(٢) معجم الشيوخ (ج ١ ص ٤٢٤).
(٣) معرفة القراء الكبار (ج ٢ ص ٧٢٩).
(٤) دول الإسلام (ج ٢ ص ٢١٢).
(٥) الدرر الكامنة (ج ٢ ص ٤١٨).
(٦) تذكرة الحفاظ (ج ٤ ص ١٤٧٨).
(٧) فهرس الكتاني (ج ١ ص ١٥٤).
(٨) البداية والنهاية (ج ١٤ ص ٤٢)، هكذا عنده.
[ ١ / ١١١ ]
وقال عنه الحافظ البرزالي: «كان آخر من بقي من الحفاظ أهل الحديث أصحاب الراوية العالية والديانة الوافرة» (^١).
وقال عنه العبدري: «الشيخ الفقيه المحدث الرواية المسند المفتي الثقة الضابط شرف الدين … الدمياطي، رحل في طلب العلم …، وجمع وألف وروى حتى صار أوحد وقته ..» (^٢).
وقال القاسم التجيبي: «الشيخ الفقيه الإمام جمال الإسلام بقية الحفاظ الأعلام الجهبذ الأثير المحدث الكبير ..، وعمدة الأمصار خاتمة المسندين ..، أحد أئمة الحفاظ المشهورين بالثقة والضبط والإتقان، ذاكرا للأسانيد والمتون بصير بتعديل الرجال وتجريحهم ومواضعهم من البلدان وغيرها ..، وهو آخر المجتهدين من الرحالين في هذا الشأن إلى أقاصي البلدان، وقد سمع منه الفضلاء ورحل إليه الناس من الأمصار وقصدوه من كل جانب، وعامة المحدثين في الديار المصرية، والشامية تلاميذه وأشياخه ..» (^٣).
وقد ترجم للحافظ الدمياطي كذلك غير واحد:
فقال عنه السبكي: «كان حافظ زمانه …، وإمام أهل الحديث المجمع على جلالته الجامع بين الدراية والرواية بالسند العالي ..، وله المعرفة بالفقه» (^٤).
وقال الأسنوي: «كان إمام أهل الحديث في زمانه في جميع أنواعه الجامع بين الدراسة والرواية بالسند العالي فقيها أصوليا نحويا لغويا أديبا شاعرا قطعت إلى حضرته المراحل وسارت بتصانيفه السفن والرواحل وعدا بها الفارس والراجل» (^٥).
وقال ابن شاكر الكتبي: «الشيخ الإمام البارع الحافظ النسابة المجود الحجة
_________________
(١) طبقات فقهاء الشافعيين (ج ٢ ص ٩٥١).
(٢) رحلته (ص ١٣٢ - ١٣٣).
(٣) مستفاد الرحلة (ص ٣٧ - ٣٨).
(٤) طبقاته (ج ١٠ ص ١٠٣).
(٥) طبقات الشافعية (ج ١ ص ٢٧٠)، وأثبت عنده: الراحل، بالحاء المهملة، وأصلحته.
[ ١ / ١١٢ ]
علم المحدثين عمدة النقاد، عني بطلب الحديث رواية ودراية، وكتب العالي والنازل وصنف وحدث وأملى في حياة كبار مشايخه، حسن المذاكرة حسن العقيدة كافا عن الدخول في الكلام ..، وموسعا عليه في الرزق وله حرمة وجلالة ..» (^١).
وقال ابن حجر: «كتب الكثير وبالغ وأملى في حياة مشايخه وكتب عنه جماعة من رفاقه، وحدث عن خلائق وطال عمره وتفرد بأشياء» (^٢).
وقال بدر الدين العيني: «كان إماما في وقته صدرا في طبقته» (^٣).
وقال ابن الجزري: «الإمام الحافظ الكبير ..، سمع الكثير وانتهى إليه علم الحديث مع الدين والثقة والإتقان» (^٤).
وقال ابن تغري بردي: «الشيخ الإمام الحافظ أحد الأئمة الأعلام والحفاظ الثقات، كتب بخطه كثيرا من الكتب والأجزاء ورزق السعادة في إسناده، واشتهر بالفضائل ..» (^٥).
وقال اليافعي: «حافظ الوقت العلامة ..» (^٦).
وقال المقريزي: «الفقيه الشافعي المحدث آخر الحفاظ» (^٧).
وقال السيوطي: «الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين» (^٨).
وقال ابن العماد: «حافظ الوقت العلامة سمع الكثير ورحل إليه الطلاب ..» (^٩).
_________________
(١) فوات الوفيات (ج ٢ ص ٤١٠ - ٤١١).
(٢) الدرر الكامنة (ج ٢ ص ٤١٧ - ٤١٨).
(٣) عقد الجمان (ج ٤ ص ٣٦٩).
(٤) غاية النهاية (ج ١ ص ٤٧٢).
(٥) المنهل الصافي (ج ٧ ص ٣٦٩ - ٣٧١).
(٦) مرآة الجنان (ج ٤ ص ٢٤١).
(٧) السلوك (ج ٢ ص ٢١).
(٨) حسن المحاضرة (ج ١ ص ٣٥٧).
(٩) الشذرات (ج ٦ ص ١٢).
[ ١ / ١١٣ ]
وقال الكتاني: «الإمام العلامة الفقيه النسابة الحافظ الحجة شيخ المحدثين» (^١).
وقال عنه أيضا: «الإمام حافظ الدنيا ونسابتها أمير المؤمنين في الحديث، ألّف وروى حتى صار أوحد وقته في ذلك» (^٢).
وقال الحافظ السخاوي في «الجوهر والدرر في ترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن حجر» (^٣): «والله ما رأيت أحفظ من صاحب الترجمة-يعني ابن حجر-، وهو ما رأى أحفظ من شيخه أبي الفضل العراقي، وهو ما رأى أحفظ من شيخه أبي الفضل العلائي، وهو ما رأى أحفظ من شيخه المزي، وهو ما رأى أحفظ من الدمياطي، وهو ما رأى أحفظ من المنذري، وهو ما رأى أحفظ من أبي الفضل المقدسي، وهو ما رأى أحفظ من الحافظ عبد الغني المقدسي، وهو ما رأى أحفظ من أبي موسى المديني؛ إلا أن يكون أبا القاسم ابن عساكر، لكن لم يسمع منه إنما رآه، وهما ما رأيا أحفظ من إسماعيل التيمي، وهو ما رأى أحفظ من الحميدي، وهو ما رأى أحفظ من الخطيب البغدادي، وهو ما رأى أحفظ من أبي نعيم الأصبهاني، وهو ما رأى أحفظ من أبي إسحاق إبراهيم بن زهير التستري، وهو ما رأى أحفظ من أبي زرعة الرازي، وهو ما رأى أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، وهو ما رأى أحفظ من وكيع، وهو ما أرى أحفظ من سفيان، وهو ما رأى أحفظ من مالك، وهو ما رأى أحفظ من الزهري، وهو ما رأى أحفظ من ابن المسيب، وهو ما رأى أحفظ من أبي هريرة ﵁. قال الشمس الخليلي في «ثبته»: فإذا اتصل سندك بابن حجر؛ اتصل سندك بهؤلاء الحفاظ الذين لم ير الآخذ عنهم أحفظ منهم، فهم من عوالي الأسانيد لجلالتهم وحفظهم» (^٤).
_________________
(١) الرسالة المستطرفة (ص ١٣٨).
(٢) فهرس الفهارس (ج ١ ص ٤٠٦).
(٣) (ج ١ ص ٤٤).
(٤) فهرس الكتاني (ج ١ ص ٣٢٣ - ٣٢٤).
[ ١ / ١١٤ ]
بعض تعقيبات العلماء على الحافظ الدمياطي في السيرة:
ومع كل ذلك فالكمال لله وحده سبحانه، فقد ذكر النعيمي: أن الأمير سنجر الدواداري سأل الحافظ الشرف الدمياطي عن وفاة البخاري؟، فما استحضر تاريخها، فسأل فتح الدين ابن سيد الناس عن ذلك فأجابه (^١).
وكذلك عقب الإمام ابن القيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) على بعض أوهام الدمياطي في «سيرته»، ويبدو أن الدمياطي يقدم رواية أهل الأخبار على ما ورد في الصحيح، ومن ذلك ما يلي:
عند ذكر زوجة النبي ﷺ ريحانة بنت زيد النضرية أو القرظية فقال: [سبيت يوم بني قريظة، فكانت صفي رسول الله ﷺ، فأعتقها وتزوجها ..] وعقب الإمام ابن القيم الجوزية فقال: [وقالت طائفة بل كانت أمته، وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها، فهي معدودة في السراري، لا في الزوجات، والقول الأول اختيار الواقدي، ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي، وقال: هو الأثبت عند أهل العلم! وفيما قاله نظر! فإن المعروف أنها من سراريه وإمائه، والله أعلم] (^٢).
ومنها: [قال عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ: وفي هذه الغزوة-يقصد الدمياطي غزوة العشيرة-كنى رسول الله ﷺ عليا أبا تراب، وليس كما قال!؛ فإن النبي ﷺ إنما كناه أبا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نكاحها بعد بدر ..] (^٣).
ومنها: قوله ﵀ في غزوة الغابة حين أغار عيينة بن حصن على لقاح النبي ﷺ بالغابة وقتل راعيها وهو رجل من عسفان، ثم قال: [قال عبد المؤمن الدمياطي: وهو ابن أبي ذر] فعقب ابن القيم فقال: [وهو غريب جدا] (^٤)، وفي نفس الغزوة أيضا قال
_________________
(١) الدارس في تاريخ المدارس (ج ١ ص ٦٨)، والإعلان بالتوبيخ (ص ٨٠)، وعلم التاريخ عند المسلمين (ص ٤٤٨).
(٢) زاد المعاد (ج ٣ ص ١١٣).
(٣) زاد المعاد (ج ٣ ص ١٦٧).
(٤) زاد المعاد (ج ٣ ص ٢٧٨).
[ ١ / ١١٥ ]
ابن القيم: [وذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الإمدادات …، حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ بذي قرد، قال عبد المؤمن بن خلف: فاستنفذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهو عشر] فعقب ابن القيم على قول الدمياطي هذا فقال:
[قلت: وهذا غلط بين، والذي في «الصحيحين»: أنهم استنقذوا اللقاح كلها ..] (^١).
وكذلك تعقب محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ) الحافظ الدمياطي فقال: «زعم الدمياطي وأبو حيان النحوي أن حليمة السعدية مرضعة النبي ﷺ لم تسلم-مردود-فقد ألف الحافظ مغلطاي البكجري جزءا حافلا سماه: «التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة»، وارتضاه علماء عصره» (^٢).
وكذلك وهمه ابن حجر العسقلاني في شرح طويل عنده وقال: «وإذا تقرر جميع ذلك ظهر أن ابن جريج لم يهم كما جزم به الدمياطي ومن تبعه، وأن من وهمه هو الواهم والله أعلم» (^٣).
وفي مخطوطة «أخبار قبائل الخزرج» للحافظ الدمياطي نقل من أهل النسب والأخبار كابن الكلبي ومصعب الزبيري وابن سعد، في تراجم بعض الصحابة من الخزرج صفة النفاق عنهم! (^٤)، من دون أن يكون له تعقيب (^٥) عن مكانة ومنزلة وفضل صحابة رسول الله ﷺ الذي توفي وهو عنهم راض، وتشديده في الوصية بالأنصار خيرا، ﵃ أجمعين.
***
_________________
(١) زاد المعاد (ج ٣ ص ٢٧٩).
(٢) شرح المواهب اللدني للقسطلاني (ج ١ ص ٤١٤).
(٣) فتح الباري، ك/التفسير، ب/ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ (ج ٨ ص ٩٣).
(٤) انظر التحقيق التراجم: (١٧ - ٩٨ - ١٠٠ - ١٠٣ - ١٠٤ - ١٢١ - ١٢٩ - ١٣٠ - ١٣٦ - ٥٤٤ - ٥٨٩ - ٦٨٤)، واتفق عدد من الأئمة والحفاظ: أن جميع الصحابة ﵃ عدول، مثل: ابن عبد البر القرطبي، والخطيب البغدادي، وابن الصلاح، والجويني-إمام الحرمين-، والنووي، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، انظر: صحابة رسول الله ..، لعيادة الكبيسي، وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني: إن من عقيدة السلف وأصحاب الحديث: تطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم أو نقصا فيهم ..، انظر: مقدمة معرفة الصحابة لأبي نعيم، تحقيق/محمد راضي عثمان.
(٥) عدا في موضع واحد (ص ٤٦٨)، وكان لفقد مقدمة هذه النسخة المخطوطة أثر في بيان نهجه وطريقته.
[ ١ / ١١٦ ]
الباب الأول