١٢ - وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال:
بوأ الله لإبراهيم مكان البيت، وهو حذو البيت المعمور الذي يدعى الصراح. فبناه إبراهيم، ومعه ابنه إسماعيل. واستعانا بأولاد جرهم بن عابر (^٢) ابن سبأ بن يقطن، فعملوا معهما. وكانت منازل جرهم بمكة وما حولها. فلما قبض الله ﷿ نبيه إسماعيل ﵇، قام بأمر البيت بعده قيدر بن إسماعيل، وأمه جرهمية. ثم نبت بن قيدر. ثم تيمن بن نبت. ثم نابت بن الهميسع بن تيمن بن نبت. فلما مات نابت، غلبت جرهم على البيت، فكانوا ولاته وقوامه ما شاء الله. وتفرق ولد إسماعيل من العرب (^٣) بتهامة، وفي البوادي والنواحي إلا من أقام حول مكة من ولد نزار، تبركا بالبيت. فلما أرسل الله جل وعز على ولد سبأ بمارب ماء، أرسل من سيل العرم (^٤) - وهو سد كان لهم بين جبلين- تفرقت الأسد، وانخزعت منها خزاعة، وهم ولد لحي بن حارثة، وأفصى بن حارثة بن عمرو (^٥)، مزيقيا، فنزلوا بظهر مكة.
فلم يزالوا يكثرون، وتقل جرهم لاستخفافهم بالبيت وفجورهم فيه، حتى غلبتهم خزاعة وألفافها على مكة، وطردوهم عنها. فدخل بعضهم في قبائل اليمن. ونزل بعضهم بين مكة ويثرب، فأصابهم الداء الذي يعرف بالعدسة، فهلكوا.
قال هشام: ومما يروى في خروج جرهم من مكة شعر عمرو (^٦) بن الحارث بن مضاض الجرهمى:
_________________
(١) زدنا العنوان للوضاحة.
(٢) خ: عامر، راجع ما مضى.
(٣) خ: الغرب.
(٤) راجع القرآن، سبأ (٣٤/ ١٦)
(٥) خ: عمرو بن مزيقيا، راجع المحبر، ص ٤٣٦، وبدائع الصنائع للكاسانى (٧/ ٤٤) لتوجيه كلمة «مزيقيا».
(٦) كذا عند ابن هشام، وعند الطبرى: «عامر بن الحارث». راجع للأشعار ابن هشام (ص ٧٣)، والطبرى (ص ١١٣٣) والسهيلي (١/ ٨١)، وبلدان ياقوت: (الحجون، مكة)، وزاد أبياتا. وقال في الثانى: «يتربع واسطا»، «إلى السر من وادي الأراكة».
[ ٨ ]
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع في واسط فجنوبه … إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا … صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت … نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
وقال أيضا (^١):
يا أيها الناس سيروا إن نظركم … أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناسا كما كنتم فأسلمنا … دهر فأنتم كما كنا تكونونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها … قبل الممات وقضوا ما تقضونا
وقال بعضهم (^٢):
واد حرام طيره ووحشه … نحن ولاته فلا نغشه
وابن مضاض قائم يمشه … يأخذ ما يهدي له يفشه
ونزلت حضر موت مكانها من ناحية اليمن.
وقال هشام بن الكلبي: تزوج مرتع بن معاوية بن ثور- وثور هو كندي، وإليه تنسب كندة- امرأة من حضر موت. واشترط أبوها عليه أن لا يتزوج سواها، وأن لا تلد إلا في دار قومها. فلم يف بشرطه. فتحاكموا إلى الأفعى بن الحصين الجرهمي- ويقال إنه الأفعى بن الحصين بن تميم بن رهم ابن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان. وكانت العرب تتحاكم إليه، وثبتوا عنده الشرط الذي كان شرط. فقال الأفعى: «الشرط أملك». وهو أول من قالها. فأخذ الحضرميون الامرأة وابنها من مرتع، واسمه مالك. فقال مرتع: أما مالك، ابني، فصدف عني. فسمى الصدف. فمن كان من ولد مالك الصدف بن
_________________
(١) راجع ابن هشام (ص ٧٤) والطبرى (ص ١١٣٣) والسهيلي (١/ ٨٣).
(٢) ذكر الطبرى (ص ١١٣٣) البيت الأول، وعزاه إلى عمرو بن الحارث الغبشانى.
[ ٩ ]
مرتع، ببلاد حضر موت، فهم ينسبون إلى كندة، ومن كان بالكوفة، فهم ينسبون إلى حضر موت. ومن الحضرميين من أهل الكوفة: وائل بن حجر من الطبقة الأولى، أوس بن ضمعج مات بولاية بشر بن مروان، أبو الزعراء عبد الله بن هاني، وائل بن مهانة، عبيس بن عقبة، كثير بن نمير، عبد الله ابن الجليل، عبد الله بن يحيى، سلمة بن كهيل، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة حين قتل زيد بن علي ﵇. وقال أبو نعيم: مات يوم عاشوراء من هذه السنة. يحيى بن سلمة بن كهيل، توفى في خلافة موسى أمير المؤمنين.
أخوه محمد بن سلمة بن كهيل. ومن أهل البصرة: يحيى بن إسحاق، عبد الله بن أبي إسحاق كان صاحب قرآن وخطب، ويكنى بالحر، يعقوب بن إسحاق الحضرمي المقرئ، أخوه أحمد بن إسحاق. ويقال إنهم موالي العلاء ابن الحضرمي، وهم من أهل البحرين. ومن أهل الشام: جبير بن نفير الحضرمي، يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم في خلافة أبي بكر ومات سنة خمس وسبعين، ويقال في سنة ثمانين، كثير بن مرة الحضرمى، أبو الزاهرية، واسمه جعفر ابن كريب، ويقال إنه حميري، مات سنة تسع وعشرين ومائة، أبو لقمان الحضرمي، مات سنة ثلاثين ومائة، حاتم بن حريث، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة.
ومن أهل مصر: عبد الله بن عقبة بن لهيعة، مات في سنة أربع وسبعين ومائة، عون بن سليمان، مات في خلافة المهدي أمير المؤمنين. وبمصر منهم جماعة.
١٥ - وقال محمد بن سعد: بالمدينة قوم من الحضرميين، ولهم دار تعرف بدار الحضرميين، في بنى جديلة. ومولاهم بشر بن سعيد، مات في سنة مائة وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وكان ينزل في دارهم بالمدينة.
١٦ - أخبرني محمد بن زياد الأعرابي الرواية، عن هشام بن محمد الكلبي (^١) قال: من قبائل حضر موت تنعة (^٢)، ولهيعة، وهم اللهائع، وأكثرهم بمصر، وضمعج
_________________
(١) خ: الحلبى.
(٢) خ: تبعة بالباء، والتصحيح عن المحبر (ص ١٨٦).
[ ١٠ ]
وهم الضماعج، وعلقمة، وهم العلاقم، والأذمور (^١)، والأربوع، والأملوك، غير الذي في حمير، وذو مران، ويقال إنهم الذين في همدان، وشعب، دخلوا في همدان فقالوا: شعب بن معدي كرب بن (^٢) حاشد بن جشم، وهم رهط عامر بن شراحيل الشعبي، وشعبان، وهم في حمير، وكان يقال لشعبان عبد كلال، فلما انشعب من قومه قيل «شعبان»، ومرحب، وجعشم، وهم الجعاشمة، وأحذر (أخمد؟) وهم الأخامدة، وسلع، وذو طحن، ووليعة، غير وليعة كندة، ووائل، وأنسي. قال بعضهم:
وجدي الأنسوي أخو المعالى … وخالي المرحبى أبو لهيعة
وردمان، وأسوع، وأحمر دخلوا في همدان، والأثروم، والأذمور (^٣) رهط الصعبة بنت عبد الله بن عماد الحضرمي، أم «طلحة بن عبيد الله» المسمى «صاحب رسول الله» ﷺ، ورهط عامر الحضرمى، حليف بنى أمية، بن عبد الله بن عامر الحضرمي صاحب معاوية، وأسروهم بناحية فلسطين، ورهط مسروق بن وائل أبي شمر الذي يقول:
وأكرم ندماني وأحفظ غيبه … وأملأ زق الشرب غير مشائط
ويقال إنه من الأذمور (^٤). ومن الحضرميين ميمون الحضرمي (^٥)، صاحب بئر ميمون بمكة وعندها دفن أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور. ومنهم عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش. وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى (^٦).
_________________
(١) خ: الأدمون، راجع ما يلى.
(٢) خ: عن.
(٣) كذا ههنا، بالذال المعجمة.
(٤) خ: الأدمور بالدال المهملة.
(٥) هو ميمون بن المرتفع (جمهرة الأنساب لابن الكلبى، ٢٣/ الف).
(٦) راجع تحت، باب السرايا الفقرة (٧٦٨).
[ ١١ ]