- قالوا: كان الأرتّ سواديّا. فأغار قوم من ربيعة على الناحية التي كان فيها، فسبوه وأتوا به الحجاز، فباعوه، فوقع إلى سباع بن عبد العزّى الخزاعي، حليف بني زهرة. وابنة عبد الله بن سباع هذا، هي أم طريح بن إسماعيل الثقفي الشاعر. فوهبه لأم أنمار بنت سباع، فأعتقته. وسباع هذا، هو الذي بارز حمزة يوم أحد فقال له حمزة ﵁: «إليّ يا بن مقطعة البظور». فقتله حمزة. وكانت أمه قابلة بمكة، ويقال: إنّ اسمها أيضا أم أنمار.
[ ١ / ١٩٩ ]
-وقال الهيثم بن عدي: كان أبو خباب من أهل كسكر ويقال: إنه كان من سواد الكوفة.
- وزعم أبو اليقظان البصري: أن خباب بن الآرتّ كان أخا سباع لأمه، فانضمّ خباب إلى آل سباع، فادّعى حلف بني زهرة.
- وخباب - فيما يقول ولده - بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وأنه وقع عليه سباء، فصار إلى أم أنمار مولاته، فأعتقته. وأنه كانت به رّتة.
قال الواقدي: كان ألكن إذا تكلم بالعربية، فسمى الأرتّ.
- وقال الواقدي: أسلم خباب، وكان قينا بمكة. ويكنى أبا عبد ربه.
- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن كردوس، أنه قال:
ألا إنّ خباب بن الأرتّ أسلم سادس ستة.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان، قال:
أسلم خبّاب مع بني مظعون، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ، قبل دخول دار الأرقم.
- وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ويوسف بن موسى القطان، قالا ثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
أعطوهم ما أرادوا. قال يوسف في حديثه: حين عذّبوا إلاّ خباب بن الأرتّ، فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف (^١) حتى ذهب ماء متنه.
- وقال الواقدي: جاء خباب إلى النبي ﷺ، فشكا ما أصابه. فقال
_________________
(١) - الرضف: الحجارة المحماة. القاموس.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ﷺ: «لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى مادون عظمه من لحم وعصب، ويشقّ بالمياشير، فلا يردّه ذلك عن دينه.
وأنتم تعجلون. والله، ليمضينّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله وحده، والذئب على غنمه».
- وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام ومحمد بن حاتم، قالا: ثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن الأرتّ، قال:
كنت قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أقتضيه. فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لن أكفر حتى تموت وتبعث.
قال: «وأني لمبعوث بعد الموت؟ فإن كان ذلك، فلسوف أقضيك إذ رجعت إلى مالي وولدي». فنزلت فيه: ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا،﴾ إلى قوله: ﴿فَرْدًا﴾ (^١).
- وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح المصري، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس بنحوه.
وقوله: «سنكتب ما يقول (^٢)»، يعني ماله وولده.
- وقال الواقدي: كان خباب ممن شهد بدرا، ولم يفارق النبي ﷺ، ولما هاجر رسول الله ﷺ وهاجر خباب، نزل والمقداد بن عمرو على كلثوم بن الهدم، فلم يبرحا منزله حتى توفي قبل بدر بيسير. فتحوّلا، فنزلا على سعد بن عبادة، فلم يزالا عنده حتى فتحت قريظة. وآخا رسول الله ﷺ بين خباب وجبر بن عتيك بن [الحارث بن] (^٣) قيس بن هيشة الأوسي. ولم يتخلف عن مشهد من مشاهد رسول الله ﷺ.
_________________
(١) - سورة مريم - الآيات:٧٧ - ٨٠.
(٢) - سورة مريم - الآية:٧٩.
(٣) - زيد ما بين الحاصرتين من سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥١٣.
[ ١ / ٢٠١ ]
-حدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي وعمرو بن محمد الناقد، قالا ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي قال:
جاء خباب إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: ادنه، ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك، إلا عمار بن ياسر. فجعل خباب يريه آثارا في ظهره لما عذّبه المشركون.
- حدثني خلف بن هشام، ثنا حبان بن علي العنزي أخو مندل، ثنا مجالد، عن الشعبي، قال: دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فأجلسه على منكبه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا رجل واحد، فقال خباب: ومن هو، يا أمير المؤمنين؟ قال:
بلال. قال خباب: ليس هو بأحق مني، إنّ بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد؛ لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما أتيت الأرض إلا بظهري. ثم كشف خباب عن ظهره، فإذا هو قد برص.
- حدثني القاسم بن سلام، ثنا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حارثة بن مضرب، قال:
دخلت على خباب أعوده وقد اكتوى سبع كيّات، فسمعته يقول:
لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت»، لتمنيته. قال: وأتي بكفنه قباطي. فبكى، ثم قال: لكن حمزة كفن في بردة، إذا مدّت على قدميه قصرت عن رأسه، وإذا مدّت على رأسه قصرت عن قدميه حتى جعل عليهما إذخر (^١)، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ،
_________________
(١) - إذخر: الحشيش الأخضر، طيب الريح. معجم أسماء النباتات.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وما أملك دينارا ولا درهما؛ وإنّ في بيتي في تابوت لأربعين ألف واف. ولقد خشيت أن يكون عجّلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.
- حدثني محمد بن سعد، حدثني يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
دخلنا على خباب نعوده، وقد اكتوى في بطنه سبعا. وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت بالموت.
- حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، قال:
كان خباب قينا، وكان قد أسلم، فكان رسول الله ﷺ يألفه ويأتيه، فأخبرت بذلك مولاته، فكانت تأخذ الحديدة وقد أحمتها، فتضعها على رأسه. فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: اللهم انصر خبابا. فاشتكت مولاته رأسها - وهي أم أنمار - فكانت تعوي مع الكلاب. فقيل لها:
اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة قد أحماها، فكان يكوي بها رأسها.
- قال الواقدي: أتى خباب الكوفة حين اختطها المسلمون، فابتنى بها دارا، وتوفي بها سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وصلى عليه علي بن أبي طالب منصرفه من صفين.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا طلق بن غنام النخعي، ثنا محمد بن عكرمة بن قيس النخعي، عن أبيه قال: حدثني ابن خباب قال:
كان الناس يدفنون موتاهم بالكوفة في جبابينهم. فلما ثقل خباب، قال: أي بنيّ، إذا أنا مت، فادفني بهذا الظهر، فإنك لو دفنتني به قيل:
دفن بهذا الظهر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فدفن الناس موتاهم بالظهر، قال: فلما مات، دفنه بظهر الكوفة. فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب بن الأرتّ.
[ ١ / ٢٠٣ ]
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده، قال:
كان الذي يعذب خبابا حين أسلم، ولازم رسول الله ﷺ: عتبة بن أبي وقاص، أخا سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ويقال: إن الذي كان يعذّبه - وهو الثبت - الأسود بن عبد يغوث.
قال: وكان، فيما ذكر بعض ولده، ربعة، جيد الألواح، عريض ما بين المنكبين، عظيم الهامة، كثّ اللحية.
- وزعم بعض الرواة: أن خبابا كان مولى لعتبة بن ربيعة، وذلك باطل.
- حدثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، أنبأنا الأعمش، عن إبراهيم:
أنّ خبابا كان يكنى أبا عبد الله.