وبدر ماء كان ليخلد بن النضر، ويقال لرجل من جهينة. واسم الوادي الذي هو به يليل. وبين بدر والمدينة ثمانية برد. قالوا: وتحين رسول الله ﷺ انصراف العير التي خرج لها إلى ذي العشيرة من الشأم، فندب أصحابه لها وقال: هذه عير قريش قد أقبلت وفيها جلّ أموالهم، وكانت العير ألف بعير. وكان في العير أبو سفيان بن حرب، ومخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص وغيرهم من الوجوه، ولم يظنّ رسول الله ﷺ أنه يحارب.
فذلك قول الله ﵎: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (^١).
وكان خروجه من المدينة يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين، وأبطأ عن رسول الله ﷺ قوم من أصحابه إذ لم يحسبوا أنهم يحاربون، وهم أسيد بن حضير الأوسي، وسعد بن عبادة، ورافع بن مالك، وعبد الله بن أنيس، وكعب بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن. ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، هنّاه
_________________
(١) - سورة الأنفال - الآية:١٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
أسيد بنصر الله وإظهاره إياه على عدوه، واعتذر من تخلفه، وقال: إنما ظننت أنها العير ولم أظن أنك تحارب. فصدّقه رسول الله ﷺ. وكان خبيب بن إساف ذا بأس ونجدة، ولم يكن أسلم ولكنه خرج منجدا لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة. فقال له رسول الله ﷺ: لا يصحبنا إلا من كان على ديننا، فأسلم وأبلى. وعرض رسول الله ﷺ أصحابه حين برز من المدينة، فاستصغر عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد مولاه، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت فلم يجزهم. وردّ عمير بن أبي وقاص، فبكى، فأجازه، فكان سعد بن أبي وقاص أخوه يقول: لقد عقدت حمائل سيفه، وإنها لتقصر، وذلك لصغره، ووجه رسول الله ﷺ طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو يتحسسان (^١) خبر قريش والعير. فقدما المدينة ثم شخصا منها فلقيا رسول الله ﷺ وهو قافل، فضرب لهما بسهمهما في المغنم وبأجرهما، وضرب رسول الله ﷺ لعثمان بن عفان بسهمه وأجره، وكان خلفه على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وكانت مريضة مرضها الذي توفيت فيه. وضرب لبسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين بسهمهما وأجرهما، وبعث بهما ليعرفا خبر العير ومن فيها من قريش وهم ثلاثون رجلا، ومن فيها من غيرهم، وإلى أين بلغت. فعرفا ذلك. ثم أقبلا إلى المدينة ولم يشهد بدرا.
واستخلف على المدينة في هذه الغزاة أبا لبابة بن عبد المنذر، فضرب له بسهمه وأجره. وخلف عاصم بن عدي على قباء وأهل العالية، فضرب له بسهمه وأجره. وكسر خوّات بن جبير بالروحاء، فضرب له بسهمه
_________________
(١) - التحسس - بالحاء - هو أن تتسمع الأخبار بنفسك، والتجسس - بالجيم - هو أن تفحص عنها بغيرك.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وأجره. وأمر الحارث بن حاطب بأمر في بني عمرو بن عوف، فضرب له بسهمه وأجره. وكسر الحارث بن الصمة، فضرب له بسهمه وأجره، ويقال إنه ضرب لجعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة بسهمه وأجره؛ والثبت أنه ضرب لطلحة، وسعيد، والجهنيين، وعثمان، وأبي لبابة، وعاصم بن عدي، وخوّات. وكان مع المسلمين سبعون بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها: البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة، وكان بين النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة بعير. وكان بين حمزة ومرثد بن أبي مرثد حليفه، وأبي كبشه، وأنسة مولى رسول الله ﷺ بعير. وكان بين عبيدة، والطفيل، والحصين بني الحارث، ومسطح بن أثاثة ناضح ابتاعه عبيدة بن الحارث، من أبي داود الأنصاري ثم المازني. وكان بين عثمان، وبني مظعون بعير.
وكان مع المسلمين فرسان. أحدهما للزبير بن العوام، يسمى السيل.
والآخر للمقداد بن عمرو البهراني، ربيب الأسود بن عبد يغوث. ويقال إنه لم يكن للزبير فرس، وإنه كان لمرثد بن أبي مرثد فرس. ولم يختلفوا في فرس المقداد، ولا في أنه لم يكن مع المسلمين إلا فرسان، وكان يقال لفرس المقداد سبحة.
وقال الواقدي: كان المسلمون الذين أسهم لهم رسول الله ﷺ في غنائم بدر ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا (^١)، منهم الثمانية الذين لم يحضروا فأسهم لهم.
وحدثني عبد الواحد بن غياث البصري، ثنا حماد بن سلمة، أنبا حبيب بن الشهيد وهشام بن حسان عن عبيدة قال:
_________________
(١) - المغازي للواقدي ج ١ ص ١٠٠ - ١٠١.
[ ١ / ٣٤٦ ]
كان المسلمون يوم بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، منهم أربعون من قريش.
وحدثني عبد الواحد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة، عن عروة.
أن المشركين كانوا يوم بدر تسع مائة وخمسين رجلا.
وروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه قال:
كان جميع من شهد بدرا من المسلمين ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا، منهم من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا. قال الواقدي: والثبت أنهم كانوا ثلاث مئة وأربعة عشر، منهم من المهاجرين أربعة وسبعون، وسائرهم من الأنصار، وأنه لم يشهد بدرا إلا قرشي أو حليف لقرشي أو مولى له، والأنصاري أو حليف للأنصاري أو مولى لهم.
- قال: وكان مع المشركين مائة فرس؛ في بني مخزوم منها ثلاثون.
فنجوا منها بسبعين، صار في أيدي المسلمين ثلاثون، وكان معهم من الإبل سبع مائة بعير. وكان أصحاب الخيل دارعين، وهم مائة.
ولما بلغ أبا سفيان بن حرب طلب رسول الله ﷺ العير حين أبدى إلى الشأم، ثم بلغه ما هو عليه من طلبها، جعل يسير مما يلي البحر ويعمي أخباره، ووجه ضمضم بن عمرو الكناني، وكان معهم في العير، إلى مكة لينذر قريشا ويستصرخهم، وقد جدع أنف بعيره، وشق قميصه من قبل ودبر، فدخلها وهو ينادي: الغوث الغوث، ذهبت عيركم وما عليها.
واستنفر الناس، فنفروا على الصعب والذلول. وكان أبو سفيان قد اكترى
[ ١ / ٣٤٧ ]
ضمضما بعشرين دينارا حين بعثه. ويقال إنه بعثه من تبوك.
قالوا: وأخرجت قريش معها القيان بالدفوف: سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وعزّة مولاه الأسود بن المطلب، ومولاة لأمية بن خلف، فجعلن يتغنين في كل منهل. وخرجوا بالجيش يتقاذفون بالحراب بطرا ورياء للناس، كما قال ﵎ (^١). ونجا أبو سفيان وأصحابه، فبعث إلى قريش من الجحفة يعلمهم سلامته بما معه، وأنه لا حاجة بهم إلى التعرض لمحمد وأهل يثرب. فأبوا وقالوا: والله لا نطلب أثرا بعد عين، ولندعن محمد وصبأته لا يعودون إلى التعرض لأموالنا وتجاراتنا بعدها. وكان أبو جهل يشحذهم، ويحرّضهم، ويزعجهم للخروج. وامتنع أمية بن خلف الجمحي من الخروج إلى بدر، فأتاه أبو جهل وعقبة بن أبي معيط ومع أبي جهل، مكحل؛ ومع عقبة، مجمر - فقال له أبو جهل: اكتحل فإنما أنت امرأة. وقال له عقبة: تجمر فإنما أنت جارية في أريكة. وقال عتبة بن ربيعة، وكره الخروج، لأخية شيبة بن ربيعة: إن ابن الحنظلة - يعنى أبا جهل بن هشام - رجل مشؤوم، وليس يمسه من قرابة محمد ما يمسنا. فقال له شيبة: إنّ فارقنا قريش ورجعنا كان ذلك علينا سبة، يا أبا الوليد، فامض مع قومك.
قالوا: وقال أبيّ بن شريق الثقفي - حليف بني زهرة: يا بني زهرة إن الله قد سلّم عيركم، فارجعوا واعصبوا جبنها بي، فلما كان المساء، نزل عن بعيره، وقال لأصحابه: قولوا إنه قد نهش أبيّ. وخنس بهم راجعا، فسمى «الأخنس». ولم يشهد بدرا من كفار بني زهرة أحد، وفي ذلك يقول عدي ابن أبي الزغباء:
_________________
(١) - انظر سورة الأنفال - الآية:٤٧.
[ ١ / ٣٤٨ ]
أقم لها صدورها يا بسبس … إنّ مطايا القوم لا تحبّس
وحملها على الطريق أكيس … قد صنع الله وفرّ الأخنس
قالوا: وعدا بنو عدي بن كعب منصرفين إلى مكة، فلقيهم أبو سفيان بن حرب فقال: كيف رجعتم، فلا أنتم في العير ولا في النفير؟ فلم يشهد بدرا منهم أحد.
قال الواقدي: وقال عمر بن الخطاب: يا بني عدي فيكم خصال:
لم يشهد بدرا منكم أحد، ولم تفتح مكة ومنكم مشرك، وكان رجوع بني عدي من ثنية لفت (^١).
- قالوا: ورأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو بين النائم واليقظان، كأن رجلا أقبل على فرس ومعه بعير له، فوقف فقال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وعدّد رجالا من أشراف قريش ممن قتل يوم بدر، ثم ضرب في لبة بعيره وأرسله، فلم يبق خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. فبلغت الرؤيا أبا جهل، فقال: وهذا أيضا من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول إذا التقينا.
- وكان الحارث بن عامر بن نوفل أراد أن لا يسير إلى بدر، وذلك أنه كان صديقا لضمضم، فأشار عليه أن لا يفعل، فلم يدعه عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وبكتوه بالجبن، حتى خرج، وبكتوا أيضا حكيم بن حزام، وأبا البختري، وعلي بن أمية بن خلف بالجبن والضعف، حتى خرجوا، وكانوا أرادوا ألا يفعلوا.
- قالوا: ورفد المقلّ المكثر وأعانه، وقوّى سهيل بن عمرو جماعة من
_________________
(١) - هي بين مكة والمدينة، وإلى المدينة أقرب. المغانم المطابة.
[ ١ / ٣٤٩ ]
المشركين بحملانه وماله. وفعل زمعة بن الأسود مثل ذلك، وكان حنظلة وعمرو ابنا أبي سفيان يحرّضان، ولم يبذلا شيئا، وقالا: إنما المال مال أبي سفيان. وكان من المحرّضين طعيمة بن عدي، وأعطى حويطب بن عبد العزى قريشا ثلاث مائة دينار، ويقال مائتي دينار، فاشتري بها سلاح وظهر، ولم يتخلف أحد من قريش لعلة إلا وجه مكانه رجلا، فكان أبو لهب مريضا مرضه الذي مات فيه، فوجّه العاص بن هشام بن المغيرة على أن أبرأه من مال كان عليه، ويقال إنه كان لاعبه على امرأة مطلقة، فقمره، فأسلمه قينا بمكة؛ ثم لاعبه فقمره، فوجهه إلى بدر مكانه، ومات أبو لهب بعد وقعة بدر بأيام يسيرة.
- قالوا: وبعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى قريش يأمرها بالانصراف، فأبوا، ووجهوا عمير بن وهب الجمحي، فحزر المسلمين وما معهم، ثم أتاهم يعلم أمرهم.
- قالوا: ونزل رسول الله ﷺ أدنى بدر عشيّة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأمر فنودي: «أفطروا يا معشر العصاة»؛ وكان أمرهم أن يفطروا، فلم يفطر قوم منهم، وكان ﷺ مفطرا.
قالوا: واستشار رسول الله ﷺ الأنصار. فأشار عليه الحباب بن المنذر بن جموح أن ينزل على أدنى ماء من القوم ويغوّر ما سواه من القلب.
فوافق جبريل ﵇ فيما أتى به رسول الله ﷺ من ذلك. فقال له رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأي». فكان يدعى «ذا الرأي». واتخذ لرسول الله ﷺ عريش من جريد، فدخله وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، فكانا يتشاوران فيه، وكانت وقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين. وكان شعار النبي ﷺ يوم بدر «أمت أمت».
[ ١ / ٣٥٠ ]
ويقال كان شعار المهاجرين «بني عبد الرحمن»، وشعار الخزرج «بني عبد الله»، وشعار الأوس «بني عبيد الله».
وأمدّ الله رسوله ﷺ بالملائكة، وأظهره على المشركين، ونصره بالريح. فقال ﷺ: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور». وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصباء، فرمى به، وقال: «شاهت الوجوه».
فانهزموا.
ورأى أبو جهل عتبة بن ربيعة، فجبنه. فقال عتبة: يا مصفر استه، ستعلم أينا أجبن. وكشف عن عرقوب فرس أبي جهل، وقال:
«انزل، فما كل قومك راكب». ونزل عتبة، فدعا إلى البراز، فقتل.
وكان لواء رسول الله ﷺ يوم بدر مع مصعب بن عمير، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، وكان للمشركين ثلاثة ألوية: لواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، ولواء مع أبي عزيز بن عمير.
- قالوا: ولما تهيأ المسلمون للقتال، قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (^١)، ولكنا نقول: «اذهب فقاتل إنا معك مقاتلون». ويقال إنه قال ذلك حين ندب رسول الله ﷺ المسلمين للخروج إلى بدر.
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة في غزاة بدر بشير بن عبد المنذر بن زنبر الأوسي، وهو أبو لبابة. وبعضهم يقول: «بشير». وكان الذي أتى أهل مكة بخبر وقعة بدر الحيسمان بن إياس الخزاعي. والذي أتي أهل المدينة بخبرها زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ. وغنم رسول الله ﷺ
_________________
(١) - سورة المائدة - الآية:٢٤.
[ ١ / ٣٥١ ]
ذا الفقار سيفه، وكان للعاص بن منبه بن الحجاج السهمي، وهو الثبت.
ويقال: لمنبه، ويقال: لنبيه.
- قالوا: ولما مرّت قريش بإيماء بن رحضة، أهدى لقريش جزرا، وعرض عليها سلاحا، فقالوا: نحن مؤدّون، وقد بررت وجعلت. وأيماء كناني، من بني غفار. وكان أبو سفيان يكثر أن يقول: واقوماه، لقد شامهم ابن الحنظلية.
- قالوا: وقدم زيد المدينة حين سوّي التراب على رقية ابنة رسول الله ﷺ بالبقيع، فقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد، وكان رسول الله ﷺ خلفه مع عثمان بالمدينة على رقية: قتل صاحبكم ومن معه. وقال آخر منهم لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده، وقتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب. قال أسامة بن زيد:
فأتيت أبي، فكذّب قول المنافقين. وقدم شقران بالأسرى.
- وقال الواقدي: حدثني يزيد بن فراس الليثي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يزيد الليثي.
أن ابنا لحفص بن الأخيف، أحد بني معيص بن عامر بن لؤي، خرج يبغي إبلا له، وهو غلام في رأسه ذؤابة وعليه حلة وكان غلاما وضيئا، فمرّ بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوح بن يعمر، وكان بضجنان (^١). فقال: من أنت يا غلام؟ قال: ابن حفص بن الأخيف.
قال: يا بني بكر ألكم في قريش دم؟ قالوا: نعم. قال: ما كان رجل ليقتل هذا برجله إلا استوفى. واتبعه رجل من بني بكر، فقتله بدم كان له في قريش. فتكلمت فيه قريش. فقال عامر بن يزيد: «قد كانت لنا فيكم
_________________
(١) - جبل بناحية تهامة على بريد من مكة. معجم البلدان.
[ ١ / ٣٥٢ ]
دماء، فإن شئتم فأدّوا مالنا قبلكم، ونؤدّي إليكم ما كان فينا؛ وإن شئتم فإنما هو الدم رجل برجل؛ وإن شئتم فتجافوا عنا فيما فعلنا نتجاف عنكم فيما قبلكم». فهان ذلك الغلام على قريش، وقالوا: صدق، رجل برجل. فلم يطلبوا بدمه. فبينا أخوه مكرز بن حفص بن الأخيف بمّر الظهران إذ نظر إلى عامر بن يزيد، وهو سيد بني بكر، على جمل له، فقال: ما أطلب أثرا بعد عين. وأناخ بعيره، وهو متوشح بسيفه، فعلاه به حتى قتله. ثم أتى مكة، فعلق سيف عامر بأستار الكعبة. فلما أصبحت قريش، رأوا سيف عامر، فعرفوا أن مكرز بن حفص قتله لقول كان سمع من مكرز في ذلك، وجزعت بنو بكر بقتل سيدها، وكانت معدّة لتقتل من قريش سيدين أو ثلاثة. فإنهم لعلى ذلك حتى جاء النفير إلى بدر وهم على هذا، فخافوهم على من يخلفون بمكة من ذراريهم، حتى جاءهم إبليس في صورة سراقة بن [مالك بن] جعشم، فقال: أنا لكم جار من بني بكر فإني سيدهم، فقال أبو جهل: هذا سراقة سيد كنانة، وقد أجاركم وأجار من تخلف منكم. فشجع القوم، فخرجوا إلى بدر.
- فاستشهد ببدر من:
بني المطلب بن عبد مناف:
عبيدة بن الحارث، قتله شيبة بن ربيعة. فدفنه النبي ﷺ بالصفراء بذات أجدال.
ومن بني زهرة:
عمير بن أبي وقاص، قتله عمرو بن عبد ودّ.
وعمير بن عبد عمرو الخزاعي، وهو ذو الشمالين، حليف بني زهرة - ويقال هو عمير بن عبد عمرو بن نضلة - قتله أبو أسامة زهير بن معاوية الجشمي.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ومن بني عدي بن كعب:
عاقل بن البكير الكناني. وبعضهم يقول: ابن أبي البكير. والأول أصح، وهو حليف لبني عدي. قتله مالك بن زهير الجشمي.
ومهجع مولى عمر بن الخطاب، قتله عامر بن الحضرمي. فيقال إنه أول قتيل يوم بدر.
ومن بني الحارث بن فهر:
صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدي. ويقال إنه مات سنة ثمان وثلاثين.
ومن الأوس:
مبشر بن عبد المنذر، قتله أبو ثور.
سعد بن خيثمة، قتله عمرو بن عبد ودّ، ويقال طعيمة بن عدي.
ومن الخزرج:
حارثة بن سراقة، رماه حبّان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته.
وقوم يقولون: العزفة، وذلك تصحيف.
وعوف، ومعوذ ابنا عفراء بنت عبيد، وكانت عفراء عند الحارث بن رفاعة، فولدت له معاذا، ومعوذّا. ثم إنه طلقها، فتزوجها البكير بن عبد ياليل، فولدت له عاقلا، وعامرا، وخالدا، وإياسا. ثم رجعت إلى المدينة، فراجعها الحارث، فولدت له عوفا.
قال الواقدي: فقتل عوف ومعوّذ يومئذ، قتلهما أبو جهل.
وقال الكلبي: قتل معاذ ومعوّذ يومئذ، وبقى عوف، فجاءت أمهم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، بقى شر ولدي؟ فقال: لا. والولد في بني عفراء لعوف.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وعمير بن الحمام بن الجموح، قتله خالد بن الأعلم العقيلي حليف بني مخزوم الذي يقول:
لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدم
ورافع بن المعلى الزرقي، قتله عكرمة بن أبي جهل.
ويزيد بن الحارث بن فسحم - وذلك قول الواقدي. وقال الكلبي:
يزيد الشاعر بن الحارث بن قيس، أحد بني الحارث بن الخزرج. ويقال ليزيد: ابن «فسحم»، وهي أمه، وهي من بني القين بن قضاعة - قتله نوفل بن معاوية الديلي. وقوم يقولون إنّ أنسة مولى النبي ﷺ قتل يوم بدر.
وليس ذلك بثبت. والمجمع عليه أنه شهد يوم أحد، [وبقي بعد ذلك] ومات في خلافة أبي بكر.
- وقتل من المشركين، من:
بني عبد شمس بن عبد مناف:
حنظلة بن أبي سفيان، قتله علي بن أبي طالب.
الحارث بن الحضرمي، قتله عمار بن ياسر.
عامر بن الحضرمي، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
عمير بن أبي عمير، وابنه، موليان لهم، قتل سالم مولى أبي حذيفة عميرا.
عبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام.
العاص بن سعيد، قتله علي بن أبي طالب.
عقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بأمر رسول الله ﷺ بالصفراء صبرا، وكان أخذ أسيرا. وقال ابن الكلبي: قتل عقبة بعرق الظبية، وقال عقبة: من للصبية يا محمد؟ قال: النار. ويقال إنّ
[ ١ / ٣٥٥ ]
النبي ﷺ صلبه، فكان أول مصلوب في الإسلام. فرثاه ضرار بن الخطاب:
عين فابكي لعقبة بن أبان … فرع فهر وفارس الفرسان
وقال أيضا:
إذا اتصلت تدعو أباها لحارث … دعت باسم سيال العطاء زعوف
وهوب النجيبات المراقيل بالضحى … بأكوارها تجتاب كل تنوف
وعتبة بن ربيعة، قتله حمزة بن عبد المطلب.
وشيبة بن ربيعة، قتله عبيدة بن الحارث، وذفّف عليه حمزة وعليّ ﵉.
الوليد بن عتبة، قتله عليّ.
عامر بن عبيد الله حليف لهم، قتله علي، ويقال سعد بن معاذ الأنصاري.
- ومن بني نوفل بن عبد مناف:
الحارث بن عامر بن نوفل. قتله خبيب بن إساف، وهو الذي قال النبي ﷺ: «من لقيه فليدعه لأيتام بني نوفل بن عبد مناف». وفيه نزلت:
﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ (^١).
طعيمة بن عدي بن نوفل، قتله حمزة. وكان طعيمة يكنى أبا الرّيان، وأسر يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله، فقتله حمزة صبرا.
- ومن بني عبد العزى بن قصيّ:
زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، قتله أبو دجانة؛ ويقال:
ثابت بن الجذع؛ وولده يقولون: الجدع.
_________________
(١) - سورة القصص - الآية:٥٧.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله علي بن أبي طالب.
عقيل بن الأسود بن المطلب، قتله حمزة وعلي شركاء فيه؛ ويقال علي وحده.
أبو البختري العاص بن هاشم، قتله المجذّر بن ذياد البلوي؛ ويقال أبو داود المازني، من الأنصار؛ ويقال أبو اليسر.
نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن العدوية، قتله علي بن أبي طالب.
- ومن بني عبد الدار:
النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب صبرا بالأثيل بأمر النبي ﷺ، وكان الذي أسره المقداد بن عمرو.
زيد بن مليص مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله علي بن أبي طالب؛ ويقال بلال.
- ومن بني تيم بن مرة:
عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، قتله علي بن أبي طالب؛ ويقال صهيب.
- ومن بني مخزوم:
أبو جهل بن هشام. سماه رسول الله ﷺ «فرعون هذه الأمة». ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح، فقطع رجله، وضربه أحد بني عفراء ضربة.
ويقال ضرباه جميعا. ونفّل رسول الله ﷺ معاذ بن عمرو سيف أبي جهل، فهو عند ولده. وفيه يقول حسان بن ثابت:
الناس كنوه أبا حكم … والله كنّاه أبا جهل (^١)
_________________
(١) - ديوان حسان بن ثابت ج ١ ص ٢٦١ مع فوراق.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن ربيع بنت معوذ قالت:
دخلت في نسوة من الأنصار على أسماء بنت مخرّبة، أم أبي جهل، في خلافة عمر بن الخطاب، وكان ابنها عبد الله بن أبي ربيعة يبعث لها بعطر من اليمن، فكانت تبيعه إلى الأعطية، فكنا نشتري منها. فقالت لي: وإنك لابنة قاتل سيده؟ قالت: قلت: لا، ولكني ابنة قاتل عبده، فقالت:
والله لا أبيعك شيئا أبدا.
وأمر رسول الله ﷺ حين وضعت الحرب أوزارها أن يلتمس أبو جهل. قال ابن مسعود: فوجدته مرتثا في آخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه، وقلت: الحمد الله الذي أخزاك. فقال: إنما أخزى الله ابن أم عبد، أرويعينا بالأمس، لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم؛ لمن الدائرة؟ قلت: لله ولرسوله. قال: فأقتلع بيضته عن قفاه؛ وقلت: إني قاتلك يا أبا جهل. قال: لست بأول عبد قتل سيده؛ أما إنّ أشد شيء لقيته اليوم في نفسي لقتلك إياي وألا يكون ولي قتلي رجل من الأحلاف أو المطيّبين. فضربه عبد الله فوق رأسه بين يديه، ثم سلبه، وأقبل بسلاحه ودرعه وبيضته، فوضع ذلك بين يدي رسول الله ﷺ، وقال: أبشر يا نبي الله بقتل عدو الله أبي جهل. فقال: «والله لذلك أحب إليّ من حمر النعم»، أو كما قال ﷺ. ورأى عبد الله بجسده خضرة، فوصفها للنبي ﷺ.
فقال: ذلك ضرب الملائكة. وقد يقال إنّ ابني عفراء لما ضربا أبا جهل، لم يقتلهما حتى جرحاه. فقال رسول الله ﷺ، ووقف على مصرع ابني عفراء:
«رحمهما الله، فقد شركا في قتل فرعون هذه الأمة». وقيل إنّ الملائكة قتلت أبا جهل مع ابني عفراء، وذفّف عليه ابن مسعود. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٥٨ ]
العاص بن هشام بن المغيرة، قتله عمر بن الخطاب.
يزيد بن تميم حليف لهم، قتله علي بن أبي طالب.
أبو مسافع الأشعري حليف لهم، قتله أبو دجانة.
حرملة بن عمرو، قتله علي بن أبي طالب.
أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، قتله علي.
أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله حمزة؛ ويقال الحباب بن المنذر.
مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.
رفاعة بن أبي رافع،- وهو أمية - بن عائذ، قتله سعد بن ربيع.
أبو المنذر بن أبي رفاعة، قتله معن بن عدي أخو عاصم بن عدي.
عبد الله بن أبي رفاعة، قتله علي.
زهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد الساعدي.
السائب بن أبي رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف.
السائب بن أبي السائب - واسمه صيفي - بن عابد، قتله الزبير.
الأسود بن عبد الأسد، قتله حمزة.
حليفان لهم من طيئ، أحدهما، عمرو بن سفيان، قتله يزيد بن رقيش الأسدي؛ والآخر جبّار بن سفيان، قتله أبو بردة بن نيار.
جابر بن السائب بن عويمر بن عائذ، قتله علي بن أبي طالب. وقال الكلبي: قتل جابرا هذا، وأخاه عويمرا جميعا علي بن أبي طالب.
عويمر بن عمرو بن عائذ، قتله النعمان بن أبي مالك.
- ومن بني جمح:
أمية بن خلف، قتله خبيب بن إساف وبلال؛ ويقال: قتله رفاعة بن رافع.
[ ١ / ٣٥٩ ]
علي بن أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر.
أوس بن المعبّر بن لوذان، قتله عثمان بن مظعون وعلي جميعا؛ ويقال عثمان وحده.
- ومن بني سهم:
منبه بن الحجاج، قتله أبو اليسر؛ ويقال عليّ؛ ويقال أبو أسيد الساعدي.
نبيه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب.
العاص بن منبه، قتله علي بن أبي طالب.
أبو العاص بن قيس بن عدي، قتله أبو دجانة؛ ويقال علي ﵇.
عاصم بن أبي عوف بن صبيرة، قتله أبو دجانة.
- ومن بني عامر بن لؤي:
معاوية بن عبد قيس حليف لهم، قتله عكّاشة بن محصن.
معبد بن وهب حليف لهم من كلب، قتله أبو دجانة.
وقتل عمرو بن الحضرمي: كعب بن زيد النجاري؛ والثبت أنه قتل في سرية ابن جحش.
- وكان ممن أسر يوم بدر:
عقيل بن أبي طالب، أسره عبيد بن أوس الظفري، وأسر عمه.
العباس، فافتداه.
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أسره جبار بن صخر.
والسائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة، أسرهما سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي، فأطلقهما النبي ﷺ بلا فدية.
[ ١ / ٣٦٠ ]
عقبة بن أبي معيط، أسره عبد الله بن سلمة العجلاني.
الحارث بن أبي وحرة.
- ويقال: أحرة بن أبي عمرو بن أمية، أسره سعد بن أبي وقاص، فقدم في فدائه الوليد بن عقبة فافتداه بأربعة آلاف درهم.
عمرو بن أبي سفيان بن حرب، صار في سهم النبي ﷺ، فأرسله بغير فدية؛ وكان الذي أسره علي ﵇، وكان سعد بن أكال، من بني أمية، من الأوس، أتى مكة معتمرا، فأخذه أبو سفيان فحبسه بمكة، وقال: لا أخليه حتى يخلي سبيل عمرو، وقال في ذلك:
أرهط ابن أكّال أجيبوا دعاءه … تفاقدتم لا تتركوا السيد الكهلا
فإنّ بني عمرو لئام أذلة … لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا
فخلى رسول الله ﷺ سبيل عمرو بن أبي سفيان، وخلى أبو سفيان، ابن أكال. وقال بعضهم: هو سعد بن النعمان بن أكال. وقال الكلبي:
هو زيد بن أكال بن لوذان بن الحارث بن أمية بن زيد بن مالك.
وأبو العاص بن الربيع، أسره خراش بن الصّمّة، فقدم في فدائه عمرو بن الربيع أخوه.
وعمرو بن الأزرق، افتكه عمرو بن الربيع.
أبو العاص بن نوفل بن عبد شمس أسره عمار بن ياسر.
عثمان بن عبد شمس، وهو ابن أخي عتبة بن غزوان، حليف.
أبو ثور، افتداهما جبير بن مطعم؛ وكان الذي أسر أبا ثور: مرثد الغنوي.
أبو عزيز بن عمير، أخو مصعب، أسره أبو اليسر؛ ويقال غيره.
فقال مصعب للذي أسره: اشدد يدك به فإنّ أمه موسرة. فقال له: هذه
[ ١ / ٣٦١ ]
وصاتك بي يا أخي؟ قال: هذا أخي دونك، فافتدي بأربعة آلاف.
عدي بن الخيار، أسره خراش بن الصمة.
الأسود بن عامر بن الحارث بن السباق، قدم في فدائه طلحة بن أبي طلحة.
السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن أسد، أسره عبد الرحمن بن عوف.
الحويرث بن أسيد، أسره حاطب بن أبي بلتعة.
مالك بن عبيد الله بن عثمان، من بني تيم، أخو طلحة، أسره قطبة بن [عامر بن] حديدة، فمات بالمدينة أسيرا.
أمية بن المغيرة بن حذيفة، أسره بلال.
عثمان بن عبد الله بن [أبي] أمية بن المغيرة، أسر يوم نخلة، فأفلت، فأسره واقد بن عبد الله التميمي يوم بدر، فقال: الحمد الله الذي أمكنني منك فقد كنت أفلت في المرة الأولى؛ فافتداه عبد الله بن أبي ربيعة بأربعة آلاف.
الوليد بن الوليد بن المغيرة، أسره عبد الله جحش الأسدي، فقدم في فدائه خالد بن الوليد، وهشام فافتكاه بشكة دابته ثم أفلت وأسلم؛ ويقال أسره سليط بن قيس.
صيفي بن أبي رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، لم يكن له مال، فمكث عند الذي أسره، ثم أطلقه.
وأسر أبو أيوب الأنصاري المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، ولم يكن له مال فأرسله بعد حين.
[ ١ / ٣٦٢ ]
خالد بن الأعلم العقيلى حليف بني مخزوم، قدم عكرمة بن أبي جهل في فدائه، وكان الذي أسره الحباب بن المنذر بن الجموح.
وأسر فروة بن عمرو البياضي: عبد الله بن أبيّ بن خلف، فقدم أبوه في فدائه.
وأسر أبو عزّة الجمحي، فمن عليه النبي ﷺ وأحلفه أن لا يكثر عليه جمعا، وأرسله بغير فدية، فأسر يوم أحد، فضرب عنقه.
وأسر سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم بن مالك بن الدخشم بن مرضخة بن غنم - وهو قوقل - بن عوف بن الخزرج.
فقال مالك:
أسرت سهيلا فلن أبتغى … به غيره من جميع الأمم
وخندف تعلم أن الفتى … سهيلا فتاها إذا تظّلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى … وأكرهت نفسى على ذي العلم (^١)
فقدم في فداء سهيل، مكرز بن حفص بن الأخيف، فأرضى مالكا ودفع إليه أربعة آلاف درهم من مال سهيل، وحبس مكرز مكانه حتى بعث بالمال من مكة، ولما أسر سهيل وقدم به المدينة، رآه أسامة بن زيد فقال:
«يا رسول الله هذا الذي كان يطعم الناس السريد». يعني الثريد. ورأته سودة بنت زمعة، وهو في القيد ويده إلى عنقه، فلم تملك نفسها أن قالت:
أبأبي يزيد فعل هذا؟ ثم قالت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، هلا متم كراما؟ فقال رسول الله ﷺ: يا سودة، أعلى الله ورسوله؟! فقالت:
والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيته على هذه الحال؛ فاستغفر
_________________
(١) - في هامش الأصل: كان سهيل أعلم الشفة السفلى. انظر نسب قريش للمصعب الزبيري ص ٤١٧ - ٤١٩.
[ ١ / ٣٦٣ ]
لي يا رسول الله. فقال: يغفر الله لك، وقال عمر: يا رسول الله، هذا سهيل خطيب قريش؛ أفأنزع ثنيته فلا يقوم خطيبا بك أبدا؟ فقال: دعه، فعسى أن يقوم مقاما تحمده، وينفع الله به. فأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه؛ فلما قبض النبي ﷺ، كان عتاب ابن أسيد على مكة، فقام سهيل فقال: يا أيها الناس أنا أكثر قريش قتبا (^١) في برّ، وجارية في بحر، فأقرّوا أميركم وأعطوه صدقاتكم وأنا ضامن إن لم يتم الأمر أن أردّها إليكم.
وبكى، وسكن الناس، ورجع عتاب. فلما كانت خلافة عمر، أتاه سهيل، والحارث بن هشام، ليسلما عليه، فقدّم قبلهما صهيبا وعمارا.
فغضب الحارث بن هشام من ذلك. فقال سهيل: دعينا ودعوا، فأجابوا وأبطأنا ثم نغضب أن يقدموا علينا؛ فأما إذا فاتنا الجهاد مع رسول الله ﷺ، فإنا نطلبه بعده. فخرجا إلى الشأم مجاهدين، فماتا هناك.
قال الواقدي: رمى سعد سهيلا، فأصاب بنساه (^٢)؛ وجاء مالك فأسره.
وحدثني مصعب بن عبد الله، عن أشياخهم قال:
رأى أسامة بن زيد سهيلا، فقال: «هذا الذي كان يطعم الثريد بمكة». فقال رسول الله ﷺ: «هذا أبو يزيد الذي كان يطعم الطعام، ولكنه سعى في إطفاء نور الله فأمكن الله منه». وكان لما أسر، هرب، فخرجوا في طلبه، فوجده النبي ﷺ بين سمرات. فأمر به، فربطت يده إلى عنقه وجنّب إلى راحلته. وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
يا با يزيد رأيت سيبك واسعا … وسماء جودك تستهلّ فتمطر (^٣)
_________________
(١) - أي أكثر الناس جمالا، فالقتب هو الرحل الذي يوضع على الجمل.
(٢) - أي أصابه بوركه.
(٣) - ديوان أمية بن أبي الصلت - ط. دمشق ١٩٧٧ ص ٣٩٣.
[ ١ / ٣٦٤ ]
-قالوا: وقال عمير بن وهب بن خلف الجمحي لصفوان بن أمية؛ لولا دين علىّ وعيال، لأتيت محمدا فقتلته، فقد عظمت المصيبة بمن قتل من السادة يوم بدر، فإنه بلغني أنه يطوف في الأسواق. فضمن له صفوان قضاء دينه وأمر عياله، فمضى حتى أتى المدينة مكتتما، فأناخ راحلته على باب المسجد وعقلها، وتقلد سيفه وكان قد شحذه وسمّه، ثم عمد نحو النبي ﷺ. فنظر إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لمن عنده: دونكم الكلب فهذا عدوّ الله حرّش بيننا يوم بدر وحزرنا للقوم. فأخذه عمر، فانطلق به إلى النبي ﷺ، وقال: هذا عمير بن وهب دخل المسجد ومعه سلاحه، وهو الغادر الخبيث، فقال له النبي ﷺ: ما أقدمك؟ قال: قدمت في ابني وهو أسير عندكم لتقارنونا فيه. قال النبي ﷺ: فما هذا السيف؟ قال: «لعنها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟ إنما نسيته في رقبتي حين نزلت». فقال: اصدقني فيما قدمت قال: قدمت بسبب أسيري وهب بن عمير بن وهب. قال: «فما شرطت لصفوان وما اشترطت عليه؟ فقد ضمنت له قتلي على أن يقضي دينك، ويعول عيالك. والله حائل بينك وبين إرادتك». فقال عمير: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. هذا والله وحي السماء. والله ما سمع هذا من صفوان أحد سواي، وما سمعه مني أحد». فأطلق رسول الله ﷺ أسيره. وأتى عمير مكة، فلم يقرب صفوان، وأظهر الإسلام، ودعا إليه. ووقف عليه عمير، وهو في الحجر، فلم يكلمه. وتشهد عمير وقال له: أهذا دين: عبادة حجر والذبح له؟ فلم يكلمه صفوان. وشهد عمير بن وهب يوم أحد مع النبي ﷺ، وبقي إلى بعد خلافة عمر بن الخطاب. ويكنى أبا أمية. ويقال إنّ وهب بن عمير
[ ١ / ٣٦٥ ]
هو الضامن لصفوان ما ضمن، وأن أباه عمير بن وهب كان الأسير، والأول أثبت.
- وروى الواقدي، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال:
كان الأسرى سبعين، والقتلى سبعين. وروى مثل ذلك عن ابن عباس. وروي عن الزهري أنه قال: كان الأسرى يوم بدر أكثر من سبعين، والقتلى أكثر من سبعين أيضا (^١).
وروى الواقدي، عن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة قال:
أسر يوم بدر أربعة وسبعون رجلا، وكان عبد الرحمن من بني مبذول، من الخزرج. وقال طالب بن أبي طالب في يوم بدر - وقوم يزعمون أنها لامية بن أبي الصلت - وكان طالب قد شهد بدرا، ثم انصرف راجعا فلم يسمع له بذكر مع قريش:
فجّعتني المنون الجلة الحم … س ملوك لدى الحجون صباح
إن كعبا وعامرا قد أبيحت … يوم بدر يوم ذات الطماح
شيّب الرأس أنني كلما … مشيت سمعت الأنين بالأنواح
وفتاة تدعو غلاما نجيبا … سرّحت قبل يومها بسراح
أصبحت مكة الحرام حلالا … من لؤي وغالب والبطاح (^٢)
وقال أمية بن أبي الصلت:
هلا بكيت على الكرا … م بني الكرام أولي الممادح
_________________
(١) - مغازي الواقدي ج ١ ص ١٤٤.
(٢) - ليست في ديوان أمية المطبوع.
[ ١ / ٣٦٦ ]
كبكا الحمام على فرو … ع الأيك بالصبح الجوانح
يبكين حرى ذات أشجا … ن يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكيا … ت المعولات من النوائح
ماذا ببدر فالعقن … قل من مرازبة جحاجح (^١)
كسب مطاعيم مطاعين … ملاوذة مناجح
المطعمين الشحم فو … ق الخبز شحما كالأنافح
لله درّ بني علي … أيّم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة شع … واء تحجر كل نابح (^٢)
وقال حسان يهجو أبا جهل:
ألا لعن الرحمن قوما يحثهم … دعيّ بني شجع لحرب محمد
مشوم لعين قد تبين جهله … قليل الحياء أمره غير مرشد
فأنزل ربي نصره لرسوله … وأيده بالعزّ في كل مشهد (^٣)
وقال شدّاد بن الأسود الليثي ثم الشجعي يبكي قتلى قريش يوم بدر:
دعيني أصطبح يا بكر إني … رأيت الموت نقّب عن هشام
ونقب عن أبيك أبي يزيد … أخي القينات والشّرب الكرام
فكم لك بالطويّ طويّ بدر … من الخيرات والدسع (^٤) العظام
وكم لك بالطويّ طويّ بدر … من الرغبات والنعم الجسام
_________________
(١) - العقنقل: الوادي العظيم المتسع والكثيب المتراكم: القاموس، ويتوافق هذا مع موقع معركة بدر الذي لم يتغير حتى الآن. والجحاجح جمع جحجاح وهو السيد.
(٢) - ديوان أمية ص ٣٤٥ - ٣٥١ مع فوارق.
(٣) - ديوان حسان ج ١ ص ١٤٤ مع فوارق واضحة.
(٤) - الدسع: العطايا.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وماذا بالقليب قليب بدر … من الشيزي (^١) تكلل بالسنام
ألا من مبلغ الأقوام عني … بأني تارك شهر الصيام
يخبّرنا الرسول بأن سنحيا … وكيف حياة أصداء وهام
وقال أمية بن أبي الصلت:
عين بكّي بالمسبلات أبا العا … صي ولا تجمدي على زمعه
وبكّي توكلا إذا احتدم البأ … س ليوم الهياج في الدمعه
قتلى كرام لفقدهم خوت الجو … زاء لا خانة ولا خدعه
قوم هم الهامة الوسيطة من كع … ب وفيهم كذروة القمعه
أمسى بنو عمهم إذا ذكر البأ … س عليهم أكبادهم وجعه (^٢)
وقال عبد الله بن الزبعرى السهمي:
ماذا ببدر ثم ماذا حوله … من فتية بيض الوجوه كرام
تركوا نبيها عندها ومنبها … وابني ربيعة خير خضم فئام
والعاص وابن منبه ذا مرة … رمحا طويلا غير ذي أوصام
تنمي به أعراقه وجدوده … ومآثر الأخوال والأعمام
والحارث الفياض يبرق وجهه … كالبدر أشرق ليلة الإظلام
فإذا بكى باك فأعول شجوه … فعلى الرئيس الماجد ابن هشام (^٣)
وفي بدر شعر كثير سوى هذا. فمنه ما يصحح ومنه ما لا يصحح.
- حدثني محمد، عن الواقدي قال:
شهد بدرا عبيدة، وحصين، وطفيل بنو الحارث، ثلاثة إخوة.
_________________
(١) - الشيزي: خشب أسود تتخذ منه القصاع.
(٢) - ديوان أمين بن يبي الصلت ص ٤١٧ - ٤١٨ مع فوارق. سيرة هشام ج ١ ص ٥٥٧.
(٣) - شعر عبد الله بن الزبعرى - ط. بيروت ١٩٨١ ص ٤٦ - ٤٧. سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٤٣ - ٥٤٤.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وعكّاشة بن محصن، وأخوه أبو سنان بن محصن. وشجاع، وعقبة ابنا وهب. ومدلاج، وثقاف ابنا عمرو السلميان، وكانا حليفي بني أسد بن خزيمة، فصارا في حلف بني عبد شمس مع بني أسد. وعمر، وأخوه زيد بن الخطاب.
[ ١ / ٣٦٩ ]