- فمنهم عمار بن ياسر بن عامر بن مالك، أحد بني عنس أخي مراد بن مالك بن أدد بن زيد. وكان عنس يسمى زيدا. وكان كنية عمار أبا اليقظان؛ وكنية ياسر أبا عمار. ويقال: أبا عبد الله؛ وكان حليفا لبني مخزوم.
- حدثني محمد بن سعد، عن هشام بن الكلبي وغيره قال:
قدم ياسر بن عامر، وأخواه الحارث ومالك، مكة من اليمن يطلبون أخا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزّوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خباط، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، ولم يزل ياسر، وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، وجاء الإسلام. فأسلم ياسر، وسمية، وعمار، وأخوه عبد الله بن ياسر، وكان لياسر ابن آخر، أكبر من عمار وعبد الله، يقال له حريث. فقتله بنو الديل في الجاهلية. وخلف على سمية، بعد ياسر، الأزرق، وكان روميا حدّادا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي، وهو ممن خرج يوم الطائف إلى النبي ﷺ مع عبيد أهل الطائف، وفيهم أبو بكرة، فعتقوا. فولدت سمية للأزرق قبل الإسلام سلمة بن الأزرق. وكان ياسر قد فارقها، فهو أخو عمار لأمه، ثم أدّعى ولد سلمة - عمرو وعقبة - بنو الأزرق أنهم من ولد الحارث بن أبي شمر الغساني، وأنهم حلفاء لبني أمية، وشرفوا بمكة. وتزوج بعض ولد الأزرق في بني أمية، وعمرو وعقبة من غير سمية (^١).
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢٤٦ - ٢٦٤.
[ ١ / ١٧٨ ]
-وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة.
ان النبي ﷺ سمع نساء يبكين في جنازة، فزجرهنّ عمر ﵁، فقال رسول الله ﷺ: يا عمر، دعهن فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد حديث. وقاتل عمرو بن الأزرق يوم أحد مع المشركين، فأسر.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه قال:
قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم بن أبي الأرقم والنبي ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت: أريد أن أدخل على محمد فأسمع كلامه. قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام. فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا. ثم خرجنا مستخفين. فكان إسلام عمار وصهيب بعد إسلام بضعة وثلاثين رجلا (^١).
- حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، ثنا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور، عن مجاهد قال:
أول من أظهر الإسلام أبو بكر، وبلال، وخبّاب، وصهيب، وعمار.
فأما رسول الله ﷺ، فمنعه عمه وأما أبو بكر فمنعه قومه وأما الآخرون فألبسوا دروع الحديد، وصهروا في الشمس حتى بلغ الجهد منهم، وجاء أبو
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
جهل إلى سمية، فطعنها في قبلها، فهي أول شهيد في الإسلام، قال عبد الله بن محمد: بلغني أنها أغلظت له في القول، فأغضبته.
- حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، عن عثمان بن محمد عن الحارث بن الفضيل، عن محمد بن كعب القرظي قال:
أخبرني من رأى عمار بن ياسر متجرّدا في سراويل، قال: ونظرت إلى ظهره، فإذا فيه حبط، فقلت له: ما هذا؟ قال: هذا مما كانت قريش تعذبني في رمضاء مكة (^١).
- قال الواقدي، وحدثني عثمان بن محمد في إسناده، قال:
كان عمار يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وبلال، وعامر بن فهيرة، وقوم من المسلمين. وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (^٢). قال الواقدي: انها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وعثمان ابن مظعون، وكان أول من قدم المدينة.
- حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك،
في قوله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (^٣)، قال: هو عمار.
- حدثنا أبو صالح الفراء الأنطاكي، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن عبد
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢٤٨.
(٢) - سورة النحل - الآيتان:٤١ - ٤٢.
(٣) - سورة النحل - الآية:١٠٦.
[ ١ / ١٨٠ ]
الله بن المبارك، عن معمر، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال:
لما أخذ المشركون عمارا، فعذّبوه لم يتركوه حتى سبّ النبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي ﷺ، قال: وما وراءك؟ قال: شرّ، والله، ما تركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال: فإن عادوا، فعد. فنزلت فيه: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾.
- حدثني يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين.
أنّ النبي ﷺ لقي عمارا وهو يبكي، فجعل يمسح عينيه ويقول: أخذك الكفار، فغطوك في الماء؛ فقلت كذا وكذا. فإن عادوا، فقل ذاك لهم.
- وحدثني الوليد بن صالح، ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن عبد الحكيم بن صهيب، قال:
عذّب المشركون عمارا، وقالوا: لا نفارقك أبدا حتى تشتم محمدا، وحتى تقول اللات والعزّى خير من دين محمد. ففعل. فتركوه. فأتى النبي ﷺ، فقال: أفلح وجهك. فقال: والله، ما أفلح، قال: ولم؟ قال: نلت منك، وزعمت أن اللات والعزّى خير من دينك، قال رسول الله ﷺ: فكيف وجدت قلبك؟ قال: وجدته مطمئنا بالإيمان، أشد من الحديد في ديني، قال: فلا عليك؛ وإن عادوا، فعد. قال: فعمار الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، والذي ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (^١)، عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
_________________
(١) - سورة النحل - الآية:١٠٦.
[ ١ / ١٨١ ]
-حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار:
في قوله ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ،﴾ قال: ذاك عمار. وفي قوله: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا،﴾ قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده، عن أبي صالح، عن أم هانئ:
أنّ عمار بن ياسر، وأباه ياسرا، وأخاه عبد الله بن ياسر، وسمية أم عمار كانوا يعذّبون في الله، فمر بهم النبي ﷺ، فقال: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر في العذاب، وأغلظت سمية لأبي جهل، فطعنها في قبلها، فماتت. ورمي عبد الله، فسقط.
- وحدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن عنبسة الواسطي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي بنحوه.
- حدثني الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة، عن الحسن، عن أنس، قال:
قال رسول الله ﷺ: «الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابي: علي، وعمار، وبلال».
- حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل بن شرحبيل، قال:
أتي النبي ﷺ فقيل له: وقع على عمار حائط، فمات. فقال: ما مات عمار.
[ ١ / ١٨٢ ]
-حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، وإبراهيم بن مسلم الخوارزمي، قالا: ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال:
غزت بنو عطارد من البصرة ماه، وأمدّوا بعمار بن ياسر وهو على الكوفة. فخرج عمار قبل الوقعة وقدم بعدها، فقال: نحن شركاؤكم في الغنيمة. فقام رجل من بني عطارد، فقال: أيها العبد الأجدع - وقال إبراهيم في حديثه: «المجدع»، وكانت أذنه أصيبت في سبيل الله - أتريد أن نقسم لك غنيمتنا؟ فقال عمار: عيرتني بخير أذنيّ، وأحبّ أذنيّ إليّ، فكتب بذلك إلى عمر. فكتب: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال:
رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف، وهو يصيح:
«يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرّون؟ أنا عمار بن ياسر. هلموا إليّ». وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب وهو يقاتل اشد قتال.
- حدثنا أبو مسلم مستملي يزيد، ثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن ابن شهاب، قال:
قال رجل من بني تميم لعمار: أيها الأجدع. فقال عمّار: خير أذنيّ سببت.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا مسلم بن إبراهيم وأبو قطن، قالا ثنا القاسم بن الفضل الحداني، قال ثنا عمرو بن مرة الجهني، عن سالم بن أبي الجعد: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال:
[ ١ / ١٨٣ ]
أقبلت ورسول الله ﷺ آخذ بيدي ونحن نتماشى بالبطحاء، إذ أتينا على أبي عمار، وعمار، وأمه، وهم يعذبون. فقال ياسر: أهكذا يكون الدهر كله. فقال له النبي ﷺ: اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر؛ وقد فعلت.
- حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وكيع بن الجراح، عن سالم بن أبي العلاء، عن عمرو [بن] هرم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان قال:
قال رسول الله ﷺ: «اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود.
أو قال: ابن أم عبد».
- حدثني أبو مسلم، عن وكيع عن النبي ﷺ بهذا الإسناد، قال:
«وتمسكوا بعهد ابن أم عبد».
- حدثني شريح بن يونس، عن مؤمل بن إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء قال: قال عمار:
«مثل الجليس الصالح مثل العطار، إلاّ تجد من عطره، يصل إليك ريحه. ومثل الجليس السوء مثل الكير، إن لم يحرقك بناره، أصابك من شرره ونتن ريحه».
- حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال:
كان أول من أفشى القرآن بمكة من في رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود، وأول من بني مسجدا يصلى فيه عمار بن ياسر.
- حدثني عمرو الناقد، وبكر بن الهيثم، قالا: ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن أبيه قال:
أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلى فيه عمار.
[ ١ / ١٨٤ ]
-حدثني إسحاق الفروي أبو موسى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
قلنا له: أخبرنا عن عمار بن ياسر، قال: مؤمن نسّاء إذا ذكّر ذكر.
- حدثني عفان، عن القاسم بن الفضل، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي بنحوه.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن كناسة الأسدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ (^١)، قال: نزلت في عمار بن ياسر.
- وقال الواقدي: أقطع رسول الله ﷺ عمارا موضع داره. وشهد وقعة بدر، وأحد، والخندق، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ.
- حدثني الحسين بن الأسود، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العيدي، قال:
قرئ علينا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه بالكوفة: «أما بعد فإني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم، وحذيفة وعثمان بن حنيف على السواد، ورزقتهم في كل يوم شاة». قال: فجعل شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة.
- حدثنا هدبة بن خالد البصري، عن أبي هلال الراسبي، عن الحسين، قال:
_________________
(١) - سورة الزمر - الآية:٩.
[ ١ / ١٨٥ ]
قال عمر: إنما وليت عمارا لقول الله ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (^١).
- حدثنا أبو مسعود الكوفي، ثنا عوانه - أو قال: أبو عوانه - عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة:
أنّ أهل الكوفة شكوا سعدا، فأكثروا، فعزله وولىّ عمارّ بن ياسر الكوفة.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه:
إن عمر عزل سعدا عن العراق، وقاسمه ماله. وولى عمار بن ياسر بعده.
- حدثنا عمرو بن محمد، حدثني عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق:
أن عبد الله بن مسعود كان يخطب كل خميس، ويدع خطبة الجمعة للأمير، وهو عمار.
- حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا العقدي أبو عامر، عن شعبة، عن سماك، عن رجل من تيم الله سمعه، يقول:
كان عمارا علينا سنة يخطبنا في كل جمعة، في عمامة سوداء.
- وحدثني أبو بكر الأعين، حدثنا عفان، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: أن عمارا كان إذا خطب، سلّم.
- حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم:
_________________
(١) - سورة القصص - الآية:٥.
[ ١ / ١٨٦ ]
أن عمار بن ياسر كان يقرأ على المنبر «يس». فقال له الأشعث بن قيس: وما أرحنا من ياسينك.
- وحدثني الحسين بن الأسود، حدثني يحيى بن آدم، عن أبي زبيدة عبثر، قال:
خطب عمار بخطبة وجيزة. فقيل له: لو زدت في خطبتك؟ فقال:
أمرنا بتقصير الخطب وإطالة الصلاة. قال: وكان يقرأ على المنبر: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (^١) فينزل فيسجد.
- حدثنا بكر بن أبي حذيفة، عن سفيان بن يسير بن ذعلوق، عن أبي مريم، قال:
قال عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان.
- حدثني الحسين، عن يحيى، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال:
رأيت عمارا قرأ يوم جمعة ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ،﴾ فنزل عن المنبر فسجد.
- وحدثني عبد الله بن صالح، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد:
أن عمارا كان لا يرى بأسا بالمعراض إذا قتل.
- حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال:
إنا لمع عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه بظهر الكوفة إذ عرض له حمار وحش، فأسرعنا إليه بالرماح، فطعنّاه بها. فقال عمار: والله لا تقوم
_________________
(١) - سورة القرآن - الآية:٨٤.
[ ١ / ١٨٧ ]
الساعة حتى إذا رئي رجل من قريش فعل به كما فعل بهذا، وحتى إنّ الرجل ليرى على أحدهم العمامة الحسنة فتعجبه فيضرب عنقه من أجلها ويأخذها منه.
- حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن علي بن أبي كثير، قال:
رأى عمار رجلا يصلي على دابته، فأخذ بقفاه، فحطه على قرار الأرض، وقال: صلّ ها هنا.
- حدثنا علي بن شور المقرئ، عن عبد الوهاب، عن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة:
أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ثم جعل يغشاها، وظنّ أنه لا طلاق إلا طلاق السنّة. فقالت له المرأة: ويحك إني قد بنت منك. فأتى الكوفة، فسأل عمارا، فقال: ما تقول في رجل طلق امرأته ثلاثا دفعة، ثم غشيها؟ فقال عمار: لو قدرت عليه، لرجمته. فانطلق إلى امرأته، فسرّحها، وقال:
كانت حلالا أم عبد الله … لي لو لم تطلّق
حجز التقى عنها ومن … لا يتق الرحمن يوبق
- حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي:
أن عمارا أتي بشاة مصلية (^١) في اليوم الذي يشك فيه قبل رمضان.
فتنحى رجل. فقال له: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فادن واطعم.
_________________
(١) - صلى اللحم يصليه صليا: شواه، أو ألقاه في النار للاحراق. القاموس.
[ ١ / ١٨٨ ]
-حدثني شجاع بن مخلد الفلاس، ويوسف، عن موسى، ثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال:
لما بنى عبد الله بن مسعود داره، قال لعمار: تعال فانظر إلى ما بنيت.
فنظر، وقال: بنيت شديدا، وأملت بعيدا، وستموت قريبا.
- حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، قال:
سمعت عمارا يقول: لا يضرب رجل عبده ظالما إلا أقيد منه يوم القيامة.
- حدثني عبد الله بن صالح، قال: ذكر لنا عن أبي الأحوص أنه رأى عمار بن ياسر يخطب يوم الجمعة، فبدت له حية. فنزل، فضربها حتى قتلها لقول النبي ﷺ: «اقتلوا الحية والعقرب ولو كنتم في صلاتكم».
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا سفيان، عن أجلح، عن ابن أبي الهذيل قال:
رأيت عمار يشتري قتّا (^١) بدرهم، فاستزاد حبلا، فأبى صاحبه أن يزيده. فجاذبه، حتى قاسمه إياه نصفين، وحمله عمار على ظهره إلى منزله - أو قال: القصر - وهو أمير الكوفة.
- حدثنا وهب بن بقية، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن سعيد بن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن مطرف قال:
رأيت عمار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبا.
_________________
(١) - ألقت: الفصفصة، أي الرطبة من علف الدواب. معجم أسماء النباتات.
[ ١ / ١٨٩ ]
-حدثني محمد بن سعد، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي قال:
سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا؟ قالوا: لا. قال:
فدعونا حتى يكون؛ فإذا كان تجشّمناها لكم.
- وحدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال:
وشى بعمار رجل إلى عمر، فرفع عمار يديه فقال: اللهم إن كان كذب عليّ، فابسط له في الدنيا واجعله موطوء العقب.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا أبو نوفل بن أبي عقرب، قال:
كان عمار من أطول الناس سكوتا وأقلهم كلاما. وكان يقول:
أعوذ بالله من الفتنة، أعوذ بالله من الفتنة. ثم عرضت له فتنة عظيمة.
- حدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم، قالا ثنا سعد العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي أن حذيفة قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبو اليقظان على الفطرة، أبو اليقظان على الفطرة، لن يدعها حتى يموت أو ينسيه الهرم».
- حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا شريك، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال:
شاتم عمارا رجل؛ فقال له: «إن كنت كما تقول، فأنا كتارك الغسل يوم الجمعة، وإن كنت كاذبا، فأكثر الله مالك، وأوطأ الرجال عقبك».
- حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدث:
[ ١ / ١٩٠ ]
أن عمارا قال لعائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل بعد ما فرغ الناس من القتال: سبحان الله يا أم المؤمنين، ما أبعد هذا الأمر من الأمر الذي عهد رسول الله ﷺ إليك فيه، أمرك أن تقري في بيتك، فقالت: من هذا، أبو اليقظان؟ قال: نعم: قالت: والله انك، ما علمت، لقوال بالحق. فقال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.
- وحدثنا خلف بن هشام البزاز، ثنا أبو عوانة، أنبأ أبو بلج، عن عمرو بن ميمون، قال:
أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان رسول الله ﷺ يمرّ به، فيمرّ يده على رأسه فيقول: «﴿يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا ١ عَلى﴾ عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية، يا عمار».
- حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود، عن أبي نضرة العبدي - المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال:
لما أخذ النبي ﷺ في بناء المسجد، جعل يحمل لبنة لبنة، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين، فحدثني أصحابي أن النبي ﷺ جعل ينفض التراب عن رأسه فيقول: «ويحك، يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية».
- وحدثني المدائني، عن علي بن مجاهد، قال:
وقع بين عبد الله بن مسعود وبين عمار بن ياسر تشاجر في شيء، فعجل عمار، فحبس ابن مسعود. فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: أتحبس ابن أم عبد؟ فعزل عمارا، وولى الكوفة المغيرة بن شعبة.
- حدثني أحمد بن هشام بن بهرام أبو عبد الله، ثنا عمرو بن عون،
_________________
(١) - انظر سورة الأنبياء - الآية:٦٩.
[ ١ / ١٩١ ]
أنبأ هشيم، عن العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد - وكان يأمن عند علي وعند معاوية ﵄ قال:
بينا أنا عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية».
فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال: ألا تثنى عنا مجنونك هذا، فلم يقاتل معنا إذا؟ فقال: إنّ رسول الله ﷺ أمرني بطاعة أبي، فأنا معكم، ولست أقاتل.
- حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ووهب بن بقية الواسطي، قالا:
ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك، عن محمد بن عبد الله المرادي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال:
كنا عند عمار بصفّين، وعنده شاعر ينشد هجاء في معاوية وعمرو بن العاص، وعمار يقول: «ألصق بالعجوزين». فقال رجل: أيقال عندكم الشعر وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر؟ فقال: إنا لما هجانا المشركون، شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: قولوا كما يقولون لكم. فإن كنا لنعلّمه الإماء بالمدينة.
- حدثني أحمد بن هشام بن بهرام. ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمار بن معاوية الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله قال:
قال رسول الله ﷺ: «ما عرض على ابن سمية أمران قط إلا اختار الأرشد منهما».
- وحدثني أبو بكر الأعين، عن عفان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار قال:
[ ١ / ١٩٢ ]
ثلاث من كمال الإيمان: الإنفاق في الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السّلام.
- حدثني أحمد بن هشام وعمرو بن محمد، قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عند عبد الله بن الحارث، قال:
إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبت، سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «ويحك يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية». قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: «ما تزال تأتينا بهنة تدحض بها في قولك. أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به».
- حدثني محمد بن سعد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الحارث:
بمثله.
- حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد بن عبد الله الطحان، ثنا داود بن أبي هند، عن عامر قال:
قال عمر لعمار ﵄: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك، لقد ساءني استعمالك إياي، وساءني عزلك.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، قال حدثني عبد الله بن الحارث، عن الفضيل، عن أبيه، عن عمارة، عن ابن خزيمة بن ثابت، قال:
شهد خزيمة بن ثابت الجمل، فلم يسلّ سيفا، وشهد صفّين، فقال: لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار؛ فأنظر من يقتله؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية». فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد أبانت
[ ١ / ١٩٣ ]
لي الضلالة. ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمارا: أبو الغادية المريّ، طعنه برمح، فسقط. وكان يومئذ يقاتل في محفة، فقتل وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع، أكبّ عليه رجل آخر فاحتزّ رأسه، فاختصما فيه. فقال عمرو: والله ما يختصمان إلا في النار، فقال معاوية:
أتقول هذا لقوم بذلوا أنفسهم دوننا؟ فقال عمرو: هو والله ذاك؛ وإنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
- حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الجبار، عن أبي إسحاق، قال:
لما قتل عمار، دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه، فشنّ عليه الماء، وطرح عليه سلاحه، ثم قاتل حتى قتل:
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، قال:
قتل عمار ﵁ وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدم في الميلاد من رسول الله ﷺ، وكان أقبل إليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني، وعمير بن الحارث الخولاني، وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه، فحملوا عليه فقتلوه، وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي كان ضربه حين أمر به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى أصابه الفتق. ويقال: بل الذي قتله عمير بن الحارث الخولاني.
وقال الكلبي: يقول أهل الشأم: إن الذي قتل عمارا: حويّ بن ماتع بن زرعة بن يحض السكسكي، من كندة. قال: وغيره يقول: قتله أبو الغادية المريّ.
[ ١ / ١٩٤ ]
-حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، أنبأ شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول:
رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم، في يده الحربة، وإنها لترعد. فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية، فقال: إنّ هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة. والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أنّ مصلحينا على الحقّ وأنهم على الضلال.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل قال:
قال عمار يوم صفين: «الجنة تحت البارقة، الظمآن قد يرد الماء، الماء مورود. اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل. والله لقد قاتلت هذه الراية ثلاث مرات مع رسول الله ﷺ، وما هذه المرة بأبرهنّ ولا أنقاهن».
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار بن ياسر، قالت:
لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار، والراية مع هاشم بن عتبة، وقد قاتل أصحاب عليّ ﵇ ذلك اليوم، حتى كادت الشمس تغرب، وعمار من وراء هاشم، وقد جنحت الشمس للغروب. ومع عمار ضيح (^١) من لبن.
فقال حين وجبت الشمس، وشرب الضيح سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن». قالت: ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وهو ابن أربع وتسعين سنة.
_________________
(١) - في هامش الأصل: الضيح والضياح - بالفتح - اللبن الرقيق الممزوج.
[ ١ / ١٩٥ ]
-حدثنا عمرو الناقد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال:
أتي عمار يوم صفين بلبن، فضحك وقال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنّ آخر شراب تشربه حتى تموت شربة لبن».
- حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري قال:
قال عمار يوم صفيّن: ائتوني بشربة لبن، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ آخر شربة تشربها في الدنيا شربة لبن». فأتى بلبن، فشربه. ثم قاتل حتى قتل. رضي الله تعالى عنه.
- حدثني عمرو الناقد، ثنا عفان، ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدثني أبي قال:
كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر. فقال الآذن: هذا أبو الغادية الجهني بالباب. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل وعليه مقطعات له، فإذا رجل طوال، ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلما دخل، قعد، قال: بايعت رسول الله ﷺ، قلت: بيمينك؟ قال:
لم؟ وذكر كلاما، ثم قال: «إنا كنا نعد عمار بن ياسر فينا حنّانا، فبينا أنا في مسجد قباء، إذا هو يقول: «إنّ نعثلا هذا» يعني عثمان. فقلت: لو أجد عليه أعوانا، لوطئته حتى أقتله، وقلت: اللهم. إن تشأ تمكني من عمار، فلما كان يوم صفين، أقبل في أول الكتيبة، حتى إذا كان بين الصّفين، أبصر رجل عورة منه، فطعنه في ركبته بالرمح، فعثر فانكشف المغفر عنه، فضربته، فإذا رأس عمار. قال: فلم أر رجلا أبين ضلالة عندي منه: إنه سمع من النبي ﷺ، وبايعه، ثم قتل عمارا. واستسقى أبو غادية ماء. فأتي بماء في
[ ١ / ١٩٦ ]
زجاج. فأبى أن يشرب. فأتي بماء في خزف، فقال رجل بالنبطية: «يتورّع عن الشرب في زجاج، ولم يتورّع عن قتل عمار».
- وحدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ سلمة، أنبأ كلثوم بن جبر، عن أبي غادية، قال:
سمعت عمارا يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعّدته بالقتل. فلما كان يوم صفّين، جعل عمار يحمل على الناس. فقيل: هذا عمار. فرأيت فرجة بينّ الرانين (^١) وبين الساقين، فحملت عليه، فطعنته في ركبته. فوقع، فقتلته.
فقيل: قتل عمار بن ياسر.
- وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وها أنت قاتله. قال: إنما قال: «قاتله وسالبه».
- وقال الواقدي في إسناد له:
حمل على عمار حويّ السكسكي وأبو الغادية المرّي، فقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف إلينا في الكتيبة، دلفنا إليه، فنادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من السكاسك، ثم بارز رجلا من حمير، فقتله عمار. وأثخن الحميري عمارا. ونادى: هل من مبارز؟ فاختلفنا ضربتين، واضطربت يد عمار، فضربته بسيفي حتى برد، ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان، قتلك الله، فقال له محمد بن المنتشر: خصمك، يا أبا الغادية، مازندر،- يعني ضخما - فضحك. وكان أبو الغادية شيخا كبيرا جسيما آدم.
- وقال عليّ ﵇: إنّ امرءا من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار ويدخل عليه بقتله مصيبة موجعة، لغير رشيد، رحم الله عمارا يوم أسلم،
_________________
(١) - الران: الخف الطويل.
[ ١ / ١٩٧ ]
ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا ما يذكر من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلا كان الخامس، وما كان أحد من أصحاب محمد يشكّ في أنّ عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئا له الجنة، عمار مع الحق أين دار، وقاتل عمار في النار.
- حدثني الحسين بن الأسود، عن عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال:
قتل عمار يوم قتل وهو مجتمع العقل.
- حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، قال:
قال عمرو بن العاص: إني لأرجو أن لا يكون رسول الله ﷺ مات يوم مات وهو يحبّ رجلا، فيدخله الله النار. فقال: قد كان يحبك ويستعملك، فقال: الله أعلم أحبني أم تألفني؛ لكنا كنا نراه يحب رجلا. قال: فمن ذاك الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفيّن. قال: قد والله قتلناه.
- وقال بعض الرواة: كان أبو الغادية عامليا. وأثبت ذلك أنه مرّى.
وقال الواقدي في إسناده: كان عمار آدم، طوالا، مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، وكان لا يغير شيبه. وقتل مع علي بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين، وذلك الثبت. ويقال:
إحدى وتسعين، ودفن بصفين (^١). رحمه الله تعالى.
_________________
(١) - قبر عمار الآن في طرف الرقة، وهناك مشروع بناء ضريح كبير مع مسجد عليه.
[ ١ / ١٩٨ ]
-حدثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن نمير عن أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق.
أن عليا ﵇ صلى على عمار، وهاشم بن عتبة، فجعل عمار مما يليه، وهاشما أمام ذلك، وكبر عليهما تكبيرا واحدا.
- وحدثنا بشر بن الوليد، ثنا أبو يوسف، عن الحسين بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة:
أن عليا صلى على عمار، ولم يغسّله.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم، ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق الشيباني، عن مثنى العبدي، عن أشياخ شهدوا عمارا قال: لا تغسلوا عني دما فإني مخاصم.
وروي عن الأصبغ بن نباته أنه قال:
رحم الله أبا اليقظان، فإني أرى أنه لو شارك أيوب ﵇ في بلائه، صبر معه.