- قالوا: وأتى سيل ملأ ما بين الجبلين، ودخل الكعبة حتى تصدعت. فعزمت قريش على بنائها من أطيب أموالها وأحلهّا، فهدمتها، وأعادت بناءها، ورسول الله ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة. وكانت قريش قد
_________________
(١) - السير والمغازي لمحمد بن اسحق - تحقيقي - ط. بيروت ١٩٧٨ ص ٨١ - ٨٢.
[ ١ / ١٠٨ ]
أفردت ببناء كل ربع من أرباع البيت قوما. فكان لبني عبد مناف وبني زهرة ما بين ركن الحجر إلى الركن الأسود، وهو وجه البيت وفيه بابه. ولبني عبد الدار وبني أسد الشقّ الذي يلي الشأم. ولبني تيم بن مرّة وبني مخزوم الشقّ الذي يلي اليمن، ولسهم، وجمح، وعدي، وبني عامر بن لؤي ما بين الركن اليماني والركن الأسود، فبنى كل قوم ما صار لهم، وقيل أيضا إنّ ما بين الركن اليماني والركن الأسود كان لبني تيم وبني مخزوم؛ وأنّ ظهر الكعبة كان لبني جمح وسهم؛ وأن الشقّ الشأمي كان لبني عبد الدار وبني عدي بن كعب؛ وأن لبني عبد مناف وبني زهرة الشقّ الذي فيه الباب؛ وكان ذلك بقرعة بينهم.
فلما انتهوا إلى موضع الركن الأسود، اختلفوا فيمن يضعه وتشاحّوا عليه، فرضوا بأول من يدخل من الباب. فكان أولّ من دخل رسول الله ﷺ. فقالوا: الأمين، والله. ورضوا بأن وضعه. فبسط رسول الله ﷺ رداءه، ثم وضع الركن فيه، وقال: ليأت من كل ربع من قريش رجل.
فرفعوه. ثم وضعه بيده في موضعه.
حدثنا الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال:
لما انتهوا إلى حيث موضع الركن الأسود من البيت اختلفوا فيه. فقال أبو أمية بن المغيرة، واسمه حذيفة: يا معشر قريش اجعلوا بيننا أوّل من يدخل من هذا الباب، وأشار إلى الباب الذي نعرفه اليوم ببني شيبة، فدخل رسول الله ﷺ. فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين رضينا به. فبسط
[ ١ / ١٠٩ ]
رداءه ثم وضع الركن فيه، وقال: ليأت من كلّ ربع من أرباع قريش رجل، فرفعوه. ثم وضعه بيده في موضعه (^١).
- وقال الواقدي، عن خالد بن القاسم، عن أبي تجراة، عن أمه، قالت:
نظرت أنا إلى رسول الله ﷺ يضع الحجر بيده قلت: لمن الثوب الذي حمل فيه؟ قالت: للوليد بن المغيرة.
- قال الواقدي: ويقال إن الذي أشار بأن يضع الحجر أول من يدخل: أبو حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسمه مهشم. وأن الحجر وضع في كساء طاروني أبيض من متاع الشأم كان للنبي ﷺ. فلما وضع رسول الله ﷺ الحجر، احتاج إلى حجر يسند به الركن.
فذهب رجل من أهل نجد ليأتيه به، فقال: لا؛ وأمر العباس بن عبد المطلب. فأتاه بحجر، فأسنده به. فغضب النجدي، وقال: عمدتم إلى أصغركم سنا، وأقلكم مالا، فوليتموه هذه المكرمة. وكان يقال إنه إبليس.
- وقال أبو طالب في وضع الركن:
إنّ لنا أوله وآخره … في الحكم والعدل الذي تنكره
نحن عمرنا خيره وأكثره … لما وضعت إذ تماروا حجره