- قالوا: ولما شخص السبعون الذين بايعوا عند العقبة، اشتدّ ذلك على قريش، ورأوا أنه قد صارت لرسول الله ﷺ منعة ودار هجرة. فضيّقوا على المسلمين وآذوهم ونالوا منهم من الشتم والتناول ما لم يكونوا ينالونه.
فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، وسألوه الهجرة، فقال: إنه لم يؤذّن لي في ذلك بعد، ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك بأيام مسرورا، فقال: قد أخبرت أن دار هجرتكم يثرب؛ فمن أراد الخروج فليخرج فإن البلاد قريبة وأنتم بها عارفون وهي طريق عيركم إلى الشأم. فجعلوا يتجهزون إلى المدينة في خفي وستر، ويتسللون، فيقال إنه كان بين أولهم وآخرهم أكثر من سنة، وجعلوا يترافدون بالمال والظهر، ويترافقون. وبلغ من بالحبشة من المسلمين هجرة إخوانهم، فقدم من قدم منهم المدينة للهجرة مع النبي ﷺ. وكان ممن قدم المدينة (^١) أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. واسم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، ثم هاجر، فكان الثالث
_________________
(١) - كذا بالأصول، وهو وهم فقد جاء أبو سلمة من الحبشة إلى مكة ومنها هاجر إلى المدينة انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
[ ١ / ٣٠٣ ]
بعد مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم. وكان مصعب أول من قدمها، وجّهه رسول الله ﷺ ليعلّم الناس القرآن. ثم تلاه ابن أم مكتوم. وسمعت من يذكر أن أبا سلمة قبل ابن أم مكتوم. والخبر الأول أثبت.
- حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وبكر بن الهيثم، قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال:
أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم. قال الواقدي: وقد روي أن مصعبا صار من المدينة إلى مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة مع رسول الله ﷺ وأصحابه.
- حدثنا عمرو بن محمد، ومحمد بن سعد، عن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عمر.
عن نافع، عن ابن عمر قال:
لما قدم المهاجرون الأولون من مكة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، نزلوا العصبة (^١). فكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمهم لأنه كان أكثرهم قرآنا، وفيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
- قالوا: وكانت أم سلمة بنت أبي أمية أول ظعينة وردت المدينة.
وكان زوجها أبو سلمة لما أراد الهجرة، رحل لها بعيرا وحملها عليه، وفي حجرها ابنها سلمة. فلما رآه رجال بني المغيرة قالوا: هذه نفسك قد غلبتنا عليها؛ فما بال صاحبتنا؟ لا ندعك وتسييرها في البلاد. ثم انتزعوا خطام البعير من يده، وأخذوها إليهم، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد بن هلال، وقالوا: والله لا نترك ابنها عندكم إذا نزعتموها من يد صاحبنا،
_________________
(١) - موضع بقباء. المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي - ط الرياض ١٩٦٩.
[ ١ / ٣٠٤ ]
يعنون أبا سلمة. وتجاذبوا سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، فكانت مخلوعة حتى مات. ثم انطلقوا به. فكانت، وهي عند أهلها من بني المغيرة، تخرج فتقعد على الصفا، ثم تقول:
يا رخم الجوّ ألا استقلّي … وفي بني عبد الأسد فحلّي
ثم هلالا وبنيه فلّي
ثم تدعو عليهم أن تأكل الرخم لحومهم، فروي عنها أنها قالت:
جلست بالأبطح أبكي، وكنت أفعل ذلك كثيرا، فرآني ابن عم لي، فكلم بني المغيرة فيّ وقال: ألا ترون ما بهذه المسكينة من الجهد لتفريقكم بينها وبين زوجها وولدها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. وردّ على بنو عبد الأسد ابني. فرحلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد أبا سلمة بالمدينة، فلما كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال: أين تريدين يا ابنة أبي أمية؟ قلت:
أريد زوجي بيثرب.
فقال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله. فقال: مالك مترك. وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني، فو الله ما رأيت أكرم مصاحبة منه: كنت أبلغ المنزل، فينيخ جملي ثم يستأخر عني. فإذا نزلت، حطّ عن بعيري، وقيده، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قدّم البعير فرحله ثم استأخر وقال: اركبي. فإذا استويت على البعير، قادني. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما رأى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
- وقدم المدينة بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة العنزي، وبلال،
[ ١ / ٣٠٥ ]
وسعد، وعمر، وعمار. وخرج الناس مهاجرين متتابعين، فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش، ولم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد، حتى أغلقوا أبوابهم. وأغلقت أبواب بني البكير - وغير الكلبي يقول: بني أبي البكير - وأبواب بني مظعون. فمرّ عتبة بن ربيعة بدور بني جحش، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد، فتمثل قول الشاعر:
وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستلحقها النكراء والحوب
وبقي رسول الله ﷺ وعليّ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما، ليس معهم غيرهم، وأراد أبو بكر الهجرة، فسأله رسول الله ﷺ أن يحبس نفسه عليه. وكان قد علف راحلتين له ورق السمر أربعة أشهر. فلما أذن لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتى أبا بكر، فأعلمه الهجرة، فأعطاه إحدى تينك الراحلتين، وهي ناقة رسول الله ﷺ القصواء، من نعم بني قشير، فلم تزل عنده، وماتت في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج. ويقال بنقيع (^١) الخيل.
- قالوا: تناظرت قريش في أمر رسول الله ﷺ حين هاجر أصحابه، فقال أبو البختري العاص بن هاشم: نخرجه فنغيّب عنا وجهه ليصلح ذات بينها. وقال آخر: بل يقيد ويحبس حتى يهلكه، ثم فرق (^٢) رأيهم على أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا وسيطا، فيعطوه سيفا صارما، ثم يجتمع أولئك الغلمان فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف ما يصنعون، ولا يقوون على حرب
_________________
(١) - نقيع الخيل موضع قرب المدينة، كان لرسول الله ﷺ حماه لخيله، وله هناك مسجد يقال له مقمل، وهو من ديار مزينة. المغانم المطابة.
(٢) - أي اتضح واستقر.
[ ١ / ٣٠٦ ]
آلاف درهم. وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام.
- قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع، وإنما كان يسمى الأمين، فوكل عليا ﵇ بردّها على أهلها. فلما وفاهم إياها، شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده.
- قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسايلوه سايلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا: مواشينا شصص (^١). وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة.
أم معبد:
- ومرّ رسول الله ﷺ بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف الخزاعي، وهي امرأة أكثم بن الجون - والجون عبد العزى - بن منقذ الخزاعي. فأتت رسول الله ﷺ بشاة مصور (^٢) ليذبحها، فمسح ضرعها فإذا هي ذات درّ.
فقال رسول الله ﷺ: لا تذبحيها. فأتت بشاة أخرى، فذبحت وطبخ لحمها لهم. فأكل رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وابن أريقط. وسفّرتهم منها بما وسعته سفرتهم، وبقي عندها أكثر لحمها، وقالت أم معبد: لقد بقيت الشاة التي مسح رسول الله ﷺ ضرعها إلى عام الرمادة، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة، فكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وقال الشاعر في نزول رسول الله ﷺ بأم معبد:
_________________
(١) - في هامش الأصل: شاة شصص أي ذهب لبنها، يستوي فيه الواحد والجمع.
(٢) - في هامش الأصل: المصور التي تمصر لبنها وتحلب طلاطلا لأن لبنها بطيء الخروج.
[ ١ / ٣٠٧ ]
جميع قريش. وكان الذي أطلع لهم هذا الرأي شيخ من أهل نجد، ويزعمون أنه الشيطان. وأتى جبريل رسول الله ﷺ، فأخبره الخبر، وأنزل الله ﷿ عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (^١). وقوله «ليثبتوك» أي ليقيدوك. فأتى رسول الله ﷺ منزل أبي بكر، وأمر عليا فنام على فراشه. فلما دخلوا بيته وهم يرون أنه نائم على فراشه. فقام إليهم عليّ ﵇، فقالوا: أين ابن عمك؟ قال:
لا علم لي به. ويقال إنهم رموه وهم يظنون أنه نبي الله فلما قام، تركوه وسألوا عن النبي ﷺ فأخبرهم أنه لا علم له به.
- قالوا: وخرج النبي ﷺ وأبو بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، حتى أتيا غار ثور، فصارا فيه، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر، فيعزب بها ثم يبيت قريبا، ولا يبعد. فكانا يصيبان من رسلها (^٢). فاستأجر أبو بكر رجلا دليلا، يقال له عبد الله بن أريقط الديلي، من كنانة بن خزيمة. وصنع آل أبي بكر لرسول الله ﷺ وأبي بكر سفرة، وذبحت شاة وطبخ لحمها، وجعل في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، فقال رسول الله ﷺ: إنّ لها نطاقين في الجنة. فسميت «ذات النطاقين» ويروى أنه كان لها نطاق تنتطق به في منزلها، ونطاق تنتطق به إذا حملت الطعام لرسول الله ﷺ وأبي بكر، فقيل لها ذات النطاقين.
- قالوا: وبعثت قريش قائفين يقصّان آثار رسول الله ﷺ. أحدهما كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي. فاتّبعاه، حتى انتهيا إلى غار ثور. فرأى
_________________
(١) - سورة الأنفال - الآية:٣٠.
(٢) - في هامش الأصل: أي لبنها.
[ ١ / ٣٠٨ ]
آلاف درهم. وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام.
- قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع، وإنما كان يسمى الأمين، فوكل عليا ﵇ بردّها على أهلها. فلما وفاهم إياها، شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده.
- قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسايلوه سايلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا: مواشينا شصص (^١). وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة.