وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده قال:
كان مضر من أحسن الناس صوتا. فسقط عن بعيره، فانكسرت يده. فجعل يقول: يا يداه! يا يداه! فأنست الإبل لصوته وهي في المرعى. فلما صلح وركب، حدا. فهو أول من حدا، وأول من قال:
«بصبصن إذ حدين». فذهبت مثلا.
واستعمل الناس الحداء بالشعر بعده، وتزيّدوا شيئا بعد شيء.
وقيل: إنه ضرب يد غلام له بعصا. فجعل الغلام يقول: يا يداه، يا يداه. فاجتمعت الإبل.
- وحدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، ثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن خالد
بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسّبوا مضر، فإنه كان مسلما» (^١).
وحدثني روح بن عبد المؤمن، عن محبوب القرشي، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا مضر وربيعة، فإنهما قد أسلما» (^٢).
- فولد مضر: إلياس، وبه كان يكنى؛ والناس، وهو «عيلان»، حضنه غلام لمضر يقال له عيلان، فسمي به. فقيل لابنه قيس بن عيلان، وقيس عيلان. وهو قيس بن إلياس بن مضر. وأم إلياس والناس - وهو عيلان - الرباب بنت حيدة بن معدّ بن عدنان.
أخبرني علي الأثرم، عن أبي عبيدة أنه قال:
_________________
(١) - انظر في كنز العمال - الحديث ٣٣٩٨٧
(٢) - كنز العمال - الحديث ٣٤١١٩.
[ ١ / ٣٧ ]
يقال للسلّ والنحافة ياس. قال ابن هرمة:
وقول الكاشحين إذا رأوني … أصيب بداء يأس فهو موده
وقال ابن عاصية، وهو مع معن باليمن:
فلو كان داء الياس بي وأغاثني … طبيب بأرواح العقيق شفانيا
وقال الشاعر:
هو الياس أو داء الهيام أصابني … فإياك عني لا يكن بك ما بيا
قال: وقد يكون الياس مشتقا من قولهم: فلان اليئيس، وهو الشديد البأس، المقدام، الثابت القلب في الحرب. وقال العجّاج:
أليس يمشي قدما إذا ادّكر … ما وعد الصابر من خير صبر (^١)
وقال الأثرم: حكى خالد بن كلثوم:
الأسد أليس. وقال: أليس بيّن اللئيس. وجمع ليس ألياس. قال:
وكانت خندف لما مات إلياس جزعت عليه، فلم تقم بحيث مات ولم يظلها بيت حتى هلكت سائحة. فضرب بها المثل؛ وقيل «حزن خندف».
وقال الشاعر:
فلو أنه أغنى لكنت كخندف … على إلياس حتى أعجبت كل معجب
إذا مونس لاحت خراطيم شمسه … بكت غدوة حتى يرى الشمس تغرب
وكان موته يوم الخميس، فكانت تبكي كل خميس من غدوة إلى الليل.
وقال الشاعر:
لقد عصت خندف من نهاها … تبكي على إلياس فما أباها
- فولد إلياس بن مضر: عمرو بن إلياس - وبه كان يكنى، وهو
_________________
(١) - ديوان العجاج - ط. دار الشرق، بيروت ص ٣٧ - ٣٨، مع فوارق.
[ ١ / ٣٨ ]
مدركة - وعامر بن إلياس وهو طابخة؛ وعمير بن إلياس، وهو قمعة.
وأمهم خندف. واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
- وروى عباس عن أبيه، عن جده وغيره، قالوا:
ندّت إبل إلياس، فدعا بنيه فقال لعمرو: إني طالب إبلي في هذه الجهة، فاطلبها يا عمرو في هذه الجهة الأخرى. وقال لعامر: التمس لي صيدا، وأعدد لنا طعاما، فتوجّه إلياس وعمرو ابنه في بغاء الإبل. وقالت ليلى لإحدى جاريتيها، وكانت لها جاريتان يقال لإحداهما ضبع وللأخرى نائلة: اخرجي في طلب أهلك فاعرفي خبرهم. واستخفها التطلع لتعلم خبر زوجها. فخرجت فتباعدت من الحواء مهرولة. وجاء عامر محتقبا صيدا.
فقال لنائلة: قصيّ أثر مولاتك، فلما ولت، قال: تقرصفي - أي أسرعي. والقرصافة، الخذروف. يقول: كوني كالخذروف في السرعة-.
ولم يلبثوا أن جاء الشيخ، وعمرو ابنه، وقد ردّ الإبل على أبيه، وتوافوا جميعا، فلما وضع الطعام بين أيديهم، قال إلياس: السليم لا ينام ولا ينيم. يقول: من نابه أمر، لم يستقرّ حتى يقضي اهتمامه به.- والسليم: اللديغ - فقالت ليلى امرأته: والله إن زلت أخندف في طلبكم والهة - والخندفة: الهرولة-. فقال إلياس: فأنت خندف. فغلب اللقب على اسمها. فقال عامر: لكني والله لم أزل في صيد وطبخ حتى جئتم.
قال: فأنت طابخة. وقال عمرو: والذي فعلت أفضل: لم أزل بحداء في طلب الإبل حتى أدركتها ورددتها. قال: فأنت مدركة. وقالت نائلة: أنا قصصت أثر مولاتي حتى أشرفت على الموت. قال: فأنت قاصّة. وقالت ضبع: وأنا التي تقرصفت لا أتلي. قال: فأنت قرصافة. لكنك يا عمير انقمعت في البيت. فأنت قمعة. فغلبت هذه الألقاب على أسمائهم.
[ ١ / ٣٩ ]
-قال هشام: وقال الشرقي بن القطامي:
خرج إلياس منتجعا، ومعه أهله وماله. فدخلت بين إبله أرنب، فنفرت الإبل. فخرج عمرو بن إلياس في طلبها، فأدركها. فسماه أبوه «مدركة». وخرجت ليلى خلف ابنها مهرولة، فقال الشيخ: ما لك إلى أين تخندفين؟ فسميت «خندف». وخرج عامر في طلب الأرنب، فصادها وطبخها. فقال له أبوه: أنت طابخة. ورأي عميرا قد انقمع في المظلة، فهو يخرج رأسه منها، فقال له: أنت قمعة (^١).
- قال هشام: وذكروا أنّ إلياس بن مضر قال لولده:
يا عمرو قد أدركت ما طلبتا … وأنت قد أنضجت ما طبختا
وأنت قد أسأت إذ قمعتا
ويقال إنّ قمعة بن خندف من غير إلياس.
- وقال الكلبي وشرقي:
لما مات نزار، قال ربيعة - وكان أسن من مضر-: ينبغي لنا أن نصير إلى الملك ليعرف مواضعنا، ويجعل الرئاسة لمن رأى منا. فقال مضر:
نحتاج في الوفادة إلى مؤونة؛ وأنا أتكلفها. ثم نفذ فسبقه ربيعة، فوفد قبله. ثم قدم مضر بعده، وقد أنس ربيعة بالملك. ثم قدم مضر وهو منقبض. فعلم أن ربيعة قد مكر به. فأمر الملك أن يسألا حوائجهما. فقال مضر: أنا أسأل الملك أن لا يأمر لي بشيء إلا أمر لربيعة بضعفه، فإنه أسنّ مني. فقال: ذاك لك. فقال: أسألك أن تأمر بقلع عيني وقلع عينيه جميعا. فضحك الملك وقال: لا بل أجيزكما، فأجاز مضر بشيء، وأعطى ربيعة مثله، لم يزده. وقوم يروون أن ربيعة كان أعور، فسأل مضر قلع
_________________
(١) - جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ٥.
[ ١ / ٤٠ ]
عينيهما، فخرج ربيعة أعمى ومضر أعور. وهذا باطل.
- وذكر أبو اليقظان، أنه روى عن النبي ﷺ، أنه قال: «أول من بحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحام وغيّر دين إبراهيم ﵇ عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف» (^١).
قال أبو اليقظان: وعمرو هو أبو خزاعة. وقال بعضهم: درج قمعة بن إياس، فلا عقب له.
- وحدثني محمد بن حبيب مولى بني هاشم، عن محمد بن الأعرابي، عن المفضل الضبي
أن قمعة بن إلياس تزوج وولد له؛ ثم غاضب إخوته، فأتى اليمن وحالف الأزد، وانتسب فيهم.
- فولد مدركة - واسمه عمرو، ويكنى أبا الهذيل - خزيمة وهذيلا.
ويقال إن خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة، وأمهما سلمى بنت أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقال بعضهم: هند بنت منصور بن يقدم بن إياد. والأول أصح وأثبت.
- فولد خزيمة بن مدركة - ويكنى أبا الأسد - كنانة وأمه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويقال: هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان، وأسد، وأسده - وهو رجل-، وعبد الله، والهون بن خزيمة.
وأمهم برّة بنت مر بن أدّ بن طابخة، أخت تميم بن مرّ.
وقال هشام بن الكلبي وغيره، والله أعلم: إنّ خزيمة لما تزوج برة ووهبت إليه، قالت: «إني رأيت رؤيا رأيت كأني ولدت غلامين من خلاف، وبينهما سائبا فبينا أنا أتأملهما إذا أحدهما أسد، وإذا الآخر قمر
_________________
(١) - انظره في كتاب الأوائل للامام سليمان بن أحمد الطبراني - ط. بيروت ١٩٨٣؛ ص ٤٦.
[ ١ / ٤١ ]
يزهر». فأتى خزيمة كاهنة، يقال لها سرحة، فقصّ الرؤيا عليها. فقالت:
«لئن صدقت رؤياها، لتلدنّ منك غلاما يكون له ولأولاده نفوس باسلة، وألسن سائلة، ثم لتموتن عنها فيتزوجها ابنك من بعدك، فتلد له ولدا ويكون لولده عدد وعدد، وقروم مجد، وعز إلى آخر الأبد». فولدت له أسدا. ثم خلف عليها كنانة، فولدت له النضر وإخوته منها. ورأى كنانة، وهو قائم في الحجر، قائلا يقول: «اختر أبا النضر، مني الصهيل والهدر، أو عمارة الجدر، وعزّ الدهر».
فقال: «كلا أسأل ربي». فقضى هذا كله لقريش.
- وقال هشام بن الكلبي: دخل بنو أسدة بن خزيمة في بني أسد بن خزيمة، وكانوا قليلا. وقوم يقولون: إنّ أسدة درج. ونسّاب مضر يقولون: إنّ أسدة هذا أبو جذام، وأنّ ولده غاضبوا إخوته، فأخرجوهم.
فأتوا الشأم، وحالفوا لخما وقالوا: جذام بن عدي أخو لخم بن عدي.
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
صبرنا عن عشيرتنا فبانوا … كما صبرت خزيمة عن جذام
وكانوا قومنا فبغوا علينا … فسقناهم إلى البلد الشآمي (^١)
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
وأم جذام كان ظئار قوم … على قوم وعطف ذوي العقول
ألجّتهم مباعدة وكانوا … بنى الهوّاسّ في الظلم المصول
فباتوا في بني أسد عليهم … مجاز من خزيمة ذي القبول (^٢)
وقال أبو اليقظان البصري: ردّ مروان بن محمد جذام في أيامه إلى بني أسد. فقال القعقاع الطائي:
ما كنت أحسب أن يمتدبي أجلي … حتى تكون جذام في بني أسد
_________________
(١) - ليسا في ديوانه المطبوع.
(٢) - ديوان الكميت ج ٢ ص ٦٢.
[ ١ / ٤٢ ]
فأصبحت فقعس تدعى إمامهم … يا للرّجال لريب الدهر ذي النحد (^١)
والبيض لخم وكانوا أهل مملكة … شمّ العرانين لا يسقون من ثمد
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، قال:
قام روح بن زنباع الجذامي مقاما انتمى فيه إلى خزيمة بن مدركة، ودعا جذام إلى الدخول في بني أسد. فبلغ ذلك نائل بن قيس بن زيد بن حبّاء الجذامي، فأقبل مسرعا وهو يقول: أين هذا الفاجر الغادر روح بن زنباع؟ فقيل: ههنا. فرد عليه قوله. وكان نائل شيخا، وروح شابا.
وجعل يقول: أتعرف هذا النسب؟ نحن بنو قحطان وفرق إلياس.
- وقال بعض بني أسد: ولد أسد بن خزيمة: عمرا. فولد عمرو:
جذاما، ولخما، وعاملة. فقال أبو السماك الأسدي:
أبلغ جذاما ولخما إن لقيتهم … والقوم ينفعهم علم الذي علموا
إنا نذكّركم بالله أن تدعوا … أباكم حين جدّ القوم واعتزموا
لا تدّعوا معشرا ليسوا بإخوتكم … حتى الممات وإن عزّوا وإن كرموا
وقالت امرأة من بني أسد:
نظرت نحو جارتيها وقالت … ليتني قد رأيت قومي جذاما
قد أرانا ونحن حيّ تهامو … ن جميع مطنّبون الخياما
ثم شطت دياركم بعد قرب … فإليكم يا قوم أهدى السلاما
- وكان خزيمة الذي نصب هبل على الكعبة. فكان ذلك الصنم ينسب إليه، فيقال: «هبل خزيمة».
- وولد كنانة بن خزيمة: النضر،- واسمه قيس؛ وإنما سمي النضر لجماله ونضارة وجهه. وكان كنانة يكنى أبا قيس. ويقال أبا النضر-،
_________________
(١) - ناحده: عاهده، وهم يناحدوننا: يتعهدوننا. القاموس.
[ ١ / ٤٣ ]
ونضير بن كنانة، ومالك، وملكان. وغير الكلبي يقول: ملكان، وعامر، وعمرو، والحارث، وسعد، وعوف، وغنم، ومخرمة، وجرول، وعزوان، وحذال - وهم باليمن، ليسوا في قومهم - وعبد مناة.
فأما أم النضر، ونضير، ومالك، وملكان، وعامر، وعمرو، والحارث، وسعد، وعوف: فبرّة بنت مرّ بن أدّ. خلف عليها بعد أبيه نكاح مقت. وأما أم عبد مناة فهي الذفراء. واسمها فكهة بنت هني بن بليّ من قضاعة. وسميت الذفراء لطيب ريحها. وأما الباقون، فأمهم، فيما ذكر لي بعض العدويين، من قضاعة. وكان هذا العدوي يقول: هو ملكان بن كنانة.
- وقال الكلبي: وأخو عبد مناة لأمه، علي بن مسعود بن مازن الغساني. فتزوج عبد مناة هند بنت بكر بن وائل، فولدت له. ثم مات، فخلف عليها علي بن مسعود، فولدت له نفرا. وحضن عليّ ولد عبد مناة، فغلب على نسبهم، وساروا في بني عليّ. قال أمية بن أبي الصلت:
لله درّ بني عليّ … أيّم منهم وناكح (^١)
قال ابن الكلبي: فوثب مالك بن كنانة على عليّ بن مسعود فقتله.
فوداه أسد بن خزيمة.
- وولد النضر بن كنانة: مالك، ويخلد. وبه كان يكنى النضر.
وهم في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة.
وقال هشام بن محمد: كان للنضر ابن يقال له الصلت، فدرج فيما يقول أكثر العلماء. وأمه وأم مالك ويخلد: عكرشة بنت عدوان - وهو الحارث - بن عمرو بن قيس عيلان. قال: وقوم من خزاعة يذكرون أنهم
_________________
(١) - ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٣٥٠.
[ ١ / ٤٤ ]
من بني الصلت بن النضر. منهم رهط كثيّر - صاحب عزّة - بن عبد الرحمن. قال كثيّر:
أليس أبي بالنضر أم ليس إخوتي … بكل هجان من بني النضر أزهرا
إذا ما قطعنا من قريش قرابة … فأيّ قسىّ يحمل النبل ميسرا
فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا … أراكا بأذناب القرانح أخضرا (^١)
و«ميسرة» أبو علقمة، رجل منهم.
- قال هشام: ولا أعرف لقول من زعم: «أن الصلت يجمع خزاعة» وجها، ولم أر عالما إلا منكرا لذلك. ورأيت أبي وشرقي يثبتان أن الصلت بن النضر درج.
- وقال بعض الشعراء يردّ على كثيّر وهو مولى لخزاعة.
سيأتي بنو عمرو عليك وينتمي … بهم نسب في جذم غسان معرق
فإنك لا عمرا أباك لحقته … ولا النضر إذ ضيعت شيخك تلحق
فأصبحت كالمهريق فضلة مائه … لجارى سراب بالفلا يترقرق (^٢)
- وقال بعض الرواة: كان النضر قد قتل أخاه لأمه، فوداه مائة من الإبل من ماله. فهو أول من سنّها.
- وولد مالك بن النضر - ويكنى أبا الحارث - فهر بن مالك وفهر جماع قريش؛ والحارث، درج. وأمهما جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي.
- فولد فهر بن مالك: غالب بن فهر - وبه كان يكنى - وأسد، وعوف، وجون، وذئب درجوا؛ والحارث بطن، ومحارب بطن - وهما في قريش الظواهر، كانوا ينزلون ظواهر مكة؛ وقيس بن غالب - وأمهم ليلى
_________________
(١) - ديوان كثير عزه - ط. الجزائر ١٩٣٠، ج ١ ص ١٩ - ٢٠، وفيه «الغوانج أخضرا».
(٢) - انظر ديوان كثير ج ١ ص ٢٣ - ٢٥.
[ ١ / ٤٥ ]
بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة. والظواهر بنو معيص بن عامر بن لؤيّ، وبنو تيم الأدرم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر إلا بني هلال بن أهيب، وهم رهط أبي عبيدة بن الجرّاح، وإلا رهط عياض بن عبد غنم، وبنى البيضاء، وباقو قريش هم قريش البطاح. وكانت قريش الظواهر تغزو وتغير. وتسمى قريش البطاح «الضبّ» للزومها الحرم، ودخل بنو حسل بن عامر مكة بعد، فصاروا مع قريش البطاح. وهم رهط سهيل بن عمرو وإخوته. فأما من دخل في العرب من قريش فليسوا من هؤلاء ولا هؤلاء.
- قال المدائني: قال مالك لابنه فهر:
ربّ صورة تخالف الخبر، قد غرت بجمالها المختبر. قبيح فعالها فاحذر الصورة واطلب الخبر. ولا تدبر أعجاز الأمور فتفجر.
- فولد غالب بن فهر - ويكنى أبا تيم - لؤيّ بن غالب؛ وتيم بن غالب وهو الأدرم وكان ناقص الذقن، وهم بطن، وهم من قريش الظواهر أيضا؛ وقيس بن غالب، درجوا. وكان آخر من بقي منهم رجل هلك في زمن خالد بن عبد الله القسري في ولايته مكة من قبل الوليد بن عبد الملك بن مروان (^١). فبقي ميراثه لا يدرى من إخوته. وأم بني غالب:
عاتكة بنت يخلد بن النضر. وهي إحدى العواتك اللاتي ولدن النبي ﷺ.
ويقال بل أمهم سلمى بنت عمرو بن ربيعة بن حارثة، من خزاعة.
- ولبني الأدرم بن غالب يقول الشاعر:
إنّ بني الأدرم ليسوا من أحد … ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد
ولا توفّاهم قريش في العدد
_________________
(١) - في جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ١٠ «في خلافة هشام».
[ ١ / ٤٦ ]
-وحدثت أن قريش الظواهر كانوا يفخرون على قريش البطاح لظهورهم للعدو، ولقائهم المناسر (^١). وقال ضرار بن الخطاب:
نحن بنو الحرب العوان نشبها … وبالحرب سمينا فنحن محارب
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها … خطانا إلى أعدائنا فنضارب
فذلك أفنانا وألقى قبائلا … سوانا توفّتهم قراع الكتائب
- وروى أن لؤيّ بن غالب قال: من رب معروفه لم يخلق ولم يخمل (^٢)، وإذا أخمل الشيء لم يذكر، وعلى من أولي معروفا نشره وعلى المولى تصغيره وطيه.
- وولد لؤيّ بن غالب - وكنية لؤيّ أبو كعب - كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ، وسامة بن لؤي - وأمهم ماوية بنت كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - وعوف بن لؤي وأمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان (^٣)، وخزيمة بن لؤي بطن وهم عائذة قريش، وسعد بن لؤي بطن وهم بنانة؛ والحارث وهو جشم بطن. كان جشم عبدا للؤيّ حضنه فغلب عليه.
- قالوا: وكان كعب عظيم القدر في العرب. فأرّخوا بموته إعظاما له، إلى أن كان عام الفيل فأرّخوا به. ثم أرّخوا بموت عبد المطلب. وكان كعب يخطب الناس في أيام الحج، فيقول: «أيها الناس افهموا واسمعوا
_________________
(١) - جمع منسر، والمنسر من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو من الأربعين إلى الخمسين، أو إلى الستين، أو من المائة إلى المائتين، وقطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكثير. القاموس.
(٢) - خمل وأخمله الله تعالى فهو خامل. القاموس.
(٣) - في جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ١٠ «عوف بن تميم بن عبد الله بن عفان».
[ ١ / ٤٧ ]
وتعلموا أنه ليل ساج، ونهار ضاح، وإنّ السماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم أعلام لم تخلق عبثا، فتضربوا عن أمرها صفحا. الآخرون كالأولين. والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم. صلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم. وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروّاتكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم. وأعظموا هذا الحرم وتمسكوا به فسيكون له نبأ، ويبعث منه خاتم الأنبياء. بذلك جاء موسى وعيسى». ثم ينشد:
على فترة يأتي نبي مهيمن … يخبر أخبارا عليما خبيرها
قال هشام بن محمد: وأما عوف بن لؤيّ، فإنّ أمه مضت بعد موت أبيه إلى قومها من بني غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وعوف معها.
فتزوّجها سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. فتبناه سعد. فقيل عوف بن سعد. وولد لعوف بن لؤي: مرّة. فقالوا: مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. وكان بنو غطفان انتجعوا أرضا مخصبة. فخرجوا وتركوا عوفا في داره التي ارتحلوا عنها. فقال عوف: لو كنت من هؤلاء ما تركت هزيلا. فركب بعيره وهو يريد اللحاق بقريش بمكة، فمرّ به فزارة بن ذبيان بن بغيض. فأخبره بما يريد أن يفعل. فقال فزارة:
عرّج عليّ ابن لؤيّ جملك … خلّفك القوم فلا منزل لك
ومضى به معهم. فكان عمر بن الخطاب يقول: لو كنت مدّعيا حيا من العرب لادّعيتهم.
- وهرب الحارث بن ظالم المرّي من ملك الحيرة، حين أجار ملك الحيرة خالد بن جعفر بن كلاب، من بني عبس، فقتله الحارث وهو في جواره فطلب. وأتى عبد الله بن جدعان مستجيرا به. وكانوا إذا خافوا
[ ١ / ٤٨ ]
فوردوا على من يستجيرون به، أو جاءوا لصلح، نكسوا رماحهم حتى طمنوا. فقال الحارث بن ظالم:
رفعت الرمح إذ قالوا قريش … وشبهت الشمائل والقبابا
فما قومي بثعلبة بن سعد … ولا بفزارة الشعر الرقابا
وقومي إن سألت بنو لؤيّ … بمكة علّموا مضر الضرابا (^١)
وكانت قباب قريش من أدم، لا يضربها غيرهم بمنى. وقال:
إذا فارقت ثعلبة بن سعد … وإخوتهم نسبت إلى لؤيّ
إلى نسب كريم غير مزر … وحيّ هم أكارم كل حيّ
فإن يغضب بهم نسبي فمنهم … قرابين الإله بنو قصيّ
ويقال إنّ الحارث بن ظالم قدم على عبد الله بن جدعان بعكاظ، وهم يريدون حرب قيس. فلذلك نكس رمحه. ثم رفعه حين عرفوه، وأمن.
ويوم عكاظ من أيام الفجار، وكان لقريش. وفيه يقول ابن الزبعرى:
ألا لله قوم و… لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد … مناف مدره الخصم
وذو الرمحين ناهيك … من القوة والحزم
هم يوم عكاظ م … نعوا الناس من الهزم
فهذان يذودان … وذا من كثب يرمي (^٢)
يعني هشام بن المغيرة المخزومي، وهاشم بن المغيرة ويكنى أبا عبد مناف، وذو الرمحين أبو ربيعة بن المغيرة، قاتل في هذا اليوم برمحين.
_________________
(١) - جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ١١. سيرة ابن هشام ج ١ ص ٧١ - ٧٢.
(٢) - شعر عبد الله الزبعرى - ط. بيروت ١٩٨١ ص ٤٨ مع فوارق.
[ ١ / ٤٩ ]
قال: وأقام الحارث بمكة، حتى أتاه أمان ملك الحيرة. ثم إنه قتل أيضا.
- وقال غير الحارث بن ظالم ينكر أنهم من قريش:
ألا لستم منا ولا نحن منكم … برئنا إليكم من لؤيّ بن غالب
أقمنا على دفع الأعادي وأنتم … مقيمون بالبطحاء بين الأخاشب
يقال لجبال مكة الأخاشب والحباحب.
- قال: وأما خزيمة بن لؤيّ، فكان له من الولد: عبيد، وحرب.
فولد عبيد: مالك بن عبيد. فولد مالك: الحارث. وأمه عائذة بنت الخمس بن قحافة، من خثعم، فغلبت على جميع ولد خزيمة بن لؤيّ، فسموا عائذة قريش.
وقد زعم بعض من لا علم له أن هذا البيت قيل في عائذة قريش:
فإن تصلح فإنك عائذيّ … وصلح العائذيّ إلى فساد
والبيت لحسان بن ثابت الأنصاري، قاله في أبيات هجا بها بعض بني عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولم يكن لهم هجرة ولا سابقة:
فإن تصلح فإنك عائذيّ … وصلح العائذيّ إلى فساد
وإن تفسد فما ألفيت إلا … لئيما لا تؤول إلى رشاد (^١)
وقال الأثرم، عن أبي عبيدة:
قال حسان هذا الشعر في رفيع بن صيفي بن عابد - بدال غير معجمة - وقتل رفيع يوم بدر كافرا.
- وكانت عائذة قريش في بني شيبان. وكان منهم، في بني محلم بن
_________________
(١) - ديوان حسان بن ثابت - ط. دار صادر بيروت ص ٢٥٨ - ٢٥٩. وفيه «فانك عابدي وصلح العابدي».
[ ١ / ٥٠ ]
ذهل بن شيبان، خاصة بنو حرب بن خزيمة. فلما كانت خلافة عثمان، ألحقهم بقريش؛ وأنزل معاوية بني حرب هؤلاء قرية بالشأم. فلم يزالوا بها، حتى إذا جاءت المسوّدة مرّوا بقريتهم. فقيل لهم: هذه قرية بني حرب. فظنوا أنهم بنو حرب بن أمية، فأغاروا عليهم فقتلوا أكثرهم.
فبقيتهم قليلة.
- وأما بنو سعد بن لؤيّ، فإنه يقال لهم بنانة، وبنانة أمهم. وهي أمة. ويقال هي بنانة بنت القين بن جسر. ويقال هي أمة حضنت عليهم، فنسبوا إليها، وليست بأمهم. وكانت بنانة في بني شيبان. فقدموا على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: لست أعرفكم. فقال عثمان: «رأيت رهطا منهم لقيهم أبي في الموسم، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: قوم من قريش نأوا عنا.» فقال لهم عمر: ارجعوا إليّ قابل. فلما انصرفوا قتل سيدهم، وكان يكنى أبا الدهماء. فلم يرجعوا حتى قام عثمان رضي الله تعالى عنه، فأتوه، فأثبتهم في قريش. فكانوا في البادية مع بني شيبان. وكتابتهم في قريش. ومنهم نفر بالموصل. وفيهم يقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت.
ضرب التجيبي المضلل ضربة … ردّت بنانة في بني شيبانا
والعائذي لمثلها متوقع … ما لم يكن وكأنه قد كانا
يعني بالتجيبي كنانة بن بشر بن عتاب السكوني، أحد بني تجيب.
- وأما بنو الحارث بن لؤيّ، وهم جشم لأنه حضنهم عبد للؤي يقال له جشم. فنسبوا إليه، وقيل بنو جشم. فكانوا زمانا في عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ثم في بني هزّان بن صباح، وهم أشراف عنزة. وقال جرير بن عطية بن الخطفي.
[ ١ / ٥١ ]
بني جشم لستم لهزان فانتموا … لفرع الروابي من لؤي بن غالب
ولا تنكحوا في آل ضور نساءكم … ولا في شكيس بئس حيّ الغرائب (^١)
قال ابن الكلبي: هو شكس بن الأسود، واضطره الشعر فقال «في شكيس». ويروى «شكيس» تصغير شكس، ويقال أيضا لبني الحارث هؤلاء «عقيدة»، برجل منهم يقال له عقيدة بن وهب بن الحارث بن لؤيّ.
وقالت امرأة ناكح في بني جشم هؤلاء:
ألا إنني أنذرت كل غريبة … بني جشم ياشرّ مأوى الغرائب
فإنكم من منصب تعلمونه … سوى أن يقولوا من لؤي بن غالب
فعودوا إلى هزّان مولى أبيكم … ولا تذهبوا في الترهات السباسب
وقال الشاعر:
بنانة في بني عوف بن حرب … كما لزّ الحمار إلى الحمار
وعائذة التي تدعى قريشا … وما جعل النحيت إلى النضار
- وأما سامة بن لؤي، فإنه وكعب بن لؤي أخاه جلسا على الشراب.
ففقأ سامة إحدى عيني كعب، وخرج هاربا. فأتى عمان، فتزوّج ناجية بنت جرم بن ربان - وهو علاف - بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
فيقال إنّ سامة ركب بعيرا له بعمان، وأرخى رأسه. فجعل يرعى. فوقع فم البعير على خشيشة تحتها أفعى. فنهشته في مشفره، فنفضها. فوقعت على سامة، فنهشته في ساقه فقتلته. فقال الشاعر:
عين بكّي لسامة بن لؤيّ … حملت حتفه إليه الناقه
عين بكي لسامة بن لؤيّ … علقت ما بساقه العلاقة
- قال هشام: فأخبرني أبي، عن عدة، عن علي بن أبي طالب رضي
_________________
(١) - ليسا في ديوانه المطبوع. انظر جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ١٢.
[ ١ / ٥٢ ]
الله تعالى عنه، أنه قال: سامة حق؛ أما العقب فليس له.
قال هشام: وأما من ثبت العقب لسامة، فإنهم يقولون: كان له بمكة ابن يقال له الحارث، وأمه هند بنت تيم الأدرم بن غالب. فماتت هند. فحمل الحارث معه إلى عمان. وتزوج سامة ناجية بعمان، أو بسيف من أسياف البحر، فولدت له غالب بن سامة. فهلك وهو ابن اثنتي عشرة سنة (^١). وخلف الحارث على ناجية نكاح مقت، فعقب سامة منه.
وقوم يقولون: كان لناجية ولد من غير سامة، وكان سامة متبنيا له.
فنسب إليه. فالعقب لذلك الولد.
وقال بعضهم: إنّ سامة شرب مع أخيه كعب. فرأى كعبا قد قبل امرأته. فأنف من ذلك، فهرب إلى عمان. فقال الشاعر في ذلك، وهو المسيّب بن علس:
وقد كان سامة في قومه … له أكل وله مشرب
فساموه خسفا فلم يرضهم … وفي الأرض من خسفهم مهرب
ومن قال إنه تزوج ناجية بنت جرم بتهامة، فقد غلط.
- فولد كعب بن لؤي - ويكنى أبا هصيص - مرّة بن كعب، وهصيص وأمهما مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وعدي بن كعب وأمه رقاش بنت ركبة بن بلبلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان.
- فولد مرّة بن كعب - ويكنى أبا يقظة - كلاب بن مرّة، وأمه هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ويقظة بن مرة، وتيم بن مرة، وأمهما أسماء بنت سعد بن عدي بن حارثة، من بارق من الأزد.
_________________
(١) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ٧٠.
[ ١ / ٥٣ ]
وقال غير الكلبي: اسم أم كلاب: نعم بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك. وقول الكلبي أثبت.
- فولد كلاب بن مرة - ويكنى أبا زهرة - زيد بن كلاب وهو قصيّ، وزهرة بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل - وهو خير - بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، من الأزد. وبعضهم يقول حماله، بالكسر.
وقال هشام: يزعم بنو عبد الرحمن بن عوف أن اسم زهرة «المغيرة»، وأن كلابا كان يكنى أبا المغيرة. وكان يقال «صريحا قريش ابنا كلاب».
وزعم هشام والشرقي أن عامر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد، بنى جدارا للكعبة وهى من سيل أتى في أيام ولاية جرهم البيت، فسمي الجادر.
قال هشام: وذكر الشرقي بن القطامي أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة، ويأخذون من طيبها وحجارتها تبركا بذلك؛ وأنّ عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ماشعث من جدرها، فسمى الجادر. قالوا: وكان سعد بن سيل وقومه مع بني كنانة. وفي سعد يقول الشاعر:
ما أرى في الناس طرا رجلا … حضر البأس كسعد بن سيل
فارس اضطر فيه عسرة … وإذا ما وافق القرن نزل
وتراه يطرد الخيل كما … يطرد الحر القطاميّ الحجل
وكان سعد بن سيل، فيما يقال، أول من حلّى السيوف بالفضة والذهب. وكان أهدى إلى كلاب مع ابنته فاطمة سيفين محليين. فجعلا في خزانة الكعبة.
وقال قصيّ:
[ ١ / ٥٤ ]
أنا الذي أعان فعلي حسبي … وخندف أمي وإلياس أبي
- قالوا: وإنما سمى زيد بن كلاب «قصيا» لأن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة قدم مكة حاجا فأقام بها، فلما مات كلاب بن مرة، خلف على امرأته فاطمة بنت سعد بن سيل. وكانت قد ولدت لكلاب: زهرة وزيدا؛ وكان زيد حين مات أبوه صبيا صغيرا، ثم إن ربيعة خرج إلى بلاد قومه، وحمل فاطمة وزيدا ابنها معه. وتخلف زهرة بمكة. فسمي زيد قصيا لبعده من دار قومه، وأنه أقصي عنهم. وولدت فاطمة لربيعة بن حرام: رزاح بن ربيعة، وحنّ بن ربيعة. فهما أخوا قصي لأمه. ويقال إنّ أخا قصيّ لأمه منهما رزاح بن ربيعة؛ وإنّ حن بن ربيعة من امرأة سوى فاطمة. وإنّ قصيا خرج من بلاد عذرة حتى أتى مكة.
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
لما بلغ قصي، جهزته أمه وزينته، فخرج مع حجاج عذرة، حتى أتى مكة. فعرفت له قريش قدره وفضله، وأعظمته حتى أقرت له بالرئاسة والسؤدد. وكان أبعدها رأيا، وأصدقها لهجة، وأوسعها بذلا، وأبينها عفافا. وكان أول مال أصابه مال رجل قدم مكة بأدم كثير، فباعه.
وحضرته الوفاة، ولا وارث له، فوهبه له، ودفعه إليه.
وكانت خزاعة مستولية على الأبطح والبيت، وكانت قريش تحلّ الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها. فخطب قصي إلى حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة - وهو لحيّ - ابنته حبّى بنت حليل. فزوجه إياها. وكان حليل يتولى أمر البيت، ويتقلد رئاسة خزاعة
[ ١ / ٥٥ ]
يومئذ. فلما كبر وضعف، دفع مفاتيح الكعبة إلى ابنته حبى. فكانت تأمر قصيا بفتحها مرة، وتأمر أخاها المخترش - وهو أبو غبشان بن حليل - بذلك أخرى. ثم مات حليل، وصارت الرئاسة إلى ابنه المخترش. فسأل قصي أن يجعل سدانة البيت إليه، ففعل.
قال هشام: ويقال إنّ حليل بن حبشية أوصى لقصي بسدانة البيت إكراما لابنته بذلك. ويقال إنّ قصيا سأل المخترش أن يجعل إليه السدانة، وبذل له ناقة كانت له ناجية؛ وزاده زق خمر. فصيرها إليه. وأنّ المخترش كان مضعوفا.
- قالوا: ولما أخذ قصي مفاتيح الكعبة إليه، أنكرت خزاعة ذلك، وكثر كلامها فيه، وأجمعوا على محاربة قصي وقريش، وطردهم من مكة وما والاها. فبادر قصي باستصراخ رزاح بن ربيعة وأخيه حنّ بن ربيعة، وكان رزاح سيد قضاعة وقائدها، فسار إليه منجدا له في الدهم منها، ومعه أخوه حنّ. فقاتل قصي خزاعة وألفافها من كنانة ومن ولد الربيط (^١) وهو الغوث بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. فلما ظهر قصي على خزاعة، أخرجها من مكة وأدخلها قريشا وقسمها رباعا بينهم، وتولى أمر البيت. وقد كان أبقى على خزاعة بعض الإبقاء للصهر بينه وبينهم. فلما خرجوا عن مكة، وقع فيهم الوباء فمات بشر منهم. وسمى قصي مجمعا لجمعه قريشا وقيامه بأمرهم.
- ويقال إن قصيا لم يحتج إلى محاربة خزاعة، لأن رزاحا لما ورد مكة،
_________________
(١) - في جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ٢٧٠: «والغوث بن مر، وهو الربيط، وهو صوفة كانت أمه نذرت، وكان لا يعيش لها ولد: لئن عاش، لتربطن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، وجعلته خادما للبيت حتى بلغ. ثم نزعته. فسمي الربيط».
[ ١ / ٥٦ ]
أذعنت لقصي وهابت حربه، وخرجت عن مكة، فدخلها. قال حذافة بن غانم بن عامر القرشي ثم العدوي:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا … به جمع الله القبائل من فهر
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم … به زيدت البطحاء فخرا على فخر
وقال رزاح حين أنجد قصيا:
وإني في الحياة أخو قصيّ … إذا ما نابه ضيم أبيت
فما لبثت خزاعة أن أقرّت … له بالذّل لما أن أتيت
- وحدثني علي بن المغيرة الأثرم، عن معمر بن المثنى أبي عبيدة، قال:
كان الذي أخذ قصي البيت منه أبو غبشان، واسمه سليم بن عمرو بن بويّ بن ملكان. والأول أصح وأثبت.
قال أبو عبيدة: قال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، وقال الشاعر:
أبو غبشان أظلم من قصيّ … وأظلم من بني فهر خزاعه
فلا تلحوا (^١) … قصيا في شراه
ولوموا شيخكم إذ كان باعه (^٢)
- وحدثني رجل من قريش أن إيادا ملكت تهامة. ثم إنّ ولد مضر وخزاعة قويت عليها، فأخرجتها. فدفنت إياد الركن. وعرفت موضعه امرأة من خزاعة، فقالت لقومها: خذوا عليهم العهد أن يولوكم حجابة البيت على أن تدلوّهم على الركن .. ففعلوا. فبهذا السبب وليت خزاعة الحجابة.
_________________
(١) - لحاه: شتمه. القاموس.
(٢) - ابن هشام ج ١ ص ٧٥ - ٧٦. جمهرة ابن كلبي ج ١ ص ١٣. الايناس للوزير المغربي ص ١٧٢ - ١٨٣.
[ ١ / ٥٧ ]
-وحدثني عباس بن هشام عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره، قالوا:
كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر (^١) حفرها لؤيّ بن غالب خارج مكة، ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها مرّة بن كعب ممايلي عرفة. فحفر قصي بئرا سماها العجول. وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة. وفيها يقول بعض رجاز الحاج:
تروى على العجول ثم تنطلق … إنّ قصيا قد وفى وقد صدق
بالشبع للناس وريّ مغتبق
وقال آخر:
آب الحجيج طاعمين دسما … أشبعهم زيد قصي لحما
ولبنا محضا وخبزا هشما
وكان قصي ربما أطعم الثريد.
- وقال ابن الكلبي: لما قسم قصي مكة، أنزل جميع قريش مكة.
ثم إنّ بني كعب بن لؤي لما كثروا، أخرجوا بطونا من قريش إلى ظواهر مكة، فسموا قريش الظواهر. ويقال إنّ قصيا أنزل قريش البطاح داخل مكة، وأنزل قريش الظواهر مكانهم.
- قالوا: ولما قسم قصى مكة خططا ورباعا بين قريش، فاتسقت له طاعتهم، قال لهم: «يا معشر قريش، إنكم جيران الله وسكان حرمه، والحاج أضياف الله وزوّار بيته؛ فترافدوا، حتى تصنعوا لهم طعاما وشرابا في أيام الحج، ينال منه من يحتاج إليه؛ فلو اتسع مالي لجميع ذلك، لقمت به دونكم». ففرض عليهم خرجا للرفادة. فكانوا يخرجونه، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم.
_________________
(١) - من أجل آبار مكة قبل زمزم، انظر أخبار مكة - ط. مدريد ج ٢ ص ٢١٤ - ٢٢٤.
[ ١ / ٥٨ ]
-وبنى قصى داره، فسميت دار المندوة، لأنهم كانوا ينتدون فيها فيتحدثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم، ويعقدون الألوية، ويزوّجون من أراد التزويج. وكان أمر قصي عند قريش دينا يعملون به ولا يخالفونه.
ولما مات، دفن بالحجون. فكانوا يزورون قبره ويعظمونه.
- وروي أن قصيا قال حين أراد إدخال قريش مكة:
فلست بحازم إن لم تأثّل … بها أولاد قيذر والنبيت
يعني ولد إسماعيل ﵇. وقوله «بها»، يعني مكة.
- وولد قصي - ويكنى أبا المغيرة - عبد مناف، واسمه المغيرة، وكان يدعى «القمر» لجماله. وجعلته أمه حبّى بنت حليل خادما لمناف، وهو أعظم أصنامهم عندهم، تدينا بذلك وتبركا به. فسماه أبوه «عبد مناف».
وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: «أنّ المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله وصلة الرحم».
وكان عبد مناف وعمرو بن هلال بن معيط الكناني عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة. وكانوا مع قريش. فقال الشاعر:
إنّ عمرا وإنّ عبد مناف … جعلا الحلف بيننا أسبابا
وعبد الله بن قصي، وهو عبد الدار؛ وعبد العزى، وعبد قصي.
وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول الخزاعى. فكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين، فسميت ابنين منهم بإلهي، وواحدا بداري، وواحد بي. وكان يقال لعبد بن قصي عبد قصي. وهند بنت قصي، تزوجها عبد الله بن عمار الحضرمي.
- وكان قصي شديد الحب لعبد الدار. وكان عبد الدار مضعوفا.
[ ١ / ٥٩ ]
فجعل له بعده دار الندوة، والحجابة، واللواء، والرفادة، والسقاية. فأما دار الندوة فلم تزل له ولولده، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارا للإمارة بمكة.
وأما الحجابة، فكانت له، ثم صارت بعده إلى عثمان بن عبد الدار، ثم إلى عبد العزى بن عثمان، ثم إلى ابنه أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى، ثم إلى طلحة بن أبي طلحة. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، أراد دفع المفتاح إلى عمه العباس. فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ الآية (^١). فدفع المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وكان أسلم في صفر سنة ثمان، وأقام بالمدينة وغزا مع النبي ﷺ مكة. ثم قام بالحجابة ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. فالحجابة فيهم.
وأما اللواء، فإنه لم يزل في بني عبد الدار حتى كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار؛ وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وكان لواء المشركين يوم أحد أيضا مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب ﵇؛ فقال الحجّاج بن علاط:
لله درّ مذبّب عن حرمة … أعني ابن فاطمة المعم المخولا
جادت يداك لهم بعاجل طعنة … تركت طليحة للجبين مجدلا
وشددت شدة بازل فكشفتهم … بالسيف إذ يهوون أخول أخولا
وعللت سيفك بالدماء ولم تكن … لتردّه حرّان حتى ينهلا
_________________
(١) - سورة النساء - الآية:٥٨.
[ ١ / ٦٠ ]
ثم أخذ اللواء بعده أبو سعد بن أبي طلحة، وقمن النساء خلفه وهن يقلن:
ضربا بني عبد الدار … ضربا حماة الأدبار
فقتله سعد بن أبي وقاص. ثم أخذه عثمان بن أبي طلحة، وهو أبو «شيبة بن عثمان»، وجعل يقول:
إنّ على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو تندّقا
فقتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ضربه ضربة بدا منها حقوه. ثم رجع وهو يقول: «أنا ابن ساقي الحجيج». ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، ثم أخذه أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة. فرماه عاصم بن ثابت الأوسي أيضا، فقتله. فلما أحس بالموت، دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه قزمان حليف بني ظفر من الأنصار فقتله. فأخذه الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله قزمان أيضا. وكان قزمان منافقا، فقاتل حمية. ثم أخذه شرحبيل بن هاشم، ويقال هو عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فقتله مصعب بن عمير.
فأخذ اللواء منه زرارة بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار؛ وبعضهم يقول يزيد بن عمير. فقتله قزمان. ثم أخذه قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار؛ ويقال قاسط بن شريح بن هاشم بن عثمان بن عبد الدار. فقتله قزمان. ثم أخذه مولى لهم، يقال له صؤاب، حبشي.
فقطعت يمينه، قطعها قزمان. فأخذه بيساره، فقطعت. فالتزم القناة وهو يقول: «أعذرت يا بني عبد الدار». يريد أعذرت يا بني عبد الدار، وكان أعجميا. فرماه قزمان، فقتله. ووقع اللواء، وتفرق المشركون. فأخذته
[ ١ / ٦١ ]
عمرة بنت الحارث بن علقمة بن زرارة بن عبد مناف بن عبد الدار. فقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري:
عمرة تحمل اللواء وولّت … عن صدور القنا بنو مخزوم
لم تطق حمله الزعانف منهم … إنما يحمل اللواء الكريم (^١)
فلما أسلم بنو عبد الدار، قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا. فقال ﷺ: الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء. ولما قتل مصعب بن عمير، ومعه لواء رسول الله ﷺ، أخذ اللواء مالك، تشبه بمصعب حتى دخل المدينة. ويقال أخذه أبو الروم أخوه، وكان من مهاجرة الحبشة، فدخل به المدينة. وقال حسان بن ثابت:
فخرتم باللواء وشرّ فخر … لواء الكفر ردّ إلى صؤاب
جعلتم فخركم جهلا وجبنا … لألأم واطئ عفر التراب (^٢)
- وأما الرفادة والسقاية، فإنهما لم تزالا في حياة قصي إلى عبد بن قصي. ثم صارتا إلى عبد الدار بن قصي، حتى عظم شأن بني عبد مناف بن قصي. فقالوا: نحن أولى بما يتولاه بنو عبد الدار منهم، فجمعوا من مال إليهم وعرف فضلهم. وهم: بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة بن كعب، ومن كان داخل مكة من بني الحارث بن فهر وهم قوم أبي عبيدة بن الجّراح، وأتوا بإناء فيه طيب، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوها بالكعبة، وتحالفوا أن لا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة.
_________________
(١) - ديوان حسان ج ١ ص ٤١ مع فوارق كبيرة.
(٢) - ديوان حسان ج ١ ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
[ ١ / ٦٢ ]
ويقال إنهم تحالفوا وتعاهدوا في منزل ابن جدعان. فسموا المطيّبين.
وحالف بني عبد الدار، على منع المطيبين من نشبتهم (^١) وإرادتهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب. واجتمعوا.
فقالت: بنو عدي: إنما الطيب لربات الحجال. وأتو بجفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. وكانت العرب إذا تحالفت، غمست أيديهم في الملح والرماد. فسمى بنو عدى بها لعقة الدم، وولغة الدم. ويقال إنّ بعضهم لعق من الدم. فيقال إنّ الفريقين من المطيبين والأحلاف اقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن جعلت الرفادة والسقاية لبني عبد مناف. ويقال إنهم لم يقتتلوا، ولكن الرجال سفرت بينهم حتى تراضوا بهاتين المكرمتين.
فاحتملت بنو عبد مناف أعظم الأمور مؤونة. وسمي من حالف بني عبد الدار «الأحلاف». قال عبد الله بن وداعة السهمى:
نحن شددنا الحلف من غالب … وغالب واقفة تنظر
لم يستطيعوا نقض أمر أرن (^٢) … وهم على ذاك بنا أخبر
وزعموا أن عبد الله بن صفوان قال لابن عباس: لإمرة المطيبين كانت أفضل أم إمرة الأحلاف؟ فقال: إمرة المطيبين. يعني خلافة أبي بكر أفضل من خلافة عمر. وقال عمر بن أبي زمعة، ويقال يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويقال ابن قيس الرقيات:
ولها في المطيّبين جدود … ثم نالت ذوائب الأحلاف
إنها بين عامر بن لؤي … حين تدعى وبين عبد مناف
يشرئبّون في الذؤابة حلوا … حيث حلت ذوائب الأشراف (^٣)
_________________
(١) - تناشبوا: تضاموا وتعلق بعضهم ببعض. القاموس.
(٢) - أرن: نشط.
(٣) - ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات - ط. دار صادر، بيروت ص ١٨٦ مع فوارق.
[ ١ / ٦٣ ]
-قالوا: ولما كان يوم أحد، لقي زيد بن الخطاب، أخو عمر، أبا جهم بن حذيفة بن غانم. فقال له أبو الجهم: أنا والغ الدم. فقال له زيد، قد أتاك والغ مثلك.
- قالوا: واقترع بنو عبد مناف على الرفادة والسقاية، فصارتا لهاشم بن عبد مناف. ثم صارتا بعده للمطلب بن عبد مناف بوصية. ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فادّان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم. فأنفقها.
فلما كان العام المقبل، سأله سلف خمسة عشر ألف درهم؛ ويقال أربعة عشر ألف درهم. فقال له: إنك لم تقضني مالي عليك، وأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تدفع إليّ جميع مالي في قابل فأمر الرفادة والسقاية إليّ دونك، فأجابه إلى ذلك. فلما كان الموسم الثالث، ازداد أبو طالب عجزا وضعفا، ولم تمكنه النفقة، وأعدم حتى أخذ كل رجل من بني هاشم ولدا من أولاده ليحمل عنه مؤونته. فصارت الرفادة والسقاية إلى العباس، وأبرأ أبا طالب مما له عليه. وكان يأتيه الزبيب من كرم له بالطائف، فينبذ في السقاية. ثم جعل الخلفاء الرفادة من بيت المال. فقام بالرفادة والسقاية، بعد العباس، عبد الله بن عباس، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي. ثم لما استخلف المنصور، قال: إنكم لا تلون هذا الأمر بأبدانكم، وإنما تقلدونه مواليكم؛ فأمير المؤمنين أحق بتوليته مواليه. فوّلى أمر السقاية، ونفقة البيت، وإطعام الحاجّ مولى له يقال له زريق.
- وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، عن رجل من قريش، أنه قال:
[ ١ / ٦٤ ]
كان مما لحقنا من كلام قصي قوله: «العيّ عيان، عيّ الإفحام، وعيّ المنطق بغير سدر». وقوله: «الحسود عدوّ خفي المكان». وقوله:
«من سأل قوما فوق قدره استحق الحرمان». وكان بنات قصي: برة تزوّجها عمر بن مخزوم، وتخمر تزوجها عمران بن مخزوم. وأمهما حبّى بنت حليل.
- وقال الواقدي: أنزل قصي قريشا منازلها، وكان بالبلد عضاه.
فقطعها، وأذن في قطعها. فاستوحشوا من ذلك فقال: إنكم ليس تريدون الفساد؛ إنما تريدون التوسعة وتستعينون على منازلكم.
قال الواقدي: ويقال إنهم استأذنوه في قطع الشجر، فأباه؛ فبنوا والشجر في منازلهم. وهذا أحسن عندنا من إذن قصي في قطع الشجر، وأشبه بالحق. قال: ثم اضطروا إلى قطعه، فقطعوه بعده. وكان عبد الله بن الزبير قطع شجرا في دوره، لضيقها عليه.
- وولد عبد مناف بن قصي - وتكنى أبا عبد شمس - عمرو بن عبد مناف وهو هاشم. وأمه عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان، من بني سليم. وأمها ماوية بنت حوزة بن سلول. وإنما سمي هاشما، لأنه هشم لهم الخبز.
حدثني عباس بن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أصابت قريشا سنة ذهبت بأموالهم وأقحطوا فيها. وبلغ هاشما ذلك وهو بالشأم. وكان متجره بغزّة وناحيتها.
فأمر بالكعك والخبز، فاستكثر منهما. ثم حملا في الغرائر على الإبل، حتى وافى مكة. فأمر بهشم ذلك الخبز والكعك، ونحرت الإبل التي حملت.
فأشبع أهل مكة وقد كانوا جهدوا. فقال عبد الله بن الزبعرى - وقال بعضهم: الزّبعرى، والأول أصح-:
[ ١ / ٦٥ ]
عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
وهو الذي سنّ الرحيل لقومه … رحل الشتاء ورحلة الأصياف (^١)
وقال وهب بن عبد قصي:
تحمل هاشم ما ضاق عنا … وأعيا أن يقوم به ابن بيض
فأوسع أهل مكة من هشيم … وشاب الخبز باللحم الغريض (^٢)
قال ابن الكلبي: ابن بيض رجل من قوم عاد، كان يقال له ثوب بن بيض، نزل به قوم فنحر لهم جزورا سدّت طريقا كانت تسلك إليه في واد.
فقيل: سد ابن بيض السبيل، فذهبت مثلا، ويقال إنّ ابن بيض هذا كان موسرا مكثرا، وكان قد صولح على خرج، وجعل على نفسه شيئا لقوم يعطيهم إياه لوقت. فكان يخرج ذلك الشيء، ويجعله في فم شعب كان يدخل إليه منه. فإذا جاء من يقبض ذلك، قالوا: سدّ ابن بيض السبيل؛ أي قضى ما عليه.
وروي عن يونس النحوي البصري أنه قال: يقال للرجل الشريف الواضح النسب «ابن بيض»، كما يقال «ابن جلاء».
- وكان هاشم بن عبد مناف صاحب إيلاف قريش الرحلتين، وأول من سنّهما. وذلك أنه أخذ لهم عصما من ملوك الشأم، فتجروا آمنين. ثم إنّ أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب الحبشة، وإليه كان متجره.
وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن. وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق. فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشأم. فقال الحارث بن حنش
_________________
(١) - شعر عبد الله بن الزبعرى ص ٥٣.
(٢) - اللحم الغريض: الطازج والطري.
[ ١ / ٦٦ ]
السلمي، وهو أخو هاشم لأمه عاتكة بنت مرة السلمية:
إنّ أخي هاشما ليس أخا واحد … والله ما هاشم بالناقص الكاسد
والخير في ثوبه وحفرة اللاحد … الآخذ الألف والوافد للقاعد
وقال العجير السّلولي:
نحن ولدنا هاشما والمطّلب … وعبد شمس نعم صنو المنتجب
وقال مطرود بن كعب الخزاعي:
يا أيها الرجل المحوّل رحله … هلاّ نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت عليهم … ضمنوك من جوع ومن أقراف
الآخذون العهد من آفاقها … والراحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون إذا الرياح تناوحت … ورجال مكة مسنتون عجاف (^١)
والمفضلون إذا المحول ترادفت … والقائلون هلم للأضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم … حتى يكون فقيرهم كالكافي
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده وابن خربوذ وغيرهما، قالوا:
لما صارت الرفادة والسقاية لهاشم، كان يخرج من ماله كل سنة للرفادة مالا عظيما، وكان أيسر قريش، ثم يقف في أيام الحج فيقول: «يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في موسمكم هذا زوّار الله تبارك ذكره يعظمون حرمة بيته، وهم أضيافه وأحق الناس بالكرامة.
فأكرموا أضيافه وزوّار كعبته، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح قد أزحفوا، وتفلوا، وقملوا، وأرملوا (^٢). فأقروهم، وأغنوهم،
_________________
(١) - في نسخة استانبول: «حتى تغيب الشمس في الرجاف».
(٢) - أزحفوا: أعيوا. تفلوا: أنتن ريحهم. قملوا: تولد عندهم القمل. أرملوا: قل زادهم.
[ ١ / ٦٧ ]
وأعينوهم». فكانت قريش تترادف على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون إليه بالشيء على قدرهم فيضمه إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس. فإن عجز ذلك، أكمله.
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه هشام بن محمد، قال:
كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال. فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك. فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره. فغضب، ونافر هاشما على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، وعلى الجلاء عشر سنين. وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جدّ عمرو بن الحمق، وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية. فقال الكاهن: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر». فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشأم فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. وقال الأرقم بن نضلة يذكر هذه المنافرة ويذكر تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية:
لما تنافر ذو الفضائل هاشم … وأمية الخيرات نفر هاشم
وقال أيضا:
وقبلك ما أردى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شر مورد
- وولد عبد مناف، سوى هاشم، عبد شمس بن عبد مناف، والمطلب ويدعى الفيض. وفيه يقول مطرود الخزاعي حين مات:
قد سغب الحجيج بعد المطلب … بعد الجفان والشراب المنثعب
[ ١ / ٦٨ ]
وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور. ونوفل بن عبد مناف، وأبا عمرو واسمه عبيد درج؛ وأمهما واقدة بنت أبي عدي. من بني مازن بن صعصعة بن معاوية. وكان يقال لهاشم والمطلب «البدران». وكان لعبد مناف من البنات. من عاتكة: تماضر، تزوجها عبد مناف بن عبد الدار؛ وحيّة تزوجّها عمرو بن ظويلم، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر؛ وقلابة، تزوّجها عبد العزى بن عامر الفهري؛ وهالة، وهي أم الأخثم، وفي الأخثم يقول الشاعر:
أبشر بخير حين تلقى عامرا … نشوان يبرق وجهه كالدرهم
لما رآني عاريا ذا خلة … ألقى عليّ رداءه ابن الأخثم
تزوجها عمرو بن خالد بن أمية بن ظرب الفهري، ويقال تزوجّها خالد بن عامر بن أمية بن ظرب. وبرّة، تزوّجها سبع بن الحارث الثقفي؛ وريطة بنت عبد مناف، وأمها النافذة، تزوّجها هلال بن معيط بن عامر الكناني. وقال مطرود بن كعب الخزاعي في ولد عبد مناف:
يا ليلة هيّجت ليلاتي … إحدى ليالي القسيّات
إنّ المغيرات وأبناءهم … لخير أحياء وأموات
أخلصهم عبد مناف فهم … من لوم من لام بمنجاة
قبر بردمان وقبر بسل … لمان وقبر عند غزّات
وميت مات قريبا من ال … حجون عن شرق البنيّات (^١)
يعني بالمغيرات ولد المغيرة، وهو عبد مناف، كما قال النابغة:
_________________
(١) - الذي بردمان - موقع باليمن - المطلب بن عبد مناف. والذي بسلمان - ماء قديم جاهلي - نوفل بن عبد مناف، والقبر الذي عند غزة لهاشم بن عبد مناف، والذي بقرب الحجون عبد شمس بن عبد مناف. معجم البلدان.
[ ١ / ٦٩ ]
شاق الرفيدات من عودي ومن عمم … وماش من رهط ربعيّ وحجّاز (^١)
يريد ولد رفيدة بن ثور بن كلب؛ وعودي وعمم ابنا نمارة بن لخم، وربعي وحجاز من ولد الحارث أخي عذرة بن سعد: ربعي بن عامر، وحجاز بن مالك. وأما ردمان ففي ناحية اليمن، وسلمان في طريق العراق، وغزّة بالشأم. فالذي بردمان، المطلب؛ والذي بسلمان، نوفل؛ والذي بغزّة، هاشم؛ والذي مات بمكة ودفن بقرب الحجون، عبد شمس. وقال مطرود أيضا:
كانت قريش بيضة فتفلّقت … فالمحّ خالصه لعبد مناف
فحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد:
كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمحّ خالصه لعبد الدار
فقال ﷺ لأبي بكر: يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر؟ قال أبو بكر:
لا، إنما قال: «لعبد مناف». قال: كذلك قال.
- قال: ومات هاشم بغزّة من بلاد الشأم، فقبره بها. وقدم بتركته ومتاعه أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، من بنى عامر بن لؤي. وكان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة. وذلك الثبت. ويقال عشرون سنة.
وقال مطرود يرثيه:
مات الندى بالشأم لما أن ثوى … فيه بغزّة هاشم لا يبعد
لا يبعدن ربّ الفناء نعوده … عود السقيم يجود بين العوّد
فجفانه رذم (^٢) … لمن ينتابه
والنصر منه باللسان وباليد
_________________
(١) - ليس في ديوان النابغة الذبياني ولا النابغة الجعدي المطبوعين.
(٢) - الرذوم: السائل من كل شيء، والقصعة الممتلئة تصب جوانبها. القاموس.
[ ١ / ٧٠ ]
وقال أبو عبيدة: أم هاشم والمطلب وعبد شمس بني عبد مناف:
عاتكة بنت مرّة، وأمها سلولية. وأم نوفل بن عبد مناف: واقدة بنت أبي عدي، من بني مازن بن صعصعة. وهي أم أبي عمرو، واسمه عبيد بن عبد مناف، درج.