قالوا: أري عبد المطلب في منامة أن يحتفي زمزم ويحتفرها، ودلّ على موضعها، وكانت جرهم دفنتها عند إخراج خزاعة إياها عن مكة. فقال له قائل: «زمزم، وما زمزم؟ هزمة جبريل برجله (^١)، وسقيا إسماعيل وأهله.
زمزم البركات، تروي الرفاق الواردات. شفاء سقام، وخير طعام».
فاحتفرها، ووجد فيها سيوفا مدفونة، وحليّا، وغزالا من فضّة وذهب مشنّفا بالدرّ. فعلقه في الكعبة، حتى سرق بعد. قالت صفية بنت عبد المطلب:
نحن حفرنا للحجيج زمرم … سقيا الخليل وابنه المكرم
هزمة جبريل التي لم تذمم … شفاء سقم وطعام مطعم
- وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، قالا ثنا محمد بن عمر، قال:
سألت عبد الله بن جعفر: متى كان حفر عبد المطلب زمزم؟ فقال:
وهو ابن أربعين سنة. قلت: فمتى كان أراد ذبح ولده؟ قال: بعد ذلك بثلاثين سنة. قلت: قبل مولد النبي ﷺ؟ قال: أجل، وقبل مولد حمزة.
قلت: فإن بعض الرواة يزعم أنه أتى لعبد المطلب مائة وعشر سنين. قال:
لم يبلغ ذلك. قلت: ما كان سبب نذره أن يذبح ولده؟ قال: نازعته قريش حين حفر زمزم، وليس له يومئذ من الولد إلا الحارث وحده. فقال له عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو «المطعم»: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذّ (^٢) لا ولد لك؟ قال عبد المطلب: أتقول هذا وإنما كان نوفل،
_________________
(١) - هزمه: غمزه بيده فصارت فيه حفرة. القاموس.
(٢) - الفذ: الفرد. القاموس.
[ ١ / ٨٦ ]
أبوك، في حجر هاشم؟ - لأن هاشما كان خلف على أمه واقدة نكاح مقت-.
فقال له عدي: وأنت أيضا فقد كنت عند أخوالك من بني النجّار حتى ردّك عمك المطّلب. قال: أبا لقلّة تعيرني؟ فو الله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرنّ أحدهم عند الكعبة. فآتاه الله عشرة. فأقرع بينهم. فوقعت القرعة على عبد الله، أبي رسول الله ﷺ، وكان أحبّ الناس إليه. فقال:
اللهم، أهو أم مائة من تلاد إبلي؟ فأقرع بينه وبين مائة من إبله، فوقعت القرعة على المائة، فنحرها، فاقتسمها في فقراء مكة ومن ورد من الأعراب.
قال: قلت: فإن بعض الرواة يقول: «تكاءد (^١) عبد المطلب حفر زمزم، فقال: لئن تمّ حفرها، لأنحرنّ بعض ولدي»؟ فقال: «ما أدري ما هذا. ولقد روي». وقال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل، مات الحارث بن عبد المطلب ولابنه ربيعة سنتان (^٢).
- قال الواقدي: وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين؛ فكان ربيعة أسنّ من رسول الله ﷺ بسبع سنين.
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده قال:
تزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي أم حمزة بن عبد المطلب، ولدته قبل مولد رسول الله ﷺ بأربع سنين أو نحوها.
ثم زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف، فولدت له رسول الله
_________________
(١) - تكأد الشيء: تكلفه وكابده، وتكأدني الأمر: شق علي، كتكاءدني. القاموس.
(٢) - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ٨٣ - ٨٨ مع فوارق واضحة.
[ ١ / ٨٧ ]
ﷺ، ولما خطبها عبد المطلب على عبد الله، فأجيب إلى تزويجه إياها، انطلق به ماضيا إلى بني زهرة. فمرّ بامرأة من خثعم، يقال لها فاطمة - وكان فتيان قريش يتحدثون إليها، وكانت عفيفة؛ ويقال إنها كانت من بني أسد بن خزيمة - وكانت تعتاف وتنظر وتقرأ الكتب - فقالت لعبد الله، وجلس إليها منتظرا لأبيه، وقد عرج لبعض شأنه: هل لك في مواقعتي على أن أعطيك مائة من الإبل؟ - وكانت موسرة-. فقال عبد الله:
أما الحرام فالممات دونه … والحلّ لا حلّ فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تنوينه
ثم إنه مضى مع أبيه إلى بني زهرة، فزوجه آمنة. وأقام عندها ثلاثا.
وكانت تلك سنّتهم، ثم إن عبد الله أتى الامرأة بعد ذلك، فقال لها: هل لك فيما كنت عرضت عليّ على أن يكون بيننا تزويج؟ فقالت:
لا تطلبنّ الأمر إلا ميلا … قد كان ذاك مرة فاليوم لا
إني رأيت في وجهك نورا ساطعا، وقد ذهب الآن؛ فما الذي صنعت؟ فحدثها حديثه، فقالت: إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظلّ وقت مولده (^١). وقالت:
لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما سكنت وما تدري
وقالت أيضا:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خبوّه … فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي امرؤ من إرادة … لحزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدّان يصطرعان
_________________
(١) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ١٠٧ - ١٠٨.
[ ١ / ٨٨ ]
وحملت آمنة في أيامها الثلاثة. ورأت في منامها آتيا أتاها، فقال:
يا آمنة، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة؛ فإذا وقع في الأرض، فقولي:
«أعيذك بالواحد، من شر كل حاسد»؛ وسميّه أحمد، ويقال إنه قال:
سمّيه محمدا.
- فلما وضعته، أرسلت إلى عبد المطلّب أنه قد ولد لك غلام. فنهض مسرورا، ومعه بنوه، حتى أتاه فنظر إليه. وحدّثته بما رأت، وبسهولة حمله وولادته. فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال:
الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيّب الأردان
أعيذه بالبيت ذي الأركان … من كل ذي بغي وذي شنآن
وحاسد مضطرب العنان
ثم ردّه إلى أمه.
- وقال الواقدي: الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، أخت ورقة بن نوفل. وكانت تنظر في الكتب (^١).
- المدائني، عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيوثره بأطيب طعامه. وكان رقيقا عليه برا به. فربما أتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرا، فلا يمسّ شيئا منه حتى يؤتى به، وكان يفرش له في ظلّ الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه؛ فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالا له، وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ١ ص ٩٤ - ٩٩.
[ ١ / ٨٩ ]
الفراش، فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإنّ له لشأنا؛ أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه، ويمسح ظهره، ويسرّ بكلامه وما يرى منه.
- وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي، عن الكندير بن سعيد، عن أبيه قال:
حججت في الجاهلية، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت، وهو يقول:
ردّ عليّ راكبي محمدا … واصطنعن بردّه عندي يدا
فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، قلت:
ما شأنه؟ قالوا: أضلّ إبلا له، فخرج في طلبها بنيّ ابنه: محمد بن عبد الله، وقد أبطأ عليه، فقد أخذه ما ترى، قال: فما برحت حتى رجع رسول الله ﷺ، وهو غلام، وجاء بالابل، فسمعت عبد المطلب يقول له:
يا بنيّ، لقد جزعت عليك جزعا، لا تفارقني بعده حتى أموت.
- وحدثني الحرمازي، عن أبي اليقظان، قال:
كان عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس - وأمه البيضاء بنت عبد المطلب - مضعوفا، فأتي به عبد المطلب، فمسّه، فقال: وعظام هاشم، وما ولد في ولد عبد مناف مولود أحمق منه، وتزوج عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت السلمي، فولدت له عبد الله بن عامر.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، قال حدثني الوليد بن عبد الله القرشي، عن عبد الرحمن بن موهوب الأشعري حليف بني زهرة، عن أبيه، عن مخرمة بن نوفل الزهري، قال:
[ ١ / ٩٠ ]
سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم تحدّث، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال، فسمعت في النوم قائلا يقول: «هذا أوان نبي مبعوث فيكم، معشر قريش، وبه يأتيكم الحيا (^١) والخصب؛ فليخرج رجل منكم طوال أبيض، مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد الشعر، أشم العرنين، وليخرج معه ولده وولد ولده، وليخرج من كل بطن رجل حتى يعلوا أبا قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي، ويؤمّنون». فلما أصحت، قصصت رؤياي، فنظروا، فإذا الرجل الذي هذه صفته عبد المطلّب. فاجتمعوا عليه، وفعلوا ما أمروا به. وكان النبي ﷺ مع ولد عبد المطلب، وهو غلام، فتقدّم عبد المطلّب، فقال: «لا همّ، هؤلاء عبادك، بنو إمائك، وقد نزل بهم ما ترى، وتتابعت عليهم السنون فذهبت بالخفّ والظلف، وأشفت الأنفس منهم على التلف والحتف. فاذهب عنّا الجدب، وائتنا بالحياة والخصب». قال: فما برحوا حتى سالت الأودية. وبرسول الله ﷺ سقوا. قالت رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحيا واستبطئ المطر
فجاد بالماء جوني له سيل … دان فعاشت به الأنعام والشجر
منّا من الله بالميمون طائره … وخير من بشرّت يوما به مضر
مبارك الوجه يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر (^٢)
- المدائني، عن ابن جعدبة
أن عبد المطلب رأى في منامه قائلا يقول: احفر زمزم، خبية الشيخ
_________________
(١) - الحيا: المطر والخصب.
(٢) - طبقات ابن سعد ج ١ ص ٨٩ - ٩٠.
[ ١ / ٩١ ]
الأعظم. ثم رأى ليلة أخرى: احفر تكتم، بين الفرث والدم، في مبحث الغراب الأسحم، في قرية النمل. فلما أصبح، وجد بقرة مفلتة من جازرها وقد صارت إلى المسجد إلى موضع زمزم، فسلخت في موضعها.
وجاء غراب حتى وقع على فرثها، وإذا ثمّ قرية نمل. فاحتفر عبد المطلب زمزم، وأنكرت قريش ذلك (^١) فحدثّها الحديث، فصدّقته. وقال خويلد بن أسد:
أقول وما قولي عليّ بهيّن … إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر … وركضة جبريل على عهد آدم
قالوا: وتوفي عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالحجون بمكة، ولرسول لله ﷺ ثماني سنين، ولحمزة نحو من اثنتي عشرة سنة، وللعباس إحدى عشرة سنة. ويقال إن عبد المطلب مات وله ثمان وثمانون سنة. وفي رواية الواقدي وغيره أن أم أيمن حدثت أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب، وهو ابن ثماني سنين.
- قال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، أن مخرمة بن نوفل الزهري قال:
مات عبد المطلب وأنا شاهده مع قريش، وقد قاربت عشرين سنة، وأنّ أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم كانت لدة عبد المطلب، فتقول لي:
شقّ قميصك على خالك لمن تستبقيه بعده. قال: ونظرت إلى نساء بني عبد مناف قد جززن الشعور. وإنه ليقال إنه يومئذ ابن ما بين الثمانين إلى التسعين، وإن كان لمعتدل القناة. وكان أول من تحنّث بحراء. والتحنث التأله والتبرر، وكان إذ أهلّ هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج
_________________
(١) - انظر وقارن ابن هشام ج ١ ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ١ / ٩٢ ]
حتى ينسلخ الشهر، ويطعم المساكين. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر الطواف بالبيت.
قال الواقدي: وقد روي أن عبد المطلب توفى ابن مئة وعشر سنين.
وليس ذلك بثبت.
وقال هشام بن الكلبي: كان موت عبد المطلب في ملك هرمز بن أنوشروان، وعلى الحيرة قابوس بن المنذر، أخو عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن هند، مضرّط الحجارة. ويقال إنه لم يمت حتى كف بصره.
وروي عن عبد الله بن عباس، أنه قال: كان أبي يخبرنا عن عبد المطلب أنه مات يوم مات وهو أعدل قناة منه، وله ثمان وثمانون سنة.
وسمعت من يحدث عن مصعب بن عبد الله، أن عبيد بن الأبرص كان ترب عبد المطلب؛ وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة أو أكثر (^١).
قالوا: ولما احتضر عبد المطلب، جمع بنيه فأوصاهم برسول الله ﷺ.
وكان الزبير بن عبد المطلب، وأبو طالب أخوي عبد الله لأمه وأبيه. وكان الزبير أسنّهما. فاقترع الزبير وأبو طالب أيهما يكفل رسول الله ﷺ، فأصابت القرعة أبا طالب، فأخذه إليه. ويقال: بل اختاره رسول الله ﷺ على الزبير، وكان ألطف عميه به. ويقال: بل أوصاه عبد المطلب بأن يكفله بعده.
وروى بعضهم أن الزبير كفل النبي ﷺ حتى مات. ثم كفله أبو طالب بعده؛ وذلك غلط لأن الزبير شهد حلف الفضول، ولرسول الله ﷺ يومئذ نيف وعشرون سنة. لا اختلاف بين العلماء في أن شخوص رسول الله
_________________
(١) - انظر سيرة ابن هشام ج ١١٤ - ١٢٠.
[ ١ / ٩٣ ]
ﷺ إلى الشأم مع أبي طالب بعد موت عبد المطلب بأقلّ من حمس سنين.
- ورثى بنات عبد المطلب أباهن بشعر، كتبت بعضه. قالت عاتكة بنت عبد المطلب:
أعينيّ جودا ولا تبخلا … بدمعكما بعد نوم النيام
أعينيّ واسحنفرا (^١) … واسكبا
وشوبا بكاءكما بالتدام
على شيبة الحمد والمكرمات … ومردي المخاصم يوم الخصام
وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب:
ألا يا عين جودي واستهلّي … وبكي ذا الندى والمكرمات
وبكي خير من ركب المطايا … أباك الخير تيار الفرات
عقيل بني كنانة والمرجّى … إذا ما الدهر أقبل بالهنات
وقالت برّة بنت عبد المطلب:
ألا يا عين ويحك أسعديني … واذري الدمع سجلا بعد سجل
بدمع من دموعك ذي غروب … فقد فارقت ذا كرم وبذل
طويل الباع شيبة ذا المعالي … أباك الخير وارث كل فضل
وقالت أميمة بنت عبد المطلب:
أعينيّ جودا بدمع درر … على طيب الخيم والمعتصر (^٢)
على ماجد الجدّ واري الزناد … جميل المحيّا عظيم الخطر
على شيبة الحمد والمكرمات … وذي المجد والعزّ والمفتخر
وقالت سبيعة بنت عبد شمس:
أعينيّ جودا بالدموع السواكب … على خير ميت من لؤي بن غالب
_________________
(١) - في حاشية الأصل أي اسيلي عليه الدمع الكثير.
(٢) - الخيم: السجية. ومعنى طيب المعتصر: كريم عند المسألة.
[ ١ / ٩٤ ]
أعينيّ لا تستحسرا عن بكاكما … على ماجد الأعراق عفّ المحاسب
أبي الحارث الفياض ذي الحلم والنّهى … وذي الباع والأفضال غير تكاذب
وقالت أروى بنت عبد المطلب:
بكت عيني وحقّ لها بكاها … على سمح سجيته الحياء
على الفياض شيبة ذي المعالي … أبيك الخير ليس له كفاء
طويل الباع أروع ذو فضول … له المجد المقدّم والسّناء
وقالت ضعيفة بنت هاشم:
ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد … وساقي الحجيج والمحامي على المجد
أبو الحارث الفياض خلّى مكانه … فلا يبعدنّ وكل حىّ له بعد (^١)
قالوا: ولم يقم لموت عبد المطلب بمكة سوق أياما كثيرة.
- وولد هاشم أيضا، سوى عبد المطلب: نضلة بن هاشم؛ والشفاء بنت هاشم، تزوجها هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد بن هاشم، وهو «المحض لا قذى فيه». وكذلك كانوا يسمون من كانت أمه بنت عم أبيه، وأمهما أميمة بنت عدي بن عبد الله، من قضاعة، ثم من بني سلامان بن سعد بن يزيد. ويقال: هي أميمة بنت أبي عدي بن عبد الله. وكان السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب يشبّه بالنبي ﷺ؛ وأسد بن هاشم، وأمه قيلة، وهي الجزور بنت عامر بن مالك بن جذيمة المصطلق، من خزاعة؛ وصيفي؛ وأبا صيفي واسمه عمرو سماه أبوه باسمه، وأمهما هند بنت عمرو بن ثعلبة، من الخزرج. ويقال إنّ أبا صيفي لأم ولد؛ وخالدة بنت هاشم، تزوّجها أسد بن عبد العزى. فولدت له نوفل وحبيب ابني أسد بن عبد العزى؛
_________________
(١) - انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ١١٥ - ١٢٠ مع فوارق واضحة.
[ ١ / ٩٥ ]
قتلا يوم الفجار الآخر وصفية بنت هاشم، تزوّجها وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب؛ وأمها واقدة بنت أبي عدي الهوازنية، خلف عليها هاشم بعد أبيه نكاح مقت، وحيّة بنت هاشم، تزوّجها الأحجم بن دندنة بن عمرو، من خزاعة؛ وأمها من ثقيف، فولدت له أسيد، وشتيم، ومرّة، وزرعة، وورقة، وجارية وسلمى.
- فولد عبد المطلب - ويكنى أبا الحارث-: عبد الله؛ والزبير، وعبد مناف وهو أبو طالب، وكان الزبير أحد حكّام قريش، وهو أسن من عبد الله ومن أبي طالب، عبد الكعبة درج صغيرا، وأم حكيم البيضاء - وهي الحصان لا تكلم والصناع لا تعلم - توأمة عبد الله تزوجها كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كريز، أم عثمان بن عفان، وأم كريز؛ وأرنب وهي أم طلحة بنت كريز امرأة عامر بن الحضرمي، حليف بني عبد شمس؛ وعاتكة بنت عبد المطلب، تزوجها أبو أمية بن المغيرة المخزومي، فولدت له زهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي أمية، وقريبة الكبرى بنت أبي أمية؛ وهم إخوة أم سلمة بنت أبي أمية زوج رسول الله ﷺ لأبيها. وأمّ أمّ سلمة كنانية، من ولد جذل الطعان؛ وبرّة بنت عبد المطلب تزوجها عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد، واسمه عبد الله؛ ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى، من ولد عامر بن لؤي، فولدت أبا سبرة بن أبي رهم، وأميمة بنت عبد المطلب تزوّجها جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، فولدت له عبد الله، وعبيد الله، وعبد وهو أبو أحمد، وزينب زوج رسول الله ﷺ، وحمنة بنت جحش تزوجها طلحة بن عبيد الله التيمي
[ ١ / ٩٦ ]
صاحب رسول الله ﷺ، وأروى بنت عبد المطلب تزوّجها عمير بن وهب بن عبد بن قصي، فولدت له طليب بن عمير، هاجر وقتل بالشأم شهيدا. ثم خلف عليها أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، فولدت له فاطمة، وأم هؤلاء جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤي. والعباس بن عبد المطلب وأمه نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عامر بن زيد مناة بن عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط - وسمّي الضحيان لأنه كان يجلس لقومه إذا أضحى فيحكم بينهم - وأم نتيلة:
سعدى بنت الحارث بن زيد، نمرية أيضا. وأم جناب: أم حجر ولد عيّة من همدان. وأمها ربيّعة، من ولد الحارث بن عبّاد فارس النعامة؛ وضرار بن عبد المطلب وأمه نتيلة أيضا. مات حدثا قبل الإسلام.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، قال:
قال عبد المطّلب في ابنه العباس، وكان به معجبا، وولد قبل الفيل بثلاث سنين:
ظني بعباس بنيّ إن كبر … أن يمنع القوم إذا ضاع الدبر
وينزع السّجل إذا اليوم اقمطّر … ويسقي الحاجّ إذا الحاجّ كثر
وينحر الكوماء في اليوم الأصر … ويفصل الخطبة في الأمر المبرّ
ويكسو الريط اليماني والأزر … ويكشف الكرب إذا ما اليوم هرّ
أكمل من عبد كلال وحجر … لو جمعا لم يبلغا منه العشر
- قال: وأضلت نتيلة ابنها ضرارا، فكاد عقلها يذهب جزعا، وولهت ولها شديدا، وكانت ذات يسار، فجعلت تنشده في الموسم، وتقول:
[ ١ / ٩٧ ]
أضللت أبيض لوذعيا … لم يك مجلوبا ولا دعيّا
وقالت أيضا:
أضللت أبيض كالخصاف … للفتية الغرّ بني مناف
ثم لعمري منّتهى الأضياف … سنّ لفهر سنّة الإيلاف
في القرّ حين القرّ والأصياف
وجعلت على نفسها لئن ردّه الله عليها أن تكسو الكعبة. فمرّ بها حسان بن ثابت الأنصاري، وقد حجّ في نفر من قومه، فلما رأى جزعها، قال:
وأمّ ضرار تنشد الناس والها … فيال بني النجّار ماذا أضلّت
ولو أن ما تلقى نتيلة غدوة … بأركان رضوى مثله ما استعلّت (^١)
فأتاها به رجل من جذام، فكست البيت ثيابا بيضا، وجعلت تقول:
الحمد لله ولي الحمد … قد ردّ ذو العرش عليّ ولدي
من بعد أن جوّلت في معدّ … أشكره ثم أفي بعهدي
وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، والمقوّم ويكنى أبا بكر، وحجل واسمه المغيرة، وصفية، تزوّجها الحارث بن حرب بن أمية، فولدت له الصفيّاء، ثم خلف عليها العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، فولدت له الزبير، والسائب، وعبد الكعبة درج. فتزوّج الصفياء ربيعة بن أكثم، وذلك الثبت. ويقال: ابن أبي أكثم بن عمرو، أحد بني عامر بن غنم بن دودان، وكان يكنى أبا يزيد، وهو بدري
_________________
(١) - في ديوان حسان ج ١ ص ٤٤٨. البيت الأول فقط.
[ ١ / ٩٨ ]
واستشهد بخيبر. وأم هؤلاء هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب؛ وأمها العبلة بنت المطلب بن عبد مناف. والحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وبه كان يكنى، وهو أكبر ولده. وأمه صفية بنت جنيدب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور، وقثم بن عبد المطلب هلك صغيرا، وأمه صفية بنت جنيدب أيضا، وعبد العزى بن عبد المطلّب، وهو أبو لهب، وكان جوادا، كناه أبوه بذلك لحسنه، ويكنى أبا عتبة. وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول، من خزاعة، والغيداق واسمه نوفل. وأمه ممنّعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل بن أسعد، من خزاعة.
- ويقال إن قثم بن عبد المطلب كان أخا الغيداق لأمه، ولم يكن أخا الحارث.
- قال قرّة بن حجل بن عبد المطلب يذكر عمومته وأباه:
اذكر ضرارا إن عددت فتى ندى … والليث حمزة واذكر العباسا
واعدد زبيرا والمقوّم بعده … والصّتم (^١) حجلا والفتى الرّاسا
وأبا عتيبة فاذكرنه ثامنا … والقرم عبد مناف الجسّاسا
والقرم (^٢) … غيداقا تعدّ جحاجحا
سادوا على رغم العدوّ الناسا
والحارث الفياض ولّى ماجدا … أيام نازعه الهمام الكاسا
_________________
(١) - الصتم: الغليظ الشديد، والرجل البالغ أقصى الكهولة.
(٢) - في حاشية الأصل: «القرم: السيد».
[ ١ / ٩٩ ]