والبلاذري (^١):
هو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود. أبو بكر، وقيل أبو الحسن، وقيل أبو جعفر. ترجم له كثير من المؤرخين من أمثال: النديم في الفهرست
_________________
(١) - البلاذري: بفتح الباء وضم الذال وكسر الراء نسبة إلى البلاذر وهو شجر من فصيلة البطميات، وثمرة شبيه بنوى التمر ولبه مثل لب الجوز، وقشرة متخلخل. قيل إنه يقوي الحفظ لكن الإكثار منه يؤدي إلى الجنون.
[ المقدمة / ٤ ]
وابن عساكر في تاريخ دمشق، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابن العديم في تاريخ حلب، والذهبي في سير أعلام النبلاء، ومحمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، وابن حجر في لسان الميزان. ولم يترجم له الخطيب البغدادي مع أنه توفي بعده بأكثر من ثلاثة أرباع القرن.
ويعدّ البلاذري واحدا من أبرز مؤرخي القرن الثالث الهجري، وهو بحق من أشهر مؤرخي الفتوحات.
وقد ولد على الأرجح في بغداد، ولعل ذلك كان فيما بين سنة ١٧٠ - ١٨٠ هـ /٧٨٦ - ٧٩٦ م، ذلك أننا لا نعرف تاريخ ميلاده بشكل محدد، ولا حتى تاريخ وفاته، لكن يمكن افتراض هذا التاريخ على أساس ما ورد في ترجمته لدى ابن عساكر: أنه مدح المأمون بشعره، وأن يصل البلاذري كشاعر إلى بلاط المأمون يفترض أنه كان في العقد الثالث من عمره على الأقل.
وعاش البلاذري مطلع شبابه في بغداد في جو تفتحت فيه أزاهير الأدب واينعت ثمار العلم، ونشطت حركة الترجمة والنقل بعد أن فتحت النوافذ على ثقافات الأمم الأخرى، وكان من الطبيعي أن يتأثر هو بمثل هذا الجو الأدبي والعلمي ولا عجب وقد كان من أسرة عرفت بممارستها للأدب، فقد كان جده جابر بن داود يكتب للخصيب صاحب مصر.
وقد تنوعت مواهب البلاذري فكان كاتبا أديبا، شاعرا، راوية للأخبار، نسّابة. وامتاز بذهن متوقد وبذاكرة تختزن المعلومات الغزيرة.
وقد تتلمذ على عدد من مشاهير العلماء والمحدثين في بغداد من أمثال:
عفان بن مسلم، وأحمد بن ابراهيم الدورقي، ومحمد بن الصبّاح الدولابي، وعلي بن المديني، وعبد الله بن صالح العجلي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن محمد المدائني، وعثمان بن أبي شيبة، ومصعب
[ المقدمة / ٥ ]
الزبيري، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وعبد الأعلى بن حماد، ومحمد بن حاتم السمين، وعباس بن هشام الكلبي، وعباس بن الوليد النرسي، وشيبان بن فروخ، وعبد الواحد بن غياث، والحسين بن علي بن الأسود العجلي، وعمرو بن ميمون الناقد، وإسحاق بن إسرائيل، وأبي الربيع الزهراني، وخلف البزار، وهوذة بن خليفة وعشرات غيرهم.
كما روى عنه عدد من شيوخ الحديث منهم: محمد بن خلف، وأحمد بن عمار، ويعقوب بن نعيم بن قرقارة الأرزني، ووكيع القاضي، ويحيى بن البريم، وعبد الله بن أبي سعد، ويحيى بن المنجم.
وبعد أن استوعب البلاذري ما لدى شيوخ العراق من علوم الحديث والأخبار والأنساب بدأ يبحث عن مصادر أخرى ليأخذ ما لم يجده لدى شيوخه في العراق، أو ليقابله مع ما تلقاه، وهكذا اختار بلاد الشام التي كانت تعدّ بالنسبة للحديث في مرتبة تالية لمرتبة العراق في تلك الحقبة من حيث أنها كانت تضم عددا من أبرز شيوخ الحديث ممن تتلمذ بعضهم على عدد من التابعين - وخصوصا فيما يتعلق بالسير وغزوات الرسول ﷺ، وكانت تشدّ نحوهم الرحال وتضرب إليهم أكباد الإبل من سائر الآفاق.
ومع أن المصادر المتوفرة لا تتعرض للتاريخ الذي قام البلاذري فيه برحلته هذه إلا أنه يمكن الافتراض أن ذلك كان خلال الحقبة ما بين خلافة كل من المأمون والمتوكل [١٩٨ - ٢٣٢ هـ /٨١٣ - ٨٤٦ م]، وكان أن يمم شطر دمشق وحمص وحلب ومنبج وأنطاكية والثغور حيث تتلمذ على يد أبرز علمائها من أمثال هشام بن عمار [ت ٢٤٥ هـ /٨٥٩ م] وعمر بن سعيد في دمشق، ومحمد بن مصفى الحمصى [ت ٢٤٦ هـ /٨٦٠ م] في حمص، ومحمد بن عبد الرحمن [ت ٢٤٣ هـ /٨٥٧ م] وأحمد بن الوليد بن برد في انطاكية.
[ المقدمة / ٦ ]
ويمكن من خلال معرفتنا لتاريخ وفاة هؤلاء الشيوخ الشاميين الاستنتاج أن هذه الرحلة تمت قبيل عام ٢٤٣ هـ على أبعد تقدير. ويبدو لنا هذا التفسير مقبولا سيما وأن المصادر المتوفرة لا تتعرض إلى تاريخ حياة البلاذري في الحقبة الواقعة بين خلافتي المأمون والمتوكل مما يبعث على الإفتراض أنه كان آنذاك منكبا على تلقي العلم والأخذ عن شيوخ العراق، ثم رحل بعدها إلى الشام والثغور لاستكمال علومه، وعند ما عاد من الشام إلى سامراء، عاد وهو متسلح بفيض زاخر من مختلف العلوم التي أسهمت في إنضاج موهبته الشعرية بفضل ما كان يقرأه من أخبار العرب وأشعارهم في الشواهد الكثيرة في كتب التاريخ وفي الأخبار والأنساب، وبدأ نجمه في المجتمع بالسطوع زمن المتوكل الذي قرّبه وجعله من بين خالص ندمائه.
تجلت موهبة البلاذري الشعرية في وقت مبكر من شبابه وكانت بغداد آنذاك تعج بالعديد من فطاحل الشعراء ممن يتزاحمون على أبواب الخليفة وأبواب الرؤساء، يمدحونهم وينالون عطاياهم من أمثال كلثوم بن عمرو العتابي، وحبيب بن أوس الطائي - الذي مدح المأمون ولكنه لم يلق حظوة لديه - وغيرهما كثيرون.
وشرع البلاذري - كغيره من شعراء عصره - بالتكسب عن طريق الشعر، فحاول التقرب من الخليفة المأمون [١٩٨ - ٢١٨ هـ/٨١٣ - ٨٣٣ م] ومدحه بأبيات، إلا أن تجربته الشعرية وسنه لم يكونا آنذاك قد نضجا بدرجة كافية بحيث يمكنه مزاحمة فحول الشعراء المحيطين بالخليفة آنذاك بدليل أن محاولته هذه لم تلق صدى لدى المأمون الذي كان بحق يتمتع بحس فلسفي وأدبي عميق، فكان أن طرق بابا آخر من أبواب العلم والأدب له سوق رائجة في كل مكان، هو باب الحديث والأنساب ورواية الأخبار، فصرف سنوات كثيرة من حياته في التردد على العلماء يأخذ عنهم
[ المقدمة / ٧ ]
اللغة والنحو والفقه والتفسير والحديث، كما كان ينهل من جداول الشعر والأدب والرواية، ثم ما لبث أن ظهر في حقبة اضمحل فيها مذهب المعتزلة الذين هيمنوا على شؤون العقيدة الإسلامية طوال ربع قرن تقريبا، وأكرهوا القضاة على الأخذ بمذهبهم.
وكانت الخلافة قد آلت إلى المتوكل [٢٣٢ - ٢٤٧ هـ /٨٤٦ - ٨٦١ م] فبادر في خطوة منه إلى التقرب إلى العامة، بإلغاء الاعتزال وإعلاء شأن السنة وتقريب علمائها، ومن الطبيعي أن يكون البلاذري واحدا من هؤلاء، وأن ينضم إلى جماعة النخبة من الشعراء والأدباء والمحدثين الذين كانوا يحيطون بالخليفة المتوكل، بل لقد أفلح في أن يكون واحدا من أصفيائه وندمائه وجلسائه، وهي مرتبة لم يصل إليها إلا أكابر الشعراء وعلى رأسهم البحتري الشاعر الشامي الذي كان شاعر الخليفة الخاص به.
وهكذا انخرط البلاذري في قافلة الأدباء المتكسبين بشعرهم، فنظم القصائد في مدح الخلفاء والوزراء وكبار قادة الدولة، لكنه كان في الوقت نفسه هجّاء بارعا لم يسلم حتى الوزراء والرؤوساء من لسانه، ومنهم وهب بن سليمان بن وهب الذي كان من جلساء الوزير عبيد الله بن خاقان، وحدث أن حبق في حضرته فهجاه البلاذري بقصيدة قال فيها:
أيا ضرطة حسبت رعدة … تنوّق (^١) في سلّها جهده
تقدّم وهب بها سابقا … وصلّى (^٢) أخو صاعد بعده
لقد هتك الله ستريهما … كذلك من يطعم الفهده (^٣)
_________________
(١) - تنوق: تأنّق.
(٢) - المصلي: هو الذي يأتي تاليا في السباق.
(٣) - الفهده: الاست.
[ المقدمة / ٨ ]
وكان يهجو الذين لا يجيزونه أو يمتنعون عن تلبية مطاليبه مما جعلهم يتحاشون لسانه ويبادرون إلى شراء سكوته، وقد دخل مرة إلى أحمد بن صالح بن شيرزاد، فعرض عليه رقعة له فيها حاجة فتشاغل عنه. فقال له البلاذري:
تقدم وهب سابقا بضراطه … وصلّى الفتى عبدون والناس حضّر
وإني أرى من بعد ذاك وقبله … بطونا لناس آخرين تقرقر
فقال له ابن شيرزاد: يا أبا الحسن، بطون من؟. فردّ عليه البلاذري في تهديد خفي: بطن من لم يقض حاجتي.
وفهم ابن شيرزاد المقصود بالتلميح، فتناول الرقعة ووقّع له فيها بما أراد البلاذري. كما هجا البلاذري صاعدا وزير المعتمد فقال:
أصاعد قد ملأت الأرض جورا … وقد سست الأمور بغير لبّ
وساميت الرجال وأنت وغد … لئيم الجدّ ذو عيّ وعيب
أضلّ عن المكارم من دليل … وأكذب من سليمان بن وهب
وقد خبّرت أنك حارثيّ … فردّ مقالتي أولاد كعب
وهجا عافية بن شيث (وقيل شبيب) بقوله:
من رآه فقد رأى … عربيا مدلّسا
ليس يدري جليسه … أفسا أم تنفسا
هذا ولم يقتصر البلاذري في شعره على المديح والهجاء بل أورد له ابن العديم أبياتا في الزهد، ونقل ابن العديم عن البلاذري نفسه أن محمودا الوراق قال له يوما: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره ويزول عنك إثمه، فقال:
استعدي يا نفس للموت واسعي … لنجاة فالحازم المستعدّ
[ المقدمة / ٩ ]
قد تبينت أن ليس للحيّ خل … ود ولا من الموت بدّ
إنما أنت مستعيرة ماس … وف تردّين والعواري تردّ
أنت تسهين والحوادث لا تس … هو وتلهين والمنايا تجدّ
أيّ ملك في الأرض أو أيّ حظ … لامرئ حظه من الموت لحد
لا ترجّى البقاء في معدن الم … وت ودار حتوفها لك ورد
كيف يهوى امرؤ لذاذة أي … ام عليه الأنفاس فيها تعدّ
ومن شعر البلاذري الذي رواه المرزباني في معجم الشعراء:
يا من روى أدبا ولم يعمل به … فيكفّ عادية الهوى بأديب
حتى يكون بما تعلم عاملا … من صالح فيكون غير معيب
وقد ظل البلاذري على صلات طيبة مع خلفاء المتوكل كالمستعين والمعتز، ولا تتحدث المصادر المتوفرة عن علاقته بالمنتصر [٢٤٧ - ٢٤٨ هـ / ٨٦١ - ٨٦٢ م]. ولعل الأشهر القصيرة التي تولى هذا فيها الخلافة، والاضطرابات التي رافقت أيام خلافته لم تتح للبلاذري أو لغيره من الأدباء الارتباط بعلاقات أدبية معه، بيد أن صلته بالمستعين كانت قوية، وكان مقربا إليه، كما كان على علاقة حسنة مع المعتز الذي اختاره مؤدبا لابنه عبد الله الذي نشأ فيما بعد شاعرا وأديبا.
وقد روى البلاذري حكاية عن علاقته الوطيدة بالمستعين، فذكر أنه دخل إليه يوما مع الشعراء، فقال له المستعين قبل أن يشرع أحدهم بإنشاده:
من كان قال فيّ مثل قول البحتري في عمي المتوكل:
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما … في وسعه لسعى إليك المنبر
وإلا فلا ينشدني شيئا، فانصرف الشعراء جميعهم خائنين، وانصرف البلاذري معهم إلى منزله حيث خلا إلى نفسه أياما قليلة يعمل فكره في نظم
[ المقدمة / ١٠ ]
قصيدة فريدة في مدح المستعين، ثم عاد إليه بعد ذلك وقال له: يا أمير المؤمنين، قد قلت فيك أحسن مما قال البحتري في عمك. فقال: إن كان ذلك أسنيت جائزتك فهات. فأنشده قصيدة قال فيها:
ولو أن برد المصطفى إذ حويته … يظنّ لظنّ البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته فلبسته … نعم هذه أعطافه ومناكبه
فأعجب المستعين بقصيدته وأمره بالانصراف، وأن ينتظر رسوله، ولم يلبث أن جاءه الرسول برقعة بخطه يقول فيها:
«قد أنفذت إليك سبعة آلاف دينار وأنا أعلم أنك ستجفى بعدي وتطرح، وتجتدي فلا يجدى عليك، فاحفظ هذه الدنانير عندك، فإذا بلغت بك الحال إلى هذا فانفق منها ولا تتعرض لأحد ليبقى ماء وجهك عليك. ولك عليّ أن لا تحتاج ما عشت إلى شيء من أمر دنياك كبير ولا صغير على حسب حكمك وشهرتك».
وفعلا فقد أجرى المستعين عليه الجرايات والأرزاق السنية، وتتابعت عليه جوائزه فما احتاج إلى غيرها، وقد آلى على نفسه ألا يريق ماء وجهه أو يجتدي أحدا بعده.
ويبدو أن الأمور التي كان المستعين قد نبّه البلاذري إليها قد تحققت فيما بعد، ذلك أن حال البلاذري قد ساءت، ولم تعد قصائده ومدائحه تؤمن له أسباب عيشه، ولعل فحشه في الهجاء كان أحد الأسباب في تناقص أصدقائه، وإكسابه مزيدا من الأعداء، وحاربه معارف الأمس من المسؤولين وجسوا أرزاقه أو أخروها، وتنكر له أصدقاؤه القدامى ومنهم أبو الصقر اسماعيل بن بلبل الذي كتب البلاذري له كتابا لطيفا سأله فيه أن يطلق له شيئا من أرزاقه، فوعده ولم يفعل، فهجاه بقصيدة قال فيها:
تجانف اسماعيل عني بودّه … وملّ إخائي واللئيم ملول
[ المقدمة / ١١ ]
وإن امرأ يغشى أبا الصقر راغبا … إليه ومفترا به لذليل
وقد علمت شيبان أن لست منهم … فما الذي إن أنكروك تقول
ولو كانت الدعوى تثبّت بالرشا … لثبتّ دعواك الذين تنيل
ولكنهم قالوا مقالا فكذبوا … وجاؤوا بأمر ما عليه دليل
وقصد يوما أحد أصدقائه القدامى فوقف ببابه طويلا دون أن يؤذن له، فعاد إلى منزله حزينا كاسف البال، وبعث إلى ذلك الصديق بهذين البيتين:
لما رأيتك زاهيا … ورأيتني أجفى ببابك
عدّيت رأس مطيتي … وحجبت نفسي عن حجابك
وتوجه إلى صديقه عبيد الله بن خاقان - الذي كان مقربا له زمن المتوكل، والذي لم يلجأ إليه قبل هذه المرة لاستغنائه عنه - لكن هذا حجبه ولم يأذن له، فأنشد وهو على بابه:
قالوا اصطبارك للحجاب مذلة … عار عليك مدى الزمان وعاب
فأجبتهم ولكل قول صادق … أو كاذب عند المقال جواب
إني لأغتفر الحجاب لماجد … أمست له منن عليّ رغاب
قد يرفع المرء اللئيم حجابه … ضعة ودون العرف منه حجاب
ويبدو أم الأمور بلغت بالبلاذري مبلغا اضطره إلى بذل ماء وجهه، وهو الذي ألزم نفسه بصونها عن الامتهان والاجتداء وخصوصا زمن المعتمد، حيث اضطرته الحاجة إلى اللجوء ثانية إلى صديقه القديم عبيد الله ابن خاقان، واغتنم مناسبة جلوس الوزير للمظالم فمثل أمامه شاكيا إليه تأخر رزقه وإلحاف الدائنين وقال له: إن عيبا على الوزير - أعزه الله - حاجة مثلي في أيامه - فغض الوزير طرفه عنه ووقّع له ببعض ما أراد، لكنه سأله بشيء من التأنيب: أين حياؤك المانع من الشكوى على الاستبطاء؟.
[ المقدمة / ١٢ ]