وكانت الوقعة يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال سنة ثلاث.
وكان سببها أن أبا سفيان قدم بعير قريش، فوقفها في دار الندوة. فلما رجع المشركون من بدر إلى مكة، مشت أشراف قريش إلى أبي سفيان بن حرب: الأسود بن المطلب بن أسد، وجبير بن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى، وحجير بن أبي إهاب، فقالوا: يا أبا سفيان، احتبس هذه العير فإنها أموال أهل مكة، وهم طيّبوا الأنفس بأن يجهزوا بما فيها جيشا كثيفا إلى محمد، فقد ترى من قتل من أبنائنا وعشائرنا.
ويقال: بل مشى أبو سفيان إلى هؤلاء الذين سمينا، وغيرهم.
فدعاهم إلى توجيه جيش إلى رسول الله ﷺ بأثمان ما في العير، فباعوا ما كان فيها بذهب العين، وتجهّزوا به، وقال بعضهم: إنهم تجهزوا بأرباح ما فيها، وكانوا يربحون للدينار دينارا.
وبعثوا إلى أربعة نفر من قريش - وهم عمرو بن العاص، وهبيرة بن
_________________
(١) - في هامش الأصل: بلغ العرض بأصل ثالث، ولله الحمد.
[ ١ / ٣٨١ ]
أبي وهب المخزومي، وابن الزبعرى، وأبو عزّة الجمحي واسمه عمرو بن عبد الله - فساروا في العرب يستنجدونهم ويستنصرونهم على رسول الله ﷺ.
وكان أبو عزّة كنانيا، امتنع من النفوذ لما وجهوه له، وقال: إنّ بلاء محمد عندي حسن: أطلقني يوم بدر بلا فداء. فلم يزالوا به حتى خرج، وهو يقول:
أيا بني عبد مناة الرزّام … أنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحلّ إسلام … لا يعدوني نصركم بعد العام
وخرج النفر، فجمّعوا جمعا من ثقيف وكنانة وغيرهم، وتوجّه المشركون إلى المدينة وخرجوا معهم بالظّعن. فأخرج أبو سفيان بن حرب هند بنت عتبة أم معاوية، وأميمة بنت سعيد بن وهب بن أشيم الكنانية امرأته. وأخرج صفوان بن أمية بن خلف الجمحي برزة بنت مسعود الثقفي، وهي أم عبد الله بن صفوان الأكبر، والبغوم بنت المعذّل الكنانية، وهي أم عبد الله بن صفوان الأصغر، وخرج طلحة بن أبي طلحة العبدري بامرأته سلافة بنت سعد بن شهيد الأوسية، وهي أم بني طلحة: مسافع والحارث، وكلاب، وجلاس الذين قتلوا يوم أحد. وخرج عكرمة بن أبي جهل بامرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وخرج الحارث بن هشام بامرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج عمرو بن العاص بن وائل السهمي بامرأته هند بنت منبّه بن الحجّاج السهمي، وهي أم عبد الله بن عمرو بن العاص. وخرجت خناس بنت مالك بن المضرّب مع ابنها أبي عزيز بن عمير، أخي مصعب بن عمير العبدري. وخرج الحارث بن سفيان بن عبد الأسد بامرأته رملة بنت طارق بن علقمة، من كنانة. وخرج كنانة بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بامرأته
[ ١ / ٣٨٢ ]
أم حكيم بنت طارق. وخرج سفيان بن عويف بامرأته قتيلة بنت عمرو بن هلال. وخرج النعمان، وجابر ابنا عمرو مسك الذئب الكناني بأمهما الدّغينة. وخرجت عمرة، التي رفعت اللواء حين قتل من قتل من بني عبد الدار يوم أحد، مع زوجها.
- وكان أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الراهب خرج في خمسين رجلا من الأوس حتى قدم بهم مكة. وذلك حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأقام مع قريش، ولم يسر معها إلى بدر، ولكنه سار معها إلى أحد، فقاتل المسلمين.
قالوا: وخرج نساء مكة، ومعهن الدفوف يبكين قتلى بدر وينحن عليهم.
ولما ورد المشركون يثرب، أقبلوا يرعون إبلهم زروع الأنصار وقد قرب إدراكها، وكان قدومهم يثرب يوم الخميس لخمس خلون من شوال، والحرب بعد ذلك بيومين. وكان جمع المشركين ثلاث آلاف بمن ضوى إلى قريش. وقادوا مائتي فرس. وكان فيهم سبع مائة دارع. ومعهم ثلاثة آلاف بعير.
فكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ يخبره بذلك ويقول له: «اصنع ما كنت صانعا إذا وردوا عليك، وتقدّم في استعداد التأهب».
وبعث بكتابه إليه مع رجل اكتراه من بني غفار. فوافي الغفاري رسول الله ﷺ وهو بقباء، فلما دفع كتاب العباس إليه، قرأه عليه أبيّ بن كعب، واستكتمه ما فيه، وأتى سعد بن الربيع فأخبره بذلك واستكتمه إياه. فلما خرج رسول الله ﷺ من عند سعد، أتته امرأته فقالت: ما قال لك رسول الله؟ فقال: وما أنت وذاك، لا أم لك. قالت: قد كنت أتسمع عليك،
[ ١ / ٣٨٣ ]
وأخبرت سعدا بما سمعت. فاسترجع وقال: أراك كنت تسمعين علينا.
وانطلق بها إلى رسول الله ﷺ، فأدركه فأخبره خبرها، وقال: يا رسول الله إني خفت أن يفشو الخبر فترى أني المفشئ له وقد استكتمتني إياه. فقال رسول الله ﷺ: خلّ عنها.
- قالوا: وتسلح وجوه الأوس والخزرج ليلة السبت، وحرس سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة رسول الله ﷺ، وباتوا ببابه في جماعة. وحرست المدينة، وخطب رسول الله ﷺ الناس يوم السبت، فقال: إني رأيت في منامي كأني في درع حصينة، وكأنّ سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته؛ ورأيت بقرا تذبح، ورأيت كأني أردفت كبشا. فسئل عن تأويلها، فقال: أما الدرع فالمدينة، فامكثوا فيها؛ وأما انقصام سيفي، فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح، فقتل في أصحابي، وأما الكبش المردف، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله.
وروى أيضا أنه قال: وأما انقصام سيفي، فقتل رجل من أهل بيتي.
وروي أنه قال ﷺ: ورأيت في سيفي فلاّ، فهو الذي ناله في وجهه.
وكان رأي ذوي الأسنان من الأنصار ومن رأى رأيهم من المهاجرين أن تجعل النساء والذراري في الآطام ويمكث المقاتلة في المدينة، وقالوا: نقاتلهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم، وأشار عبد الله بن أبيّ بمثل ذلك. فكرهه قوم لم يكونوا شهدوا بدرا، وتسرعوا إلى الخروج وبهشوا (^١) إليه، وقال قائلهم: هي إحدى الحسنيين: الظفر أو الشهادة؛ والله لا تطمع العرب في
_________________
(١) - في هامش الأصل: أي ارتاحوا.
[ ١ / ٣٨٤ ]
أن يدخل علينا منازلنا، ولا يظن ظانّ أنا هبنا عدونا فيجترئ علينا.
وخرج الناس بجدّ ونشاط. وقال إياس بن أوس بن عتيك: نحن بنو عبد الأشهل، وإنا لنرجو أن نكون البقر المذبح. وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة، أخو بني سالم: البقر المذبح قتلى من أصحابك وأنا منهم. وقال رسول الله ﷺ: «إنّ التثبط عجز، ومع الصبر النصر؛ فاصبروا فإن النصر معكم ما صبرتم».
- قالوا: ونزل ابن أبيّ ناحية من العسكر، وقال له قوم من أصحابه المنافقين: أشرت بالرأي، فلم يقبل منك وأطاع هؤلاء الغلمان الذين معه. فانصرف في ثلاث مائة، وهو يقدمهم كأنه هيق (^١)، وقال: ما ندري على ما نقتل أنفسنا. فلحقهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة في أناس من المسلمين وقالوا لهم: «ويلكم، ألا تستحيون؟ قاتلوا عن بيضتكم، وادفعوا عن حوزتكم». وقال عبد الله بن عمرو: ويحك لم ترض بأن انخزلت راضيا بالمدينة حتى ثبطت من ثبطت معك. فقالوا: لو نعلم قتالا لا تبعناكم، وما أسلمناكم. وأبوا أن يرجعوا. فأنزل الله فيهم:
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ،﴾ الآية (^٢). وشمت ابن أبيّ بمصاب من أصيب من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: أشرت عليه بالرأي فلم يقبله وقبل رأي الصبيان.
- وولىّ رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة بن سلمة الأنصاري الحرس، فكان يطوف حول العسكر وفي أعراضه في خمسين رجلا. وأدلج رسول الله
_________________
(١) - في هامش الأصل: الهيق: الظليم. أي ذكر النعامة.
(٢) - سورة آل عمران - الآية:١٦٧.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ﷺ للقاء المشركين، فمرّ بحائط لمربع بن قيظي، وكان أعمى منافقا، فقال: يا محمد إن كنت رسول الله كما تقول، فلا تدخل حائطي. وجعل يحثو التراب في وجوه المسلمين. فضربه سعد بن زيد بن مالك الأشهلي بقوس كانت معه، فشجّه. فغضب له ناس من بني حارثة بن الحارث، وهم قومه وكانوا على مثل رأيه. فهمّ بهم أسيد بن حضير حتى أومى إليه رسول الله ﷺ، فكفّ.
وكان مع المسلمين يوم أحد فرسان: فرس لرسول الله ﷺ، وفرس لأبي بردة بن نيار البلوي حليف الأوس. وكانت عدّة المسلمين ألف رجل.
ويقال: كانوا ضعفهم يوم بدر. وكان فيهم مائة دارع. وعرض رسول الله ﷺ حين أتى الشيخين غلمانا، منهم عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم، والبرآء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس بن قيظي، وأبو سعيد الخدري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج. فقال رافع: جعلت أتطاول؛ وقد قيل لرسول الله ﷺ إني رام، فأجازني. وقال سمرة لربيبه مريّ بن ثابت بن سنان الخزرجي، وهو زوج أمه: يا أبه، أجاز رسول الله رافع بن خديج وردّني. فقال مريّ: يا رسول الله، أجزت رافعا ورددت ابني وابني يصرعه. فقال رسول الله ﷺ: تصارعا. فصرع سمرة رافعا. فأجازه. وكانت أم سمرة امرأة من بني أسد.
وقال الكلبي: هي الكلفاء بنت الحارث، من بني فزارة. وقال الواقدي، ذكر بعض الرواة أنه أصاب رافعا يوم أحد سهم في ترقوته.
فكان إذا ضحك فاستغرب، ندى، فقال له رسول الله ﷺ: إن شئت دعوت الله لك فبرأت، وإن شئت تركته، فإذا متّ كنت شهيدا. فتركه.
[ ١ / ٣٨٦ ]
حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، ثنى عبد الله بن إدريس الأودي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال:
عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد فاستصغرني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
- وصفّ المشركون يوم أحد صفوفهم، وجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، وعلى الخيل صفوان بن أمية ويقال عمرو بن العاص، وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وكانوا مائة رام.
- وسوّى رسول الله ﷺ صفوف المسلمين وأقامها إقامة القدح، فلم يزل منكب عن منكب. واتخذ ميمنة وميسرة. وخطب الناس ورغبهم في الجهاد، وحثهم على الصبر واليقين والجدّ والنشاط، ودفع لواء المهاجرين إلى علي ﵇، ثم سأل عن لواء المشركين، فقيل: دفع إلى طلحة بن أبي طلحة. فقال: نحن أحق بالوفاء، فدفعه إلى مصعب بن عمير العبدري. وكان لواء الأوس مع أسيد بن حضير. ولواء الخزرج مع سعد بن عبادة، ويقال مع الحباب بن المنذر. وكان شعار النبي ﷺ يومئذ «أمت أمت». ورتّب رسول الله ﷺ الرماة، وجعل عليهم عبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية البركي الأوسي، أخا خوّات بن جبير صاحب ذات النّحيين. واستقبل رسول الله ﷺ المدينة وجعل أحدا وراءه. وقال للرماة، وهم خمسون: «الزموا مكانكم فلا تريموا، واحموا ظهورنا بنبلكم، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فأقيموا ولا تبرحوا». فجعلوا يرشقون المشركين: فما يقع سهم من سهامهم إلا في رجل أو فرس.
- قالوا: وكانت امرأة من بني شيبان قالت يوم قضّة، وهو من أيام
[ ١ / ٣٨٧ ]
بكر وتغلب ابني وائل ويدعى يوم التحالق:
إن تقبلوا نعانق … ونفرش النمارق