- وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، قال:
تكلمت العرب العاربة بالعربية حين اختلفت الألسن ببابل.
قال هشام: وأهل اليمن يقولون: أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان.
قال هشام: وأخبرني أبي، والشرقي:
أنّ أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم: إسماعيل ﵇ حين أتى مكة، وله أقل من عشرين سنة؛ ونزل بجرهم. فأنطقه الله بكلامهم، وكان كلامهم العربية.
قال هشام: وسمّت العرب إسماعيل: عرق الثرى، يريدون أنه راسخ، ممتدّ.
قال: وقال قوم: سمّي بذلك لأن أباه لم تضرّه النار، كما لا تضرّ الثرى.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن عدة من أهل الرواية، قالوا:
لما تفرق ولد نوح في الأرض حين قسمها فالغ بن عابر، وأخ له يقال له نوناطر، نزلت عاد الشّحر؛ وبه أهلكوا. ونزلت عبيل بناحية يثرب،
[ ١ / ١٠ ]
فأخرجتهم العماليق، بعد حين، من منزلهم. فنزلوا موضع الجحفة. فأتى عليهم سيل، اجتحفهم إلى البحر. فسمى الموضع الجحفة. وكان مع العماليق رجل من بني عبيل، فنجا. فقال، فيما يزعمون:
عين بكّى وهل يرجع … ما فات فيضها بالسجام
عمّروا يثربا وليس بها … شر ولا صارخ ولا ذو سنام
وقال الربيع بن خثيم: ملأت عاد ما بين الشام واليمن.
حدثني بذلك أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن الربيع قال:
إنّ عادا كانوا قد ملأوا ما بين الشام إلى اليمن؛ من دلّني على رجل من آل عاد، فله ما شاء. ونزلت العماليق في أول الأمر صنعاء اليمن. ثم انتقلوا إلى يثرب فنزلوها. وإنما سمّيت يثرب برئيس لهم، يقال له يثرب.
ثم انتقلوا إلى ناحية فلسطين من الشام. ومضت عامتهم إلى مصر، وناحية إفريقية. وتفرقوا بالمغرب. فالبرابرة منهم. والبرابرة اليوم يقولون: نحن بنو برّ بن قيس. وذلك باطل. وإنما غزا رجل من التبابعة، يقال له أفريقيس بن قيس بن صيفي الحميري إفريقية فافتتحها. فسميت به.
وسمع كلام هؤلاء العماليق، فقال: ما أكثر بربرتهم. فسموا البرابرة.
وأقام مع البرابرة: بنو صنهاجة، وكتامة من حمير. فهم فيهم اليوم.
ونزلت ثمود الحجر، بين الحجاز والشأم؛ وبه أهلكوا.
ونزلت طسم بين اليمن واليمامة.
ونزلت جديس بموضع اليمامة. وكانت اليمامة تعرف بجوّ؛ سمتها جديس بذلك. وكانت بين طسم وجديس حروب، أفنت جديس فيها أكثر طسم. فقال القائل:
[ ١ / ١١ ]
يا طسم ما لاقيت من جديس
ثم إن بقية طسم انضمّت إلى جديس باليمامة، فتوجه تبّع من اليمن، وقدم عبد كلال بن مثوب بن ذي حرث بن الحارث بن مالك بن عيدان، فقتل طسما وجديسا باليمامة، وصلب امرأة من جديس، يقال لها اليمامة بنت مرّ، على باب جوّ؛ فسميت جوّ اليمامة باسمها.
وقال حماد الراوية: منعت جديس خرجا كان عليها، فأخذت طسم بذنبهم. فقيل:
يا طسم ما لاقيت من جديس
والله أعلم.
ونزلت جاسم بالموضع الذي يدعى جاسم، بالشأم، وكانوا قليلا.
ونزل بنو تميم بين اليمن والحجاز. فدرجوا، حتى لم يبق منهم كبير أحد.
ونزلت جرهم بمكة وما حولها. وسموها صلاحا. ثم إنهم استخفّوا بحرمة البيت وأضاعوا حقّه، فوقع فيهم طاعون أهلك أكثرهم؛ حتى قويت خزاعة عليهم، وغلبت على البيت وأخرجتهم. فنزلوا بين مكة ويثرب، فهلكوا بداء يعرف بالعدسة إلا من سقط منهم في نواحي البلاد.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بوّأ الله لإبراهيم مكان البيت، وهو حذو البيت المعمور الذي يدعى الصراح. فبناه إبراهيم، ومعه ابنه إسماعيل. واستعانا بأولاد جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن، فعملوا معهما. وكانت منازل
[ ١ / ١٢ ]
جرهم بمكة وما حولها. فلما قبض الله ﷿ نبيه إسماعيل ﵇، قام بأمر البيت بعده قيذر بن إسماعيل، وأمه جرهمية. ثم نبت بن قيذر، ثم تيمن بن نبت، ثم نابت بن الهميسع بن تيمن بن نبت. فلما مات نابت، غلبت جرهم على البيت، فكانوا ولاته وقوّامه ما شاء الله. وتفرق ولد إسماعيل من العرب بتهامة، وفي البوادي والنواحي إلا من أقام حول مكة من ولد نزار، تبركا بالبيت. فلما أرسل الله جل وعز على ولد سبأ بمأرب ما أرسل من سيل العرم - وهو سدّ كان لهم بين جبلين - تفرقت الأسد (^١)؛ وانخزعت منها خزاعة، وهم ولد لحيّ بن حارثة، وأفصى بن حارثة بن عمرو، مزيقيا، فنزلوا بظهر مكة. فلم يزالوا يكثرون؛ وتقلّ جرهم لاستخفافهم بالبيت وفجورهم فيه، حتى غلبتهم خزاعة وألفافها على مكة، وطردوهم عنها. فدخل بعضهم في قبائل اليمن. ونزل بعضهم بين مكة ويثرب، فأصابهم الداء الذي يعرف بالعدسة، فهلكوا.
قال هشام: ومما يروى في خروج جرهم من مكة شعر عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع في واسط فجنوبه (^٢) … إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا … صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت … نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
وقال أيضا:
يا أيها الناس سيروا إنّ نظركم … أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
_________________
(١) - الأسد هم الأزد، قال الوزير المغربي في الايناس في علم الأنساب - ط: الرياض ١٩٨٠ ص ٥٧: «ويقال الأسد - بوزن العقل - وهو الأفصح، إلاّ أن الأول أكثر».
(٢) - وردت الشطرة بهذا الشكل وهي مختلة الوزن.
[ ١ / ١٣ ]
كنا أناسا كما كنتم فأسلمنا … دهر فأنتم كما كنا تكونونا
حثّوا المطي وأرخوا من أزمتها … قبل الممات وقضّوا ما تقضونا (^١)
وقال بعضهم:
واد حرام طيره ووحشه … نحن ولاته فلا نغشّه
وابن مضاض قائم يمشه … يأخذ ما يهدي له يفشه
ونزلت حضرموت مكانها من ناحية اليمن.
وقال هشام بن الكلبي: تزوج مرتع بن معاوية بن ثور - وثور هو كندي، وإليه تنسب كندة - امرأة من حضرموت. واشترط أبوها عليه أن لا يتزوج سواها، وأن لا تلد إلا في دار قومها. فلم يف بشرطه. فتحاكموا إلى الأفعى بن الحصين الجرهمي - ويقال إنه الأفعى بن الحصين بن تميم بن رهم بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكانت العرب تتحاكم إليه، وثبتوا عنده الشرط الذي كان شرط. فقال الأفعى: «الشرط أملك». وهو أول من قالها. فأخذ الحضرميون الامرأة وابنها من مرتع، واسمه مالك. فقال مرتع: أما مالك، ابني، فصدف عني. فسمى الصّدف. فمن كان من ولد مالك الصدف بن مرتع، ببلاد حضرموت، فهم ينسبون إلى كندة، ومن كان بالكوفة، فهم ينسبون إلى حضرموت.
ومن الحضرميين من أهل الكوفة: وائل بن حجر من الطبقة الأولى؛ أوس بن ضمعج مات بولاية بشر بن مروان؛ أبو الزعراء عبد الله بن هانئ؛ وائل بن مهانة؛ عبيس بن عقبة، كثير بن نمير، عبد الله بن الجليل؛ عبد الله بن يحيى، سلمة بن كهيل، مات سنة اثنتين وعشرين
_________________
(١) - انظر سيرة ابن هشام - تحقيقي - ط. بيروت ١٩٩٢ ج ١ ص ٨٢ - ٨٣.
[ ١ / ١٤ ]
ومائة حين قتل زيد بن علي ﵇ وقال أبو نعيم: مات يوم عاشوراء من هذه السنة - يحيى بن سلمة بن كهيل، وتوفي في خلافة موسى أمير المؤمنين (^١). أخوه محمد بن سلمة بن كهيل.
ومن أهل البصرة: يحيى بن إسحاق؛ عبد الله بن أبي إسحاق كان صاحب قرآن وخطب، ويكنى أبا بحر، يعقوب بن إسحاق الحضرمي المقرئ؛ أخوه أحمد بن إسحاق. يقال إنهم موالى العلاء بن الحضرمي، وهم من أهل البحرين.
ومن أهل الشأم: جبير بن نفير الحضرمي، يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم في خلافة أبي بكر، ومات سنة خمس وسبعين، ويقال في سنة ثمانين؛ كثير بن مرّة الحضرمي؛ أبو الزاهرية، واسمه جعفر بن كريب، ويقال إنه حميري، مات سنة تسع وعشرين ومائة، أبو لقمان الحضرمي، مات سنة ثلاثين ومائة، حاتم بن حريث، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة.
ومن أهل مصر: عبد الله بن عقبة بن لهيعة، مات في سنة أربع وسبعين ومائة؛ عون بن سليمان، مات في خلافة المهدي أمير المؤمنين.
وبمصر منهم جماعة.
- وقال محمد بن سعد: بالمدينة قوم من الحضرميين؛ لهم دار تعرف بدار الحضرمين في بني جديلة. ومولاهم بسر بن سعيد، مات في سنة مائة وهو ابن ثمان وسبعين سنة؛ وكان ينزل في دارهم بالمدينة.
- أخبرني محمد بن زياد الأعرابي الراوية، عن هشام بن محمد الكلبي.
_________________
(١) - موسى الهادي ١٦٩ - ١٧٠ هـ /٧٨٥ - ٧٨٦ م.
[ ١ / ١٥ ]
قال: من قبائل حضرموت تنعة؛ ولهيعة وهم اللهائع، وأكثرهم بمصر؛ وضمعج وهم الضماعج؛ وعلقمة، وهم العلاقم؛ والأدمون، والأربوع؛ والأملوك، غير الذي في حمير، وذو مرّان، ويقال إنهم الذين في همدان؛ وشعب، دخلوا في همدان فقالوا: شعب بن معدي كرب بن حاشد بن جشم، وهم رهط عامر بن شراحيل الشعبى؛ وشعبان، وهم في حمير، وكان يقال لشعبان عبد كلال، فلما انشعب من قومه قيل «شعبان»؛ ومرحب؛ وجعشم، وهم الجعاشمة؛ وأخدر؛ وهم الأخادرة؛ وسلع، وذو طحن؛ ووليعة، غير وليعة كندة؛ ووائل؛ وأنسى. قال بعضهم:
وجدّي الأنسويّ أخو المعالي … وخالي المرحبيّ أبو لهيعه
وردمان، وأشوع، وأحمر دخلوا في همدان، والأثروم؛ والأذمور رهط الصعبة بنت عبد الله بن عماد الحضرمي، أم «طلحة بن عبيد الله» المسمّى «صاحب رسول الله» ﷺ، ورهط عامر الحضرمي - حليف بني أمية - ابن عبد الله بن عامر الحضرمي صاحب معاوية، وكسروهم بناحية فلسطين، ورهط مسروق بن وائل أبي شمر الذي يقول:
وأكرم ندماني وأحفظ غيبه … وأملأ زق الشرب غير مشائط
ويقال إنه من الأدمون. ومن الحضرميين ميمون الحضرمي، صاحب بئر ميمون بمكة وعندها دفن أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور. ومنهم عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش. وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٦ ]