- وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية يقول: دعوا محمدا ولا تعرضوا له، فإن كان ما يقول حقا، كان فينا دون غيرنا من قريش. وإن كان كاذبا، قامت قريش به دونكم. فكان النبي ﷺ يمرّ به. فيقول: إنه ليكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث. فقال له: إنه يبلغني أنك تحسن القول في محمد؛ وكيف ذلك وهو يسبّ الآلهة، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوّعد من لم يتبعه بالعذاب؟ فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول الله ﷺ، وذّمه، وعيب ما جاء به، وجعل يقول: ما سمعنا بمثل ما جاء به، لا في يهودية ولا نصرانية.
- وكان أبو أحيحة ذا شرف بمكة، وقويت أنفس المشركين حين رجع عن قوله الأول، وأتاه النضر شاكرا له على ذلك، لإعظام قريش إياه، وكان إذا اعتمّ، لم يعتم أحد بمكة بعمامة على لون عمامته إعظاما له، فكان يدعى «ذا التاج». وفيه يقول أبو قيس بن الأسلت، واسمه صيفي بن عامر بن جشم، من الأوس:
وكان أبو أحيحة قد علمتم … بمكة غير مهتضم ذميم
إذا شد العمامة ذات يوم … وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشي … بمكة غير ذي دنف سقيم
وبيتكم رفيع في قريش … منيف في الحديث وفي القديم
_________________
(١) - موضع قرب المدينة بين بدر ووادي الصفراء. معجم البلدان.
[ ١ / ١٦٠ ]
وسطت ذوائب الفرعين منهم … فأنت لباب فرعهم الصميم
كريم من سراة بني لؤي … كبدر الليل راق على النجوم
- ومات أبو أحيحة في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة، ويقال: في أول سنة من الهجرة، وكان له تسعون سنة، فلما غزا رسول الله ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحادّ الله ورسوله، فقال ابناه، عمرو وأبان:
لعن الله أبا قحافة، فإنه لا يقري الضيف، ولا يدفع الضيم، فقال رسول الله ﷺ: سبّ الأموات يؤذي الأحياء؛ فإذا سببتم فعموا.
قالوا: وأتى النضر وعقبة بعض أهل الكتاب، فقالوا: أعطونا شيئا نسأل عنه محمدا. فقالوا: سلوه عن فتية هلكوا قديما، وعن رجل طاف حتى بلغ المشرق والمغرب. فسألوه عن أهل الكهف وذي القرنين. فأنزل الله ﷿ في أمرهم ما أنزل (^١).
- وقال النضر وأمية بن خلف وأبو جهل للنبي ﷺ: إن كان قرآنك من عند الله، فأحي لنا آباءنا، وأوسع لنا بلدنا بأن تسير هذه الجبال عنا، فقد ضيقت مكة علينا، أو اجعل لنا الصفا ذهبا أستغني عن الرحلة؛ فإن فعلت ذلك، آمنا بك، وكان النضر خطيب القوم. فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ إلى قوله ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (^٢).
وأخذ النضر عظما نخرا، فسحقه ونفخه، وقال: من يحيي هذا يا محمد؟ فنزلت فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ﴾
_________________
(١) - انظر سورة الكهف شروعا من الآية التاسعة.
(٢) - سورة الرعد - الآيتان:٣١ - ٣٢.
[ ١ / ١٦١ ]
﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (^١) وما بعد ذلك. ويقال: إنّ أبي بن خلف صاحب العظم.
- قالوا: فلما كان يوم بدر، أسر المقداد بن عمرو - وهو الذي ينسب إلى ربيبه الأسود بن عبد يغوث الزهري - النضر بن الحارث، وجاء به إلى رسول الله ﷺ، فأمر عليا ﵇ بضرب عنقه، فقال المقداد: أسيرى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما يقول، ثم قال: اللهم أغن المقداد من فضلك.
- وقال النضر، وقد وجيء به أسيرا، لرجل إلى جنبه: «محمد والله قاتلي.
لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت». وقال لمصعب بن عمير: «يا مصعب أنت أقرب من ههنا إليّ وأمسهم رحما بي، فكلم صاحبك في أن يجعلني كرجل من أصحابي». فقال له: إنك كنت تقول كذا وتفعل كذا؛ فقال: يا مصعب، ليس هذا الحين عتاب؛ فسله أن يجعلني كرجل من أصحابي؛ فلو أسرتك قريش لدافعت عنك، فقال مصعب: «أنت صادق؛ ولست مثلك. إنّ الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم».
- حدثني عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
أسر المقداد يوم بدر النضر بن الحارث، فلما أراد رسول الله ﷺ قتله، قال له المقداد: يا رسول الله، أسيرى؟ فقال رسول الله ﷺ: إنه كان يقول في الله ورسوله ما يقول؛ وقرأ: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ الآية (^٢). ثم قتله صبرا. وقال: «اللهم أغن المقداد من فضلك» ثلاثا
_________________
(١) - سورة يس - الآية:٧٨.
(٢) - سورة الأنفال - الآية:٣١.
[ ١ / ١٦٢ ]
-قالت قتيلة ابنة النضر بن الحارث - وبعض الرواة يقول: قتيلة بنت الحارث، والأول أثبت:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنة … عن صبح خامسة وانت موفق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحية … ما إن تزال بها النواعج تخفق
مني إليه وعبرة مسفوحة … جادت لسافحها (^١) وأخرى تخنق
قولا لأحمد أنت ضنء (^٢) … كريمة
لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضارك لو مننت وربما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
النضر أقرب من قتلت قرابة … وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنرشه … لله أرحام هناك تشقق
فيقال إنّ النبي ﷺ قال: لو سمعت هذا الشعر قبل قتله، ما قتلته.
والله أعلم.