- كان الأسود من المستهزئين، وكان يكنى أبازمعة، وكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﷺ وأصحابه، ويقولون: «قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر»، ثم يمكون ويصفرون، وكلم رسول الله ﷺ بكلام شقّ عليه. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يعمي الله بصره ويثكله ولده. فخرج يستقبل ابنه. وقد قدم من الشأم، فلما كان في بعض طريقه، جلس في ظل شجرة. فجعل جبريل ﵇ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها خضراء، وبشوك من شوكها، حتى عمي.
ويقال: إنّ جبريل ﵇ أومأ إلى عينيه، فعمي، فشغل عن رسول الله ﷺ. ولما كان يوم بدر قتل ابنه زمعة بن الأسود، ويكنى أبا حكيمة؛ قتله أبو دجانة. ويقال: ثابت بن الجذع. وقتل ابنه عقيل أيضا؛ قتله حمزة وعلي رضي الله تعالى عنهما، اشتركا فيه. ويقال: قتله عليّ وحده.
وقتل الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله عليّ. وقوم يقولون: هو الحارث بن الأسود نفسه. والأول أثبت.
- وكان الأسود بن المطلب يقول: دعوت على محمد أن يكون طريدا في غير قومه وبلده. واستجيب لي. ودعا عليّ بعمى عيني، فعميت؛ وأن أثكل ولدي، فثكلتهم.
[ ١ / ١٦٨ ]
-قال الواقدي: ومات الأسود بمكة، وهم يتجهزون لأحد، وهو يذمرهم - أي يحثهم - ويشجعهم في مرضه، وقد قارب المائة.
- وكان أهل مكة، لما قتل منهم من قتل منهم ببدر، تركوا البكاء على قتلاهم، كراهة أن يبلغ المسلمين جزعهم فيشمتوا بهم، فسمع الأسود بكاء، فسأل عنه: فقيل: امرأة ضلّ لها بعير، فهي تبكي عليه.
فقال:
أتبكي أن يضلّ لها بعير … ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن … على بدر تصاعرت الخدود
فبكيّ إن بكيت على عقيل … وبكيّ حارثا أسد الأسود
وبكّيهم ولا تسمي جميعا … وما لأبي حكيمة من نديد
على بدر سراة بني هصيص … ومخزوم ورهط أبي الوليد
ألا قد ساد بعدهم رجال … ولولا يوم بدر لم يسودوا (^١)
- قال: وكان الأسود يجلس، ومعه قوم من المشركين، فيقولون:
«ما ندري ما جاء به محمد؟ ما هو إلا سجع كسجع الكهان». فنزلت فيهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (^٢)، أي عضة عضة. ويقال: إن الآية نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. والثبت أنها نزلت في كفار قريش. وكانوا يسألون عن النبي ﷺ، فيقول بعضهم:
«مجنون» (^٣)؛ ويقول بعضهم: «ساحر» (^٤)؛ ويقول بعضهم: «شاعر» (^٥)؛
_________________
(١) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٧٧.
(٢) - سورة الحجر الآية:١٥.
(٣) - انظر سورة الصافات - الآية:٣٦.
(٤) - انظر سورة الأنبياء - الآية:٣.
(٥) - انظر سورة الصافات - الآية:٣٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
ويتحدثون عليه ويصدّون الناس عنه. فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ (^١). يقول: أوزار من يصدّونه عن الإسلام.
- وذكر رسول الله ﷺ عاقر الناقة (^٢)، فقال: «كان عزيزا منيعا، كان كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم». وكان يقال لأبي زمعة بن الأسود «زاد الراكب».