- فأما عبد الله بن عبد المطلب - ويكنى أبا قثم، ويقال إنه كان يكنى أبا محمد، ويقال كان يكنى أبا أحمد - فولد محمدا رسول الله وخاتم أنبيائه ﷺ، ويكنى أبا القاسم. وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة. وأمها برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ بن كلاب. وأم وهب: هند بنت أبي قيلة - وهو وجز - بن غالب، من خزاعة. وكان أبو قيلة يدعى أبا كبشة. وكان قد استخفّ بالحرم وأهله، في فعلة فعلها. فكانت قريش تقول للنبي ﷺ: «فعل ابن أبي كبشة كذا»، يشبهونه إذا خالف دينهم. ويقال إنّ زوج حليمة، ظئره، كان يكنى أبا كبشة. ويقال إنّ وهبا، جدّه لأمه، كان يكنى أبا كبشة.
ويقال إن عمرو بن زيد، جدّ عبد المطلب لأمه، كان يكنى أبا كبشة. والله أعلم.
- وحدثني أبو الحسن المدائني، عن الوقاصي، قال سمعت الزهري يقول:
كان وجز بن غالب ينكر عبادة الأصنام ويعيبها، ويطعن على أهلها، وكان يكنى أبا كبشة. فشبّهوا النبي ﷺ به.
- وكان مولد رسول الله ﷺ في عام الفيل، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول. ويقال لليلتين خلتا منه. ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وذلك لأربعين سنة مضت من ملك أنوشروان كسرى بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد الخشن بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف ملك الفرس. وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر. وكان على الحيرة يوم ولد رسول الله ﷺ عمرو بن المنذر بن امرئ القيس، وهو
[ ١ / ١٠٠ ]
عمرو بن هند؛ وذلك قبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف بأبي قابوس الحيرة بنحو من سبع عشرة سنة، وتوفي عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله ﷺ، وهو حمل. وذلك الثبت. ويقال إنه توفي وهو ابن سبعة أشهر.
ويقال إنه توفي وهو ابن نيّف وعشرين شهرا. وكان عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار له تمرا. فنزل على أخواله من بني النجّار، فمات عندهم.
ويقال: بل أتاهم زائرا لهم، فمرض عندهم ومات. ويقال: بل قدم من غزّة بتجارة له، فورد المدينة مريضا، فنزل على أخوال أبيه، فمات عندهم. وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة. ويقال: ثمان وعشرين سنة.
وأنّ أباه بعث إليه الزبير بن عبد المطلب، أخاه، فحضر وفاته. ودفن في دار النابغة.
- وذكروا أنّ آمنة بنت وهب رثته، فقالت:
عفا جانب البطحاء من قرم هاشم … وحلّ بلحد ثاويا غير رائم
عشية راحوا يحملون سريره … يفلونه عن عبرة وتزاحم
دعته المنايا دعوة فأجابها … وما غادرت في الناس مثل ابن هاشم
فإن يك غالته المنايا بيثرب … فقد كان مفضالا كثير المراحم (^١)
- قالوا: ولما ولد رسول الله ﷺ، التمس له الرضاع. فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور، يقال لها حليمة. وهي، فيما قال هشام بن الكلبي: حليمة بنت أبي ذؤيب - واسمه الحارث - بن عبد الله بن شجنة بن جابر بن ناصرة بن فصيّة بن نصر بن سعد بن بكر.
وقال محمد بن إسحاق والواقدي: هي حليمة بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة. الأول قول الكلبي، وهو أثبت.
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ١ ص ٩٩، حيث روى عن الواقدي وصف دار النابغة وتحديدها.
[ ١ / ١٠١ ]
وقالوا: واسم زوج حليمة: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملاّن بن ناصرة بن فصيّة بن نصر بن سعد. واسم ابنها الذي شرب رسول الله ﷺ من لبنه: عبد الله بن الحارث. وأختاه: أنيسة والشيماء بنتا الحارث.
- وكانت الشيماء تحمل النبي ﷺ، وتقوم عليه مع أمها حليمة وسبيت يوم حنين، فعنف بها. فقالت: يا قوم، تعلّموا أني أخت نبيكم فلما أتوا بها رسول الله ﷺ، قالت: إني أختك؛ وكنت عضضتني وأنا أحضنك مع أمي، فعرف ذلك، وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، وأعطاها ما أغناها، ووهب لها جارية وغلاما يقال له مكحول. فزوجت الجارية من الغلام.
وقال الكلبي: وفدت الشيماء على النبي ﷺ، فأرته أثر عضّته.
- قالوا: وكانت حليمة وزوجها خرجا في نسوة من بني سعد يطلبن الرضعاء، ومع حليمة ابنها عبد الله وهي ترضعه. وذلك في سنة شهباء (^١)، فلم تبق شيئا. قالت حليمة: فخرجت على أتان لي قمراء (^٢) ومعنا شارف (^٣) لنا ما تبضّ بقطرة. فصبيّنا لا ينام من البكاء، ولا يدعنا ننام معه. فما من امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ؛ وإذا قيل إنه يتيم، قالت: وما عسى أن يكون من أمه وجدّه إلينا؟ إنما يكون الإحسان من الأب. ولم تعرّض له. فلما أجمعن الانطلاق، قلت لصاحبي: والله اني لأكره الرجوع خائبة؛ ولآخذنّ هذا اليتيم الهاشمي. فقال: افعلي، فلعل الله يجعل لنا فيه
_________________
(١) - أي سنة ذات قحط وجدب، غدت الأرض فيها بيضاء لا خضرة فيها لانعدام المطر.
(٢) - القمراء التي في جنبيها بياض، والذكر أقمر.
(٣) - ناقة مسنة هزيلة.
[ ١ / ١٠٢ ]
البركة. فأخذته، ورجعت إلى أهلي. فلما وضعته في حجري، أقبل ثدياي يشخبان لبنا. فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، ثم ناما، ونمنا، وقام زوجي إلى شارفنا، فيجدها حافلا، فحلبها، وشرب وشربت، فقال: تعلّمي يا حليمة أن قد أخذت أعظم نسمة بركة.
قالت: ثم ركبت الأتان حين رحلنا، فإذا هي تسبق الركاب، فقال لي صواحبي: إنّ لأتانك شأنا مذ اليوم. وقدمنا، فرأينا البركة مجلّلة لنا:
كانت مواشي الناس ترجع هذلى خماصا، وتروح مواشينا سمانا بطانا (^١)
- ثم إنّ رسول الله ﷺ فطم لسنتين. وردتّه حليمة إلى أمه وجدّه، وهو ابن خمس سنين. فكان مع أمه إلى أن بلغ ست سنين. وذلك الثبت.
ويقال إنه كان معها إلى أن أتت له ثماني سنين. وكانت ثويبة، مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، أرضعت النبي ﷺ أياما، قبل أن تأخذه حليمة، من لبن ابن لها يقال له مسروح. وأرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب؛ وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
- قالوا: ولما أتى لرسول الله ﷺ ست سنين، زارت أمه قبر زوجها بالمدينة، كما كانت تزوره، ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة، ماتت بها ودفنت، ويقال إنّ عبد المطلب زار أخواله من بني النجّار، وحمل معه آمنة ورسول الله ﷺ، فلما رجع منصرفا إلى مكة، ماتت آمنة بالأبواء.
- وروي أن قريشا لما كانوا بالأبواء، وهم يريدون أحدا، همّوا باستخراج آمنة من قبرها، فقال قائلهم: إنّ النساء عورة؛ فإن يصب محمد
_________________
(١) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ١١١.
[ ١ / ١٠٣ ]
من نسائكم أحدا، قلتم: «هذه رمّة أمك وأعظمها». ثم كفّهم الله عن ذلك إكراما لنبيه؛ فأمسكوا.
- وزعم بعض البصريين أن آمنة أم النبي ﷺ ماتت بمكة، ودفنت في شعب أبي دبّ الخزاعي. وذلك غير ثبت.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح أو عكرمة،
أن حليمة ظئر رسول الله ﷺ لما قدمت به من بلادها، أضلّته بأعلى مكة. فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب وقالا: هذا ابنك وجدناه متلددا بأعلى مكة، فسألناه من هو؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ فأتيناك به. فذلك قول الله ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (^١). ثم إنّ عبد المطّلب حمله على عاتقه، وطاف به حول الكعبة، وقال:
أعيذه بالله بارئ النسم … من كل من يسعى بساق وقدم
وقصفة الحجّاج في الشهر الأصمّ … حتى أراه في ذرى صعب أشمّ
ثم يكون ربّ غير مهتضم
- قالوا: وقدمت حليمة على رسول الله ﷺ بعد تزوجه خديجة بنت خويلد، فأنزلها وأكرمها. فشكت جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلّم خديجة فيها، فأعطتها أربعين شاة، وبعيرا للظعنة؛ وصرفها إلى أهلها بخير. وقدمت على رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وهو بالأبطح، أخت حليمة ومعها أخت زوجها؛ وأهدت إليه جرابا فيه أقط ونحيّ سمن.
فسأل أخت حليمة عن حليمة. فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه. وسألها
_________________
(١) - سورة الضحى - الآية:٧.
[ ١ / ١٠٤ ]
عمن خلفت، وأخبرته بخلّة وحاجة. فأمر لها بكسوة، وجمل ظعينة، وأعطاها مائتي درهم وافية. وانصرفت وهي تقول: نعم المكفول أنت صغيرا وكبيرا.
- قالوا: وكانت ثويبة تأتي النبي ﷺ وهي مملوكة، فيبرّها ويكرمها.
وتكرمها خديجة. وطلبت خديجة إلى أبي لهب أن يبيعها إياها لتعتقها، فأبى ذلك، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أعتقها أبو لهب، فكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بالصلة والكسوة، حتى بلغه خبر وفاتها، وكانت وفاتها منصرف رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع، فسأل عن ابنها مسروح، أخيه من الرضاع، فقيل له: مات قبلها، فقال: هل له من قرابة؟ فقيل: لم يبق له أحد.
وقالت أم حبيبة بنت أبي سفيان لرسول الله ﷺ: بلغني يا رسول الله أنك تخطب درّة بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، فقال: وكيف، وقد أرضعتني وإياها ثويبة؛ فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
- وورث رسول الله ﷺ من أبيه أمّ أيمن، واسمها بركة، فاعتقها؛ وخمسة أجمال أوارك، وقطعة غنم، وسيفا مأثورا، وورقا. فكانت أم أيمن تحضنه. ويسميها «أمي».
وقال بعض الرواة: ورث أم أيمن من أمه، فأعتقها. وقال آخرون: ورث ولاءها من أبيه. وقال قوم: كانت لأمه، فأعتقها.
- قالوا: وضم أبو طالب رسول الله ﷺ بعد موت عبد المطلب.
دخل منزله وإنّ عياله لفي ضيقة وخلّة، لا يكادون يشبعون لقلة ما عندهم. فكان رسول الله ﷺ إذا أكل معهم، كفاهم ما يجدون من الطعام وأشبعهم حتى يتملؤوا. وكان رسول الله ﷺ في أكثر أيامه يصبح
[ ١ / ١٠٥ ]
فيأتي زمزم، فيشرب منها شربه. فربما عرض عليه الغداء فيقول:
لا أريده، أنا شبعان.
- فلما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة، عرض لأبي طالب شخوص إلى الشأم في تجارة، وكان رسول الله ﷺ يألفه فسأله إخراجه معه، فأبى ذلك ضنا به وصيانة له، فاغتم وبكى، فأخرجه، فرآه راهب من علماء الرهبان، يقال له بحيرا، قد أظلته غمامة، فقال لأبي طالب: من هذا منك؟ قال: ابن أخي، فقال: أما ترى هذه الغمامة كيف تظلّه وتنتقل معه؟ والله إنه لنبي كريم؛ وإني لأحسبه الذي بشّر به عيسى، فإنّ زمانه قد قرب، وقد ينبغي لك أن تحتفظ به. فرّده أبو طالب إلى مكة وذكر بعض الرواة أن أبا طالب أشخص رسول الله ﷺ إلى الشأم وهو ابن تسع سنين.
والأول أثبت.
- قالوا: ولما جاوزت سنو رسول الله ﷺ العشرين، قال له أبو طالب: يا بن أخي، إنّ خديجة بنت خويلد امرأة موسرة ذات تجارة عريضة، وهي محتاجة إلى مثلك في أمانتك وطهارتك ووفائك. فلو كلّمناها فيك فوكّلتك ببعض أمرها وتجارتها؟ فقال ﷺ: افعل يا عمّ ما رأيت.
فسعى أبو طالب إليها، فكلمها في توكيل رسول الله ﷺ ببعض تجارتها.
فسارعت إلى ذلك ورغبت فيه، ووجهته إلى الشأم ومعه غلام لها وقيّم يقال له ميسرة. فلما فرغ مما توجّه له وقدم مكة، أخبرها ميسرة بأمانته وطهارته ويمن طائره، وما يقول أهل الكتاب فيه، والذي تعرّف من البركة بمكانه معه في كثرة الأرباح وسهولة الأمور، وقال: كنت آكل معه حتى نشبع ويبقى أكثر الطعام كما هو.
- وقال الكلبي: بعثت خديجة رحمها الله إلى النبي ﷺ أن اخطبني إلى
[ ١ / ١٠٦ ]
عمي عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ. وكان شيخا كبيرا. فأمرت بشاة فذبحت؛ واتّخذت طعاما، ودعت عمهّا عمرا، وبعثت إلى رسول الله ﷺ. فأتى ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب؛ فأكلوا. وسقت عمرا.
ثم قالت لرسول الله ﷺ: قل لأبي طالب فليخطبني، فخطبها أبو طالب إلى عمرو. فزوّجها رسول الله ﷺ على اثنتي عشرة أوقية ونشّا (^١). والأوقية أربعون درهما.
- وقال الواقدي في إسناده: كانت خديجة بنت خويلد امرأة موسرة تاجرة ذات مال. فكلمها أبو طالب في رسول الله ﷺ. فوّجهته إلى الشأم، ومعه ميسرة غلامها. فعرفت خديجة البركة والنماء في مالها على يده.
وأخبرها ميسرة بما كان يقال فيه. وكانت امرأة عاقلة حازمة برزة، مرغوبا فيها لشرفها ويسارها. فدسّت إلى رسول الله ﷺ من عرض عليه أن يتزوجها، فرغب في ذلك، فبعثت إليه أن ائت في وقت كذا، وأرسلت إلى عمرو بن أسد عمّها - فحضر، وحضر رسول الله ﷺ ومعه عمه حمزة وأبو طالب وغيرهما من عمومته. فزوجّها إياه عمرو، ومات عمرو بعد تزويجها بقليل. وقال الواقدي:
كانت التي سفرت بين رسول الله ﷺ وبين خديجة: نفيسة بنت منية، أخت يعلى بن منية التميمي حليف بني نوفل بن عبد مناف.
وأسلمت نفيسة عام الفتح، فذكّرت رسول الله ﷺ ما كان منها. فبرّها وأكرمها (^٢).
- وحدثني بكر بن الهيثم، قال أخبرني عبد الرزاق بن همام، عن
_________________
(١) - في هامش الأصل: النش: نصف أوقية.
(٢) - طبقات ابن سعد ج ١ ص ١٣١ - ١٣٣.
[ ١ / ١٠٧ ]
معمر، عن الزهري فيما يحسب عبد الرزاق، عن عروة، عن عائشة، قالت:
دخلت امرأة سوداء على رسول الله ﷺ، فأقبل عليها واستبشر بها.
فقلت: يا رسول الله، أقبلت على هذه السوداء هذا الإقبال؟ فقال: إنها كانت تدخل على خديجة كثيرا؛ وإنّ حسن العهد من الإيمان.