يطلق الشريف في اللغة على الرجل الماجد أو من كان كريم الآباء، ثم أطلق لقب الشريف على من كان من آل بيت رسول الله ﷺ شاملا العلويين والجعفريين والعباسيين. ومن الناس من قصره على ذرية الحسن والحسين. على أن التخصيص بآل البيت وبخاصة نسل عليّ لم يشتهر إلا في القرن الرابع الهجرى ويغلب أنه كان في أواخره.
ولعل الضعف الشديد الذي انتاب الدولة العباسية وظهور الدولة الفاطمية وقوتها هو الذي جرّأ على إطلاق لقب الشريف على من كانوا ينتمون إلى نسل على من السيدة فاطمة بنت رسول الله. إذ لا يعقل أن يطلق هذا على العلويين في عهد قوة العباسيين الذين كانوا يرون أن العم أولى من ابن البنت.
وإنا نجد هذا اللقب ألحق بالمرتضى: الشريف المرتضى على بن الحسين (٣٥٥ - ٤٣٦) وأطلق على الرضى: الشريف الرضي محمد بن الحسين (٣٥٩ - ٤٠٦) أما قبل ذلك فقد كان يطلق على نسل الإمام على لفظ العلويين، وعلى نسل أبيه لفظ الطالبيين، فلسنا نجد لقب الشريف أطلق على جعفر الصادق (٨٠ - ١٤٨)، ولم يقترن بعليّ الرضا بن موسى الكاظم (١٥٣ - ٢٠٢)، كما لم يقترن بالحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا (٢٣١ - ٢٦٠)، بل إن الحسين بن موسى بن محمد وهو والد الشريف المرتضى والشريف الرضى وكان من (٣٠٧ - ٤٠٠) لم يطلق عليه لقب الشريف، وكل ما لقبوه به هو الطاهر ذو المناقب.
ولقد جاء في كتب التراجم من لُقِّب من العباسيين بالشريف، فمن ذلك الشريف البياضي مسعود بن عبد العزيز أو ابن الحسين (توفى ٤٦٨). وابن الهبارية محمد بن محمد بن صالح (توفى سنة ٥٠٤) كان يلقب بالشريف العباسي. وهذان ينتهي نسبهما إلى عبد الله بن عباس.
[ ٢٠ ]
لهذا فإن ما أورده المرحوم أحمد تيمور في كتابه التذكرة ص ٣٧ نقلا عن كتاب مشاهد الصفا أن الشريف كان يطلق في الصدر الأول على من كان من أهل البيت سواء كان علويًا أو جعفريًا أو عباسيًا، ثم خصه الفاطميون بذرية الحسن والحسين ﵍. هو نص ضعيف الحجة في أوله، ومتفق معنا في نصفه الأخير. ويشبه هذا النص أيضًا ما أورده في التذكرة نقلا عن كتاب عذراء الرسائل.
فالشريف في الصدر الأول لم يكن يقصد به إلا معنى السيد والماجد. وقصة جبلة بن الأسهم وهو غسانى، وتنصره في أيام عمر معروفة، وقد ندم فقال:
تنصرت الأشراف من عار لطمة … وما كان فيها لو صبرت لها ضَرَرْ
وينقل لنا المرحوم أحمد تيمور أن لقب شريف أطلق على غير آل البيت، من ذلك في طبقات السبكي: الشريف العمري لأحد ذرية سيدنا عمر، وما ينقله عن الضوء اللامع عدم تخصيص الشرف ببنى فاطمة ﵍ في بعض النواحى بل يطلقونه على بني العباس بل وسائر بني هاشم.
وفي الحق أنه في عهودنا هذه تنصرف كلمة شريف إلى من كانوا من آل البيت، مع أنها قد ابتذلت في بعض البلاد فصارت تطلق على من دخل الإسلام من أهل الملل الأخرى.
والبلاذرى لم يُرِد بعنوان كتابه أنساب الأشراف أن يترجم لآل البيت، وذلك واضح مما اشتمل عليه الكتاب من تراجم وأنساب وما كان متعارفًا له في عهده وقبله من معنى الشريف في اللغة.
ويتضح لنا ذلك أيضًا مما ألفه السابقون للبلاذرى، فالمدائني من مؤلفاته: كتاب أشراف عبد القيس، وابن عبدة من مؤلفاته: كتاب أشراف بكر وتغلب وعبد القيس وبكر وتغلب لا تمت إلى الهاشميين ولا القرشيين ولا المضريين وإنما هي من ربيعة.
وأشار المرحوم أحمد تيمور إلى الأغانى جـ ١٥ ص ٩١ طبع بولاق - وهذا نجده في ترجمة محمد بن صالح العلوى الذي ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي
[ ٢١ ]
ابن أبي طالب ناقلا ما يأتي: "تدعو لي بالشريف (^١) المتولى أمر هذا الجيش" وقال تيمور: وهو حسنى. وبالرجوع إلى القصة نجد أن حمدونة بنت عيسى بن موسى الحرى التي خرجت في قافلة إنما تعنى بالشريف السيد أو الماجد أو رئيس الجيش ذلك أن محمد بن صالح العلوى كان يقطع الطريق وذلك في أيام المتوكل، فقال: "خرجت في سنة كذا وكذا ومعى أصحابي على القافلة الفلانية فقاتلنا من كان فيها فهزمناهم وملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها وأنيخ الجمال إذ طلعت عليّ امرأة من العمارية ما رأيت قط أحسن منها وجهًا ولا أحلى منطقًا فقالت: يا فتى إن رأيت أن تدعو لى بالشريف المتولى أمر هذا الجيش؟ إلخ. . . ." فهي لا تعرف إلا أنها وقعت في أيدى جيش لقاطع طريق. وصاحب الأغانى لم يكن يعنى بالشريف والأشراف إلا السادة، من ذلك ما جاء في الجزء الرابع من الأغانى ص ٢٩٩ طبعة دار الكتب في ترجمة الدلال: وكان يجالس المشيخة والأشراف فيفيض معهم في أخبار الناس وأيامهم حتى قضى نحبه.
ويرى (جوتين) أيضًا أن الأشراف يراد بها النبلاء والعرب الخلص، ومن كان يُفرض له في بيت المال ألفا درهم أو ألفان وخمسمائة، واستشهد لذلك الأخير بما جاء في أنساب الأشراف نفسه في ص ٣٢ جـ ٥ الذي حققه وهو يأتي في الخطبة في صفحة ٩٣٧ بالمجلد الخامس ونصه: "فقال له عتاب بن علاق أحد بني عوافة بن سعد وكان شريفًا. وكان عمر بن الخطاب فرض لعتاب هذا الأشراف في ألفين وخمسمائة" واستشهد بما جاء في ص ١٣٦ وهو في الخطية يأتى في ص ٩٩٦ المجلد الخامس: وقتل الضحاك وقُتل معه من الأشراف ثمانون كلهم كان يأخذ القطيفة كان لكل رجل منهم في العطاء ألفان وقطيفة يعطونها مع عطائهم.
_________________
(١) لعلها أيضًا محرفة عن كلمة العريف ومعناها: القيم بأمر القوم.
[ ٢٢ ]