قالوا: خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل عام، فلقي رهطا من الخزرج، فوقف عليهم ودعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكانوا يسمعون أمره وذكره وصفاته من اليهود. فأسلموا. وكانوا ستة نفر. ثم لما كان العام القابل من العام الذي لقي فيه الستة نفر، لقيه اثنا عشر. وذلك في العقبة الأولى. وهم:
من بني النجار:
أسعد، وعوف ومعوذ ابنا عفراء،
ومن بني زريق:
_________________
(١) - في هامش الأصل: بلغ العرض ولله الحمد بأصل ثالث طلبا للصحة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ذكوان بن عبد قيس، ورافع بن مالك.
[ومن القواقل:
عبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة حليف لهم] (^١).
ومن بني عمرو بن عوف:
عباس بن عباد بن نضلة.
ومن بني سلمة:
عقبة بن عامر بن نابي.
ومن بني سواد:
قطبة بن عامر. ويقال: عمرو بن حديدة.
ومن الأوس رجلان:
أبو الهيثم بن التيهان الأشهلي، وعويم بن ساعدة. فبايعوه على بيعة النساء (^٢): بايعوا على أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف؛ فإن وفوا فلهم الجنة، ولم يذكر القتال.
فلما انصرف أهل العقبة الأولى إلى المدينة، قدموا على قوم قابلين للإسلام. فدعوهم حتى شاع فيهم الإسلام. وكتب وجوههم إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يبعث إليهم من يعلمهم القرآن، ويفقّههم في الدين.
فوجّه إليهم مصعب بن عمير. وكان يصلي بهم، قبل قدومه، أسعد بن زرارة، فيقال: إنّ مصعبا صلى بهم، ويقال إنّ أسعد بن زرارة لم يزل
_________________
(١) - زيد ما بين الحاضرتين من سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٩٢ حتى يستقيم السياق ويبلغ العدد اثني عشر.
(٢) - أراد ببيعة النساء، أنهم لم يبايعوه على القتال: الروض الأنف ج ٢ ص ١٨٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
يصلي بهم بعد قدوم مصعب على ما كان عليه حتى قدم سالم مولى أبي حذيفة، وكان مصعب يعلمهم القرآن. وقد قيل: إن النبي ﷺ بعث مصعبا بعد العقبة الثانية. فكان بالمدينة حتى وافاها رسول الله ﷺ، وقيل: إنه رجع إلى مكة، فهاجر مع النبي ﷺ وأصحابه.
- قالوا: ولما كان قرب وقت الحجّ في السنة الثانية، تواعدوا لحضور العقبة، وحجوا، فكان العباس بن عبد المطلب المتولي لأخذ البيعة للنبي ﷺ، واعتقادها بالعهد والميثاق (^١). وكانت عدّة من بايع عند العقبة الثانية
_________________
(١) - تستحق الرواية عن دور العباس في بيعه العقبة الثانية وقفه نقدية، فالعباس دخل بالاسلام يوم فتح مكة، وقد شارك مع المشركين في معركة بدر وأسر من قبل المسلمين، لكن بما أن كتّاب السيرة الكبار شروعا من ابن اسحق كتبوا في ظل الخلافة العباسية عملوا على تلطيف موقف العباس وتحسينه أولا ثم تفاعلوا مع عقيدة الوصاية عند الشيعة، بجعل الوصاية بيد العباس بعد وفاة أبي طالب، ولحسن حظ المؤرخ وصلتنا أوراق من مغازي وهب بن منبه، التي كتبت في عصر عمر بن العزيز في اليمن، وعثر على هذه الأوراق ضمن ما عثر عليه من أوراق البردي العربية في مصر، وقد ذكر ابن منبه أن النبي ﷺ جاء إلى العقبة «ومعه علي بن أبي طالب وأبو بكر وعمر» وبعد وصول النبي ﷺ بقليل والشروع بالتباحث مع القوم وصل العباس وصاح: «من هذا المتكلم محمد أنت؟ قال: نعم، قال: فمن هؤلاء؟ قال: أخوالي وأخوالك الأوس والخزرج قد آمنوا بالله ورسوله» وهنا انضم العباس إلى الاجتماع وخاطب الأوس والخزرج بقوله: «يا معاشر بني قيلة إن هذا محمد ابن أخي، أحب الناس إليّ وأكرمهم عليّ» ثم استطرد موضحا أنه لا يؤمن بما جاء به، وفي الوقت نفسه يخشى عليه الخذلان في المدينة، وحين شعر الجميع أنه يريد تثبيط همة الرسول ﷺ، والحيلولة دون الاتفاق على الهجرة إلى المدينة قام أسعد بن زرارة فقال: «يا رسول الله ائذن لي أجيبه غير مخشن صدرك، ولا متعرض بيننا مما كره إلاّ لتصديق إيماننا بك، فقال النبي ﷺ: أجيبوه وابسطوا ألسنتكم غير مقصرين ولا متهيبين. فقام أسعد بن زرارة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله جعل لكل دعوة سبيلا، إن شدة وان لين، وإنك دعوتنا يا رسول الله ونحن في دار عزة ومنعه لا يستطيع أن يرأس علينا رجل من غيرنا قد أفرده قومه وأسلمه أعمامه، وأجبناك إلى ذلك، ودعوتنا إلى ترك ديننا ودين آبائنا فأجبناك
[ ١ / ٢٧٧ ]
سبعين، فبعث عليهم رسول الله ﷺ اثني عشر نقيبا منهم وهم الكفلاء على ما بعث من عدّة نقباء بني إسرائيل.