- حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معاذ بن محمد، قال:
سألت عاصم بن عمر بن قتادة: متى كان حصر رسول الله ﷺ وبني هاشم بالشعب؟ فقال: إنّ قريشا مشت إلى أبي طالب مرة بعد مرة فكان هذا المرة الآخرة، اجتمعوا فقالوا: «يا أبا طالب، إنا قد جئناك مرة بعد أخرى نكلمك في ابن أخيك أن يكف عنا فلا يذكر آباءنا وآلهتنا بسوء، ولا يستغوي أولادنا وأحداثنا وعبيدنا وإماءنا، فتأبى ذلك علينا، وإن كنت فينا ذا منزلة، لشرفك ومكانك، فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك حتى نهلكه أو يكفّ عنا ما أظهر من شتم آبائنا وعيب ديننا، فإن شئت فخلّنا وإياه، وإن شئت فدع، فقد أعذرنا إليك، وكرهنا موجدتك قبل المقدمة».
فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: يا بن أخى، قد جاءني قومك يشكونك إليّ، وآذوني فيك، وحملوني على ما لا أطيقه ولا أنت؛ فاكفف عنهم ما يكرهون من شتم آبائهم وعيب آلهتهم ودينهم، فاستعبر رسول الله ﷺ وبكى، ثم قال: والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري،
_________________
(١) - في هامش الأصل: آخر المجلد الثاني من الأصل، ولله كل حمد.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ما تركت هذا الأمر أبدا حتى أنفذه أو أهلك في طلبه على الطاعة لرّبي. فلما رأى أبو طالب ما بلغ قوله من رسول الله ﷺ، قال: يا بن أخي، امض لأمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا، فلما رأت قريش أنهم قد أعذروا إلى أبي طالب، وأن رسول الله ﷺ قائم بأمر ربه، أبت أن تقارّه، وأظهروا العداوة لبني عبد المطلب ومباينتهم، وأقسموا بالله. لنقتلنّ النبي ﷺ سرّا أو علانية. فلما رأى أبو طالب أنهم عازمون على ذلك، خاف على ابن أخيه، ثم انطلق بهم فأقامهم بين أستار الكعبة والكعبة، فدعوا على ظلمة قومهم، واجتمعت قريش على أمرها. فقال أبو طالب: اللهم إن قومنا قد آبوا إلى البغي، فعجل نصرنا وحل بينهم وبين قتل ابن أخي.
وقالت قريش: لا صلح بيننا وبين بني هاشم وبني المطلب، ولا رحم، ولا إلّ، ولا حرمة إلا على قتل هذا الرجل الكذاب السفيه، وعمد أبو طالب إلى الشعب بابن أخيه وبني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف، وكان أمرهم واحدا. وقال: نموت من عند آخرنا قبل أن يوصل إلى رسول الله ﷺ، فلما دخل أبو طالب شعب أبي طالب، خرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني عبد المطلب. ودخل الشعب من كان من هؤلاء مؤمنا أو كافرا.
- وقال الواقدي في غير هذا الحديث وبغير هذا الإسناد: دخل المسلم لإسلامه ودينه، والكافر حمية أن يضام وقومه، فأقاموا على ذلك ما شاء الله حتى نالتهم الخصاصة في شعبهم، لأنهم حالوا بينهم وبين أن يتبايعوا شيئا أو يبيعوا، حتى فرّج الله ﷿ ذلك.
- قالوا: ولقي أبو لهب هند بنت عتبة، حين خرج من الشعب مظاهرا لقريش، فقال: يا بنت عتبة، هل نصرت اللات والعزّى؟
[ ١ / ٢٦٦ ]
قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة. ويقال: إنه قال ذلك لها في وقت قبل هذا. وقد ذكرناه.
- حدثني حفص بن عمر، قال: قال هشام بن محمد بن السائب، حدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال:
لما رأت قريش إجابة من أجاب رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وأن نبى الله غير نازع عما يكرهون، مشوا إلى أبي طالب، فقالوا له: أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد ترى ما يصنع ابن أخيك، وجاء رسول الله ﷺ.
فقال له أبو طالب: هؤلاء عمومتك وسروات قريش، فاسمع ما يقولون، فتكلم الأخنس بن شريق الثقفي، فقال: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك.
قال أبو طالب: قد أنصفك القوم، فاقبل منهم. فقال ﷺ: إنه لا بد من نصحهم: وأنا أدعوهم إلى كلمة أضمن لهم بها الجنة. فقال أبو جهل: إن هذه لكلمة مريحة، فقلها. فقال: تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقاموا وهو يقولون: ﴿اِمْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ (^١)، وكان الذي قال ذلك الأخنس.
والملة الآخرة: النصرانية.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس.
بنحوه. قال: وأتوا أبا طالب مرة أخرى، فقالوا له: إن ابن أخيك متتابع في مساءتنا، قد سبّ آلهتنا، وشتت أمرنا، وضلل آباءنا، فادفعه إلينا نقتله. قال: بل ادفعوا إليّ أولادكم أقتلهم، حتى أدفعه إليكم.
قالوا: إنّ أولادنا لم يفعلوا ما فعل، قال: فهو والله خير من أولادكم.
_________________
(١) - سورة ص - الآيتان:٦ - ٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فقالوا: فهذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أحسن قريش وجها، وأتمهم خلقا، فاتخذه ابنا، وكان معهم. فقال أبو طالب: «بئس ما سمتموني: أدفع إليكم ابن أخي فتقتلونه، وأتبنى ابنكم لكم وأغذوه. هيهات. أبى الحزم، وصلة الرحم ذلك». فانصرفوا عنه. فذلك قول أبي طالب:
كذبتم وبيت الله يقتل أحمد … ولمّا نناضل دونه ونقاتل
وقوله أيضا:
أترجون أن نشجى بقتل محمد … ولم تختضب سمر العوالي من الدم
- قال: وأتوه مرة أخرى، فأعلموه أنه إن لم يأخذ على يد رسول الله ﷺ ويردّه، قتلوه غيلة. وقالوا: قد أعذرنا إليك. فكان ذلك سبب دخول أبي طالب الشعب (^١).
- وأما عمارة بن الوليد، فيقال إنه وعمرو بن العاص توجها برسالة قريش إلى النجاشي في أمر من بالحبشة من المسلمين، يفسداه عليهم، ويهجناهم عنده، ويسألاه دفعهم إليهما. وحملوهما إليه وإلى بطارقته (^٢) هدايا من أدم وغيره، وذلك وهم.
وقيل: إنه كان مع عمرو بن العاص في هذه المرة عبد الله بن أبي ربيعة، ولم يكن معه عمارة. فرّدهما النجاشي مقبوحين خائبين، فاشتدت قريش عند ذلك على النبي ﷺ، وهذا الثبت؛ إنّ عمرا وعمارة خرجا بعد ذلك في تجارة إلى الحبشة، وكانا طرّيقين فاتكين. وكانت مع عمرو امرأته.
فقال لها عمارة، وهما يشربان في السفينة: قبليني. فقال لها عمرو: قبّلي
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٠٨ - ٢٠٩. نسب قريش للمصعب الزبيري ص ٩٤. سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣٥ - ٢٣٧.
(٢) - أي أعيان الدولة لديه وكبار القادة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
ابن عمك. ففعلت. وحذره عمرو. فأرادها عمارة على نفسها، فامتنعت. وفطن عمرو بذلك. ثم إنّ عمرا جلس على حرف السفينة ليبول. فدفعه عمارة في البحر. وكان يجيد السباحة: وأخذ بالقلس وتخلص، فاضطغنها عليه وكتب إلى أبيه العاص بن وائل: أن اخلعني وتبرّأ مني ومن جريرتي على بني المغيرة وبني مخزوم، فقد كان من عمارة كيت وذيت، وهو يرصد له بما يرصد به، ولم يلبث عمارة حين دخل أرض النجاشي، أن دبّ لامرأة النجاشي، فاختلف إليها، ويقال: إنها رأته فعشقته، وكان جميلا، فدعته. فجعل يختلف إليها، وكان يحدّث عمرا بما يجري بينهما، فكان عمرو يظهر تكذيبه ليمحكه بذلك، فقال له ذات ليلة:
إن كنت صادقا، فائتني بدهن من دهن النجاشي الذي لا يدّهن به غيره، فإني أعرفه. وكان أصفر، فأعطته قارورة منه، وثوبا أصفر من ثيابه.
فجاء بذلك إلى عمرو. وكانا ينزلان في دار واحدة، فقال له عمرو: لقد نلت ما لم ينله قرشي قبلك، وأخذ الدهن والثوب إليه، فلما أصبح، أتى النجاشي بذلك وحدثه الحديث، فيقال: إن النجاشي أخذه، فقطعه آرابا ثم أحرقه؛ وأخذ امرأته فدفنها وهي حية. ويزعمون: أن النجاشي دعا بالسواحر، فسحرنه؛ فكان يهيم، ثم إنه مات على تلك الحال. ويقال؛ إنه لما فعلن به ذلك هام فكان مع الوحش، وخرج عبد الله بن أبي ربيعة في طلبه، وكان اسمه بحير فسماه النبي ﷺ «عبد الله»، فدل على مواضعه ومظانه، فالتزمه فجعل يقول له: تنح عنى يا بحير؛ ومات في يده. وكان عمارة يكنى أبا فائد. وقال عمرو بن العاص:
تعلم عمار إن من شر شيمة … لمثلك أن يدعا ابن عم له ابنما
إذا كنت ذا بردين أحوى مرجلا … فلست براء لابن عمك محرما
[ ١ / ٢٦٩ ]
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه … ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منها يسيرا وأصبحت … إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وليس الفتى وإن أتمت عروقه … بذي كرم إلا إذا ما تكرما (^١)
- قالوا: ومكث بنو عبد المطلب وبنو المطلب في شعب أبي طالب ثلاث سنين.
وحدثني أبو الحسن المدائني، عن أبي زيد الأنصاري، عن أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال:
حصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة، حتى إن الرجل ليخرج بالنفقة فما يباع شيئا، حتى مات منا قوم.
- قالوا: ولما رد النجاشي عمرا وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي إلى قريش بغير ما أرادوا، وحقق قول رسول الله ﷺ وصدقه وأسلم، ازدادوا على من بالشعب غيظا وحنقا، فأجمعوا على أن كتبوا كتابا على بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يخالطوهم في شيء، ولا يكلموهم، وعلقوا الصحيفة التي كتبوا ذلك فيها في الكعبة، وقطعوا عنهم المادة والميرة. فكانوا لا يخرجون من الشعب في الثلاث سنين التي كانوا فيها بالشعب إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الجهد، وتضاغى صبيانهم فسمع ضغاؤهم من وراء الشعب، وكان من قريش من يكره ما ركبوا به ونيل منهم. ثم إنّ الله ﵎ سلط على صحيفتهم التي كتبوها الأرضة، فلم تدع إلا «باسمك اللهم»، فأخبر الله ﷿ بذلك رسوله ﷺ، فأخبر رسول الله ﷺ أبا طالب. فقال أبو طالب: والله ما يدخل علينا أحد؛ فمن أخبرك بهذا؟ قال: ربي، وهو الصادق يا عم،
_________________
(١) - السيرو المغازي لابن اسحق ص ١٦٧ - ١٧٠ حيث المزيد من التفاصيل.
[ ١ / ٢٧٠ ]
قال: أشهد أنك لا تقول إلا حقا، فخرج أبو طالب في جماعة من رهطه، حتى وقف على قريش، فقال: ادعوا بصحيفتكم التي كتبتموها علينا.
فخرجوا سراعا ليأتوا بها، وهم يظنون أن ذلك لأمر يوافقهم. فوجدوها كما قال رسول الله ﷺ، فقويت نفس أبي طالب واشتدّ صوته، وقال المشركون: إنما تأتونا بالسحر والبهتان، ويقال: إنهم نكسوا رؤوسهم، فقال أبو طالب: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة.
- ويقال إنّ الصحيفة لم تكن في الكعبة، ولكنها كانت موضوعة على يد طعيمة بن عدي، ويقال على يد أم أبي جهل، وهي أسماء ابنة مخرّبة التميمية. وقوم يقولون إنها وضعت على يد أم الجلاس بنت مخربة أختها.
وكان الذي خطّ الصحيفة، فيما ذكر الكلبي، بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، فشلت يده يوم خطها. وقال غيره:
اسمه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
- وقال الواقدي: كان هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب، من بني عامر بن لؤي، وهو ابن أخي نضلة بن هاشم لأمه، يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا، حتى إذا أقبله الشعب خلع خطامه وضرب على جنبيه فيدخل الشعب. وقال الكلبي: هو هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل، وله يقول حسان بن ثابت بعد ذلك:
من معشر لا يغدرون بذمة … الحارث بن حبيّب بن شحام
فشدّد «حبيبا» لضرورة الشعر، وكان يقال لأم جذيمة بن مالك «شحام». وخرج العباس بن عبد المطلب من شعب أبي طالب ليشتري طعاما، فأراد أبو جهل أن يسطو به، فمنعه الله منه. وأرسلت خديجة بنت
[ ١ / ٢٧١ ]
خويلد إلى زمعة بن الأسود: إن أبا جهل يمنع من ابتياع ما نريد؛ فأسمع أبا جهل كلاما، فأسمعه، فأمسك. وبعث إليها حكيم بن حزام بن خويلد بناقة، عليها دقيق، فسرحها في الشعب. وكان يخلص إليهم الشيء بعد الشيء.
ثم إنّ هشام بن عمرو بن ربيعة مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال: يا زهير، أرضيت بأن تأكل وتشرب وتلبس الثياب وتنكح النساء آمنا، وأخوالك بحيث علمت على الحال التي تعرف من الجهد والضرّ؟ فقال له: إنما أنا رجل واحد، قال:
فقد وجدت ثانيا. قال: ومن هو؟ قال: أنا. فقال زهير: ابغنا ثالثا.
قال: فذهب إلى مطعم بن عدي، فقال له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، موافق لقريش على ذلك؟ قال: ويحك، فما أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: فقد وجدت لك ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: فابغنا ثالثا. قال: قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال:
زهير بن أبي أمية. قال: فابغنا رابعا. فذهب إلى أبي البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، فكلمه. فقال: هل من أحد على هذا الرأي؟ قال: نعم، أنا ومطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية.
قال: فابغنا خامسا. فأتى زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، فكلمه وأخبره خبر القوم. وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام بنقض ما في الصحيفة وإخراج بني هاشم وبني المطلب من الشعب.
ولما كان من خروج أبي طالب إلى قريش وإخبارهم بما حدث من أمر الصحيفة من أكل الأرضة إياها ما كان، رجع أبو طالب إلى الشعب وهو يقول: لماذا نحبس وقد أبان الله الأمر ووضح؟ قالوا: وشرب مطعم بن
[ ١ / ٢٧٢ ]
عدي شرابه. فلما انتشى، قال: من مثلي؟ فقال له عدي بن قيس بن عدي السهمي - ويقال: عتبة بن ربيعة - إن كنت كما تقول، فما بال بني عمك جوعى هلكى مظلومين؟ وكان عدي بن قيس يكني أبا حسان، فلما صحا، لبس سلاحه، ولبس أبو البختري، وزهير بن أبي أمية، وهشام بن عمرو، وعتبة بن أبي ربيعة، وزمعة بن الأسود سلاحهم. وصاروا إلى الشعب، فأخرجوا بني هاشم وبني المطلب، فلما رأت قريش ذلك، سقط في أيديهم، وعلموا أنهم لا يسلمونهم، وأن عشائرهم تمنعهم. وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة من نبوة النبي ﷺ، وكان موت أبي طالب بعد خروجهم من الشعب في أول ذي القعدة سنة عشر من المبعث.
ويقال: للنصف من شوال، وله بضع وثمانون سنة، ويقال: إن بين موته وموت خديجة بنت خويلد شهر وخمسة أيام. ويقال: خمسة أيام. ويقال خمسة وعشرين يوما. ويقال: ثلاثة أيام. وكان موتها قبل موته. ودفنها رسول الله ﷺ بالحجون، ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ.
- قالوا: وخرج رسول الله ﷺ، ومعه زيد بن حارثة مولاه. بعد موت أبي طالب إلى الطائف. فآذته ثقيف، فأسمعوه وأغروا سفهاءهم به، وقالوا: كرهك أهل بلدك وقومك ولم يقبلوا منك، فجئتنا، فنحن والله أشدّ لك إباء، وعليك ردّا، ومنك وحشة. فجلس رسول الله ﷺ في ظلّ شجرة، ثم قال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، يا ربّ المستضعفين، إلى من تكلني؟» وخرج رسول الله ﷺ، وزيد بن حارثة، راجعين حين يئس من أهل الطائف. ووّجه رسول الله ﷺ رجلا من خزاعة إلى سهيل بن عمرو يسأله أن يدخل في جواره، فأبى. ثم بعث إلى مطعم بن عدي، فأجاره،
[ ١ / ٢٧٣ ]
فدخل في جواره. ولبس قومه السلاح حتى أدخلوه المسجد. فكان رسول الله ﷺ يشكرها لمطعم بن عدي. وكان خروج النبي ﷺ إلى الطائف لثلاث ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة. وقدم مكة يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة.
- قالوا: وكان رسول الله ﷺ يدعو القبائل في الموسم قبل الهجرة، ويسألهم نصرته ومنعته. فكان يلقى منهم تجهما وغلظا، ولقي من بني عامر بن صعصعة ما لم يلق من أحد من العرب. وقال له رجل من بني محارب يوما: والله لا يؤوب بك قوم إلى دارهم إلا آبوا بشر ما آب به أهل موسم، وكان ﷺ يطوف على القبائل، يدعوهم، وأبو لهب خلفه يثبط الناس عنه، ولقي رسول الله ﷺ من بني حنيفة مثل ما لقي من بني عامر.
ولم يكن حيّ من العرب ألين قولا له ولا أحسن ردّا عليه من كندة، ودعا كلبا، فلم يقبلوا منه. وقال شيخ منهم: ما أحسن ما يدعو إليه هذا الفتى إلا أن قومه قد باعدوه؛ ولو صالح قومه، لا تبعته العرب.
وقدم قوم من الأوس مكة يطلبون حلف قريش على الخزرج، لما كان بينهم من الحرب. فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام. فقال له أنس بن رافع: عجبا، جئنا نطلب حلف قريش على أعدائنا فنرجع وقريش عدونا.
ومال إليه بعضهم.
- وقالوا: وخرج سويد بن الصامت قبل يوم بعاث، حتى قدم مكة، فلقي النبي ﷺ. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام. فقال له: لعل الذي معك مثل الذي معي. وكانت معه حكمة لقمان. فقال له ﷺ: إن هذا لكلام حسن؛ والذي معي أحسن منه وأفضل. ثم قدم، فقتل، فهاج قتله يوم بعاث. وكان الذي قتله المجذّر بن ذياد البلوي: وكانوا يرون أنه مسلم.
[ ١ / ٢٧٤ ]
-قال الواقدي: فلما كان يوم أحد، قتل الحارث بن سويد بن الصامت: المجذّر بن ذياد غيلة. فأتاه الوحي بقتله فركب إلى بني عمرو بن عوف، فخرجوا إليه، وخرج الحارث، فأمر به فقتل.
وقال الكلبي: قتل المجذر حلاس بن سويد غيلة. فقتله رسول الله ﷺ به قودا. وكان أول من أقيد في الإسلام.
- وكان القوم من الأنصار بعد القوم يدخلون مكة في أمور لهم، فيدعوهم. فيقول بعضهم: لم نقدم لهذا. ويسكت بعضهم، فلا يقول شيئا. ثم قدم قيس بن الخطيم، فدعاه رسول الله ﷺ، فقال له: إني لأسمع كلاما عجبا، فدعني أنظر في أمري في هذه السنة، ثم أعود. فمات قبل الحول.