- عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأس المنافقين، القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^١). وسلول أم أبيّ، وهي خزاعية؛ وأبوه مالك بن الحارث.
جدّ بن قيس، وهو القائل لرسول الله ﷺ، وقد ندب الناس إلى غزو تبوك، وذكر بنات الأصفر: ﴿اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ (^٢) ببنات الأصفر. وقال رسول الله ﷺ لبني سلمة: «من سيدكم يا بني سلمة»؟. قالوا: جدّ بن قيس على بخل فيه. فقال: «وأيّ داء أدوأ من البخل؟ سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور».
عدي بن ربيعة الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ، ورماه مرة بقذر، وكان أعمى.
وابنه سويد بن عدي.
_________________
(١) - سورة المنافقين - الآية:٥.
(٢) - سورة التوبة - الآية:٤٩.
[ ١ / ٣٢٥ ]
قيس بن عمرو بن سهل، جد علي بن سعيد الأنصاري المحدّث.
سعد بن زرارة، وكان يدّخن على رسول الله ﷺ بالشعر.
زيد بن عمرو.
عقبة بن قديم، حليف.
وذكروا أن أبا قيس بن الأسلت أتى النبي ﷺ في السنة الأولى من الهجرة، فعرض عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تقول وتدعو إليه، وسأنظر في أمري وأعود إليك. فلقيه ابن أبيّ، فقال له: كرهت والله حرب الخزرج.
فقال: لا أسلم سنة، فمات في ذي الحجة سنة إحدى.
حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك،
أن النبي ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبيّ، فأخذ جبريل بثوبه، ونزلت: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا،﴾ الآية (^١).
ومن الأوس:
الجلاّس بن سويد بن الصامت، من بني حبيب بن عمرو بن عوف، وكان عبد الله بن المجذّر بن ذياد البلوى قتل أباه سويدا في الجاهلية. فلما كان يوم أحد، قتل الجلاس بن سويد. المجذّر غيلة. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ بذلك، وأمره بقتل الجلاس بالمجذّر. فركب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف في يوم حار، فخرجوا يسلمون عليه، وخرج الجلاس في ملاءة صفراء. فدعا رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة، وأمره بقتله، فقدّمه إلى باب المسجد، فضرب عنقه. وكان الجلاس يقول: إن كان هذا الرجل صادقا، لنحن شرّ من الحمير. فبلغ النبي ﷺ ذلك. فحلف
_________________
(١) - سورة التوبة - الآية:٨٤.
[ ١ / ٣٢٦ ]
له أنه ما قاله. فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ،﴾ الآية (^١).
الحارث بن سويد بن الصامت، أخوه. يقال إنه الذي قتل المجذّر، فقتله رسول الله ﷺ؛ وأن الجلاس كان ممن تخلف عن غزاة تبوك. والقول الأول قول الكلبي.
ودريّ بن الحارث.
بجاد بن عثمان بن عامر.
نبتل بن الحارث الذي قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى نبتل» وكان أدلم، ثائر الشعر، جسيما، أحمر العينين، أسفع (^٢) الخدّين. وكان ينقل حديث النبي ﷺ إلى المنافقين.
عبد الله بن نبتل، وهو الذي كان ينقل أيضا حديث النبي ﷺ.
قال الواقدي: وكان خارجة بن زيد بن ثابت يسقي الناس الماء المبرد بالعسل، وكان عبد الله القرّاظ، وهو فارسي سبي في خلافة عمر بن الخطاب، يأتيه. فإذا رآه، قال: اسقوه. فيسقى، فجاء ذات يوم وقد حضر رجل من ولد عبد الله بن نبتل، فجعل يهزأ به. وكان القراظ عظيم الرأس والأذنين، له خلقة منكرة، فقال له: من أنت يافتى؟ قال: رجل من الأنصار. قال: مرحبا بالأنصار؛ من أنت منهم؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نبتل. فقال: «أما جدّك فلم ينصر؛ أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أما تدري ما صنعت به تراه فضحته. والله وهي الفاضحة».
قيس بن زيد، قتل يوم أحد. أبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى في مسجد الضرار.
_________________
(١) - سورة التوبة - الآية:٧٤.
(٢) - أسفع: أسود.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عبيد.
معتب بن قشير، وثعلبة ومعتب هما اللذان عاهدا الله ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (^١). ومعتب هو الذي قال يوم أحد:
﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ (^٢). وهو القائل يوم الأحزاب:
يعدنا محمد كنوز قيصر، وأحدنا لا يقدر على إتيان الغائط؛ ما هذا إلا غرور (^٣). ويقال إنّ جد بن قيس القائل ذلك.
ورافع بن زيد. وفيه وفي معتب ونفر من أصحابهما نزلت: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ،﴾ الآيتين (^٤) وكان خصماؤهم دعوهم في خصومتهم إلى النبي ﷺ، فأبوا ذلك وقالوا: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فسماه رسول الله ﷺ طاغوتا، وفي رواية أخرى: فسماه الله، ويقال إنهم دعوهم إلى الكاهن.
وجارية بن عامر بن مجمّع، وبنوه: يزيد. وزيد. ومجمع. وهم ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع بن جارية قد قرأ القرآن، فكان يصلي بهم فيه.
ويقال إنّ مجمع بن جارية لم يكن منافقا، ويقال إنه نافق ثم صح إسلامه، وعني بالقرآن حتى حفظه.
ومربع بن قيظي القائل للنبي ﷺ: أحرج عليك أن تمرّ في حائطي، وهو القائل يوم الخندق: ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ (^٥). فأذن لنا في المقام. ويقال إنّ
_________________
(١) - سورة التوبة - الآية:٧٩.
(٢) - سورة آل عمران - الآية:١٥٤.
(٣) - انظر سورة الأحزاب - الآية:١٢.
(٤) - سورة النساء - الآيتان:٦٠ - ٦١.
(٥) - سورة الأحزاب - الآية:١٣.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الذي قال ذلك بالخندق معتب بن قشير. ومربع هذا عم عرابة بن أوس بن قيظي الجواد الذي مدحه الشماخ بن ضرار. وكان عرابة قد أقبل من الطائف، ومعه أبعرة عليها زبيب وأدم. فعنّ له الشماخ بن ضرار، فاستطعمه من الزبيب. فقال: خذ برأس القطار. فقال الشماخ: أتهزأ بي؟ فقال: خذ عافاك الله برأس القطار، فهو لك. فأخذ الإبل بما عليها، وقال:
رأيت عرابة الأوسي ينمى (^١) … إلى الخيرات منقطع القرين
وعباد بن حنيف بن واهب بن العكيم، أخو عثمان وسهل ابني حنيف بن واهب، وكان عباد ممن بنى مسجد الضرار. وفيه نزلت: ﴿إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (^٢).
وخذام بن خالد. وهو أخرج مسجد الضرار من داره، ويقال إن الذي أخرجه من داره وديعة بن خذام.
ورافع وبشير ابنا زياد.
وقيس بن رفاعة الشاعر، وكان يختلف هو والضحاك بن حنيف إلى كنيسة يهود، فأصاب عينه قنديل، فذهبت.
وحاطب بن أمية بن رافع بن سويد الذي قيل لابنه. وحمل مرتثّا:
أبشر بالجنة، فقال حاطب: جنة من حرمل، لا يغرّنك هؤلاء يا بني.
وبشر بن أبيرق الظفري. وهو أبو طعمة. واسم الأبيرق الحارث بن عمرو بن حارثة بن الهيثم بن ظفر. واسم ظفر: كعب. وكان بشر شاعرا منافقا.
_________________
(١) - في هامش الأصل: معا يسمو. ووافق هذا رواية الديوان ص ٣٣٥ من ط. دار المعارف القاهرة ١٩٧٧.
(٢) - سورة التوبة - الآية:٦٥.
[ ١ / ٣٢٩ ]
حدثني خلف بن سالم المخزومي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن الحسن قال:
سرق ابن أبيرق درعا من حديد، ثم رمى بها رجلا بريئا. فجاء قومه إلى النبي ﷺ فعذروه عنده، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا،﴾ إلى قوله ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١). فلما أنزلت فيه هذه الآيات، لحق بالمشركين، فمكث بمكة زمينا، ثم نقب على قوم بيتهم ليسرق متاعهم. فألقى الله عليه صخرة فشدخته، فكانت قبره.
وروي عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قال:
كان أهل بيت منا ذوو فاقة، يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشّر. وكان بشر منافقا يهجو أصحاب النبي ﷺ، ثم ينحله بعض العرب، فإذا سمعه أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: والله ما قاله إلا الخبيث بشر.
فقال:
أو كلما قال الغواة قصيدة … أضموا (^٢) وقالوا ابن الأبيرق قالها
متغضّبين كأنني أخشاهم … جدع الإله أنوفهم فأمالها
قال: فابتاع رفاعة بن زيد بن عامر، عمي، جملا من درمك (^٣) من ضافطة (^٤) قدمت من الشأم. وإنما كان طعام الناس بالمدينة الشعير والتمر.
فكان الموسر منهم يبتاع من الدرمك ما يخصّ به نفسه. فجعل عمي ذلك
_________________
(١) - سورة النساء - الآيات:١٠٥ - ١١٥.
(٢) - أضمى: انتفخ غضبا: القاموس.
(٣) - الدرمك: دقيق الحواري. القاموس.
(٤) - الضافطة: الابل الحمولة والرفقة العظيمة. القاموس.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الدرمك في مشربة له، وفيها درعان وسيفان وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح، أتاني فقال:
يا بن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا، فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقروا في هذه الليلة، ولا نرى ذلك إلا من طعامكم، قال: وجعل بنو أبيرق ونحن نبحث ونسأل في الدار، يقولون: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن عبد رزاح بن ظفر. وكان للبيد صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد قولهم، اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم سيفي أو لتبيننّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فلست بصاحبها.
فسألنا وفحصنا، حتى لم نشك في أن بني أبيرق أصحابها. فقال عمي: لو أتيت النبي ﷺ فأخبرته؟ قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت له:
يا رسول الله إنّ أهل بيت منا ذوي فاقة وجفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه؛ فليردوا السلاح، ولا حاجة لنا في الطعام، فلما سمع بنو أبيرق بذلك، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه. فانطلق وجماعة من أهل الدار معه إلى النبي ﷺ فكلموه في ذلك، وقالوا: إنّ قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، فرمياهم بالسرقة عن غير ثبت ولا بينة. قال قتادة: وأتيت النبي ﷺ فكلمته. فتجهمني، وقال: بئس ما صنعت وما أتيت به ومشيت فيه:
عمدت إلى أهل بيت ذكر لي عنهم صلاح وإسلام ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة. قال: فرجعت وأنا أودّ أني خرجت من جلّ مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، وأتاني عمي، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته بقول رسول الله ﷺ، فقال: الله المستعان. ولم أتلبث أن نزل: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
[ ١ / ٣٣١ ]
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا،﴾ يعني بني أبيرق- ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ -أي مما قلت لقتادة- ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا* وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا﴾ - يعني بني الأبيرق- ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ -يعني بشيرا وأصحابه- ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ -أي عن بني أبيرق- ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا* وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا* وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ -قولهم للبيد بن سهل- ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ،﴾ يعني بشيرا وأصحابه.
قال: فلما نزل القرآن، اشتد بنو ظفر على بني أبيرق حتى أخرجوا السلاح، فأتي به رسول الله ﷺ، فردّه إلى رفاعة. قال قتادة: فأتيت عمي بالسلاح، وكنت أرى أن إسلامه مدخول. فقال: يا بن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه صحيح. قال: ولحق بشر بن أبيرق - وهو يصغر فيقال: بشيّر - بالمشركين. فنزل بمكة على سلافة بنت سعد بن شهيد، أخت عمير بن سعد بن شهيد، وهو من بني عمرو بن عوف، من الأوس، وكانت سلافة تحت طلحة بن أبي طلحة العبدري. فأنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا* إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾
[ ١ / ٣٣٢ ]
﴿لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (^١). ولما نزل بشر على سلافة، كان يقع في أصحاب رسول الله ﷺ ويقول في رسول الله فهجاه حسان بن ثابت، ورمى سلافة به. فأخذت رحله، فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، وقالت: «أهديت إليّ شعر حسان.
ما كنت لتأتيني بخير». قال حسان:
وما سارق الدرعين إن كنت ذاكرا … بذي كرم عند الرجال أوادعه
لقد أنزلته بنت سعد فأصبحت … ينازعها جلد استه وتنازعه
فهلا بشيّر حيث جاءك راغبا … إليه ولم تعمد له فترافعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد فعلتم … وفيكم نبيّ مفلح من يتابعه
ولولا رجال منكم أن يسوءهم … هجائي لقد حلت عليكم طوالعه
وجدناهم يرجونكم قد علمتم … كما الغيث يرجيه السمين ويانعه
فإن تذكروا كعبا إذا ما نسيتم … فهل من أديم ليس فيه أكارعه (^٢)
وقد روى أن الذي رماه بنو أبيرق بالدرعين يهودي يقال له النعمان بن مهض. وليس بثبت. وقال بعض الظفريين:
بني الأبرق المشؤوم هلاّ نهيتم … سفيهكم عن آل زيد بن عامر
أردتم بأن ترموا ابن سهل بغدرة … جهارا ومن يغدر فليس بغادر
الضحاك بن خليفة الأشهلي.
وقزمان، حليف بني ظفر، ولا يعرف نسبه، ويكنى أبا الغيداق، رمى يوم أحد زرارة بن عمير العبدري - ويقال يزيد بن عمير - فقتله؛ وقتل قاسط بن شريح العبدري، وقطع يد صواب الحبشي مولى بني عبد الدار ثم
_________________
(١) - سورة النساء - الآيات:١٠٥ - ١١٦.
(٢) - ديوان حسان ج ١ ص ١٣١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
رماه فقتله. وكان قزمان قد امتنع من الخروج يوم أحد حتى عيرته النساء، وقلن: إنما أنت امرأة. فأخذ سيفه وقوسه، وقاتل حمية وأنفة لقومه، وجعل يقول: قاتلوا، معشر الأوس، عن أحسابكم فالموت خير من العار والفرار، وكان النبي ﷺ يقول: «قزمان في النار». وأثبت يوم أحد، فحمل إلى دار بني ظفر، فقيل له: أبشر أبا الغيداق بالجنة، فقد أبليت اليوم وأصابك ما ترى.
فقال: «أي جنة؟ والله ما قاتلت إلا حمية لقومي»، فلما اشتد به الوجع، أخرج سهما من كنانته فقطع به رواهش يده، فقتل نفسه. وفيه يقول رسول الله ﷺ: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، من الأوس، وكان يناظر أهل الكتاب، ويميل إلى النصرانية، ويتتبع الرهبان ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشأم، فسمّي الراهب، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ، حسده، ومرّ إلى مكة وقاتل مع قريش. ثم أتى الشأم، فمات هناك. فتخاصم في ميراثه كنانة بن عبد ياليل الثقفي - وكان ممن حسد رسول الله ﷺ فشخص إلى الشأم - وعلقمة بن علاثة وكان بالشأم أيضا وكان مسلما، ويقال: بل كان مشركا ثم إنه أسلم حين قدم، فأتى رسول الله ﷺ، فبايعه.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده.
إنه حكم بميراث أبي عامر لكنانة بن عبد ياليل لأنه من أهل المدر، وحرمه علقمة لأنه بدوي، وكان الحاكم بذلك صاحب الروم بدمشق. وقوم يقولون: إنه اختصم في ميراثه كنانة وعامر بن الطفيل، وذلك غلط، لأن عامرا أتى النبي ﷺ ومعه أربد بن قيس، وهما يريدان برسول الله ﷺ أمرا، حال الله بينهما وبينه. فدعا النبي ﷺ عليهما، فأما أربد، فأصابته صاعقة
[ ١ / ٣٣٤ ]
فأحرقته، وأما عامر فأصابته غدّة كغدة البعير في عنقه، فمات. وذلك في سنة خمس.
وقال الهيثم بن عدي: كان أبو عامر يهمّ بادّعاء النبوة، فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ وهاجر، حسده فهرب إلى مكة فقاتل، ثم أتى الشأم.
وقال الواقدي: هرب أبو عامر إلى مكة، فكان يقاتل مع المشركين.
فلما فتحت مكة، هرب إلى الطائف، فلما أسلموا، هرب إلى الشأم. فدفع ميراثه إلى كنانة بن عبد ياليل الثقفي، وكان ممن هرب أيضا.
حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا بهز بن أسد، أنبأ حماد بن زيد، أنبأ أيوب، عن سعيد بن جبير:
أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا، فصلى بهم فيه رسول الله ﷺ.
فحسدهم بنو إخوتهم بنو غنم بن عوف، فقالوا له: بنينا أيضا مسجدا، وبعثنا إلى رسول الله ﷺ فصلىّ بنا فيه كما صلى في مسجد أصحابنا؛ ولعل أبا عامر أن يمرّ بنا إذا أتى من الشأم فيصلي بنا فيه. فلما قام رسول الله ﷺ لينطلق إليهم، أتاه الوحي، فنزل عليه فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^١). قال: هو أبو عامر.
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة أنه قال في هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ،﴾ قال: كان سعد بن خيثمة بنى مسجد الضرار، وكان موضعه للبّة، تربط فيه حمارها. فقال أهل مسجد الشقاق:
أنحن نسجد في موضع كان يربط فيه حمار لبة؟ لا، ولكنا نتخذ مسجدا
_________________
(١) - سورة التوبة - الآية:١٠٧.
[ ١ / ٣٣٥ ]
نصلي فيه حتى يجيئنا أبو عامر فيصلي بنا فيه، وكان أبو عامر قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة، ثم لحق بالشأم، فتنصّر، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ،﴾ يعني أبا عامر. قالوا: فبعث رسول الله ﷺ، لما نزل عليه القرآن، إلى ذلك المسجد، فهدمه. قالوا: وحضر قوم من المنافقين مسجد رسول الله ﷺ، فجعلوا يضحكون ويلعبون ويهزأون، فأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم فقام أبو أيوب إلى قيس بن عمرو، فجرّ برجله حتى أخرجه من المسجد. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا، حتى أخرجه. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى دريّ بن الحارث، فأخرجه، فأخرجوا جميعا.
- حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر
عن النبي ﷺ، قال: مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين القطيعين.
[ ١ / ٣٣٦ ]