لولا حر قدّمته لابن منكث … مقلم لباب الأسكتين (^١) أزوم (^٢)
لما كنت عند الباب أول داخل … عشية وافت عامر وتميم
قال: واسم عربي عبد الرحمن. وتزوج إبراهيم ابنة عبد الرحمن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. ولإبراهيم عقب. قال: وكان إبراهيم أسود. فقال فيه البعيث المجاشعي:
ترى منبر العبد اللئيم كأنما … ثلاثة غربان عليه وقوع
- قال ابن الكلبي: ويقال إنّ معدّ بن عدنان ولد أودا، فانتسبوا في مذحج فقالوا: أود بن صعب بن سعد العشيرة. وكان معدّ بن عدنان على عهد بخت نصّر.
- وقال بعض الرواة: لم يبق لقنص بن معدّ عقب. وكان النعمان بن المنذر، من تميم، ونسب إلى لخم، وأنّ عمر بن الخطاب أتي بسيف النعمان، فأعطاه جبير بن مطعم وقال له - وكان نسّابة - ممن كان النعمان؟ فقال: من قنص بن معدّ. واحتج من روى هذا بقول النابغة الذّبياني:
فإن يرجع النعمان نفرح ونبتهج … ويأت معدّا ملكها وربيعها (^٣)
- فولد نزار بن معدّ: مضر بن نزار؛ وإياد بن نزار، وبه كان يكنى نزار، وأمهما سودة بنت عكّ؛ وربيعة؛ وأنمار، وأمهما الحذالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهة بن عمرو، من جرهم.
فذكر بعضهم أنّ أنمار هذا درج بعد موت أبيه نزار ولم يعقب. وقال بعض الرواة: بل غاضب إخوته وانتفى منهم، وأتى اليمن فحالف الأزد وانتسب إلى أراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث بن نبت بن
_________________
(١) - الأسكتان: شفر! الرحم، أو جانباه مما يلي شفريه. القاموس.
(٢) - أزوم: عض بالفم كله شديدا، والفرس على فأس اللجام قبض. القاموس.
(٣) - ديوان النابغة الذبياني - ط. دار صادر بيروت ص ٨٥.
[ ١ / ٢٨ ]
مالك بن زيد بن كهلان؛ وتزوج بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، فنسب ولده منها إليها؛ وتزوج هند بنت مالك بن الغافق من عكّ أيضا.
فأما بجيلة فولدت له عبقر بن أنمار، والغوث بن أنمار وإخوة لهما. وأما هند فولدت له أفتل وهو خثعم.
وقال آخرون: تزوج أنمار هاتين الامرأتين وولدتا له؛ ثم إنّ ولده ادّعوا بعد موته بحين أنهم من ولد أنمار بن أراش.
وقال ابن الكلبي: سمعت من يذكر أن نزارا وهب لأنمار جارية يقال لها بجيلة فحضنت ولده. وذلك باطل؛ وإنما وهب لإياد جارية اسمها ناعمة. وقال عمرو بن الخثارم البجلي، وهو ينتمي إلى معد:
ابني نزار انصروا أخاكما … لن يغلب اليوم أخ والا كما
إنّ أبي وجدته أباكما
وقال أيضا:
لقد فرقتم في كل قوم … كتفريق الإله بني معدّ
وكنتم حول مروان حلولا … جميعا أهل مأثرة ومجد
ففرّق بينكم يوم عبوس … من الأيام نحس غير سعد
وقال الكميت بن زيد:
وليسوا من القوم الذين تبدّلوا … أراشا بإسماعيل أعور من جدل (^١)
وكان جرير بن عبد الله البجلي نافر الفرافصة بن الأحوص الكلبي إلى الأقرع بن حابس التميمي. فقال عمرو بن الخثارم، وكان حاضرا:
يا أقرع بن حابس يا أقرع … إن يصرع اليوم أخوك تصرع
_________________
(١) - ليس في ديوانه المطبوع.
[ ١ / ٢٩ ]
وقال بعضهم: أراد «أخاك في الإسلام». فنفره إلى الفرافصة. وقال ابن الدّمينة الخثعمي لمعن بن زائدة الشيباني:
عجل فداك إلى مغيظة حاسدي … برجاء معتمد لسيبك آمل
وأصب بجدواك ابن عمّ طالبا … لنداك إنك ذو ندى وفواضل
- قالوا: وكان يقال لمضر وربيعة «الصريحان» من ولد إسماعيل. وقال بعضهم: أم مضر وإياد نحيّبة بنت عكّ.
وقال ابن الكلبي: سودة. وذلك الثبت (^١).
وقال بعضهم: اسم أم ربيعة وأنمار الشقيقة بنت عكّ. والأول قول ابن الكلبي، وهو أثبت.
- وقال هشام بن محمد الكلبي: كثرت إياد بتهامة، وبنو معدّ حلول بها لم يتفرقوا عنها، فبغوا على بني نزار. وكانت منازلهم بأجياد من مكة.
وذلك قول الأعشى:
وبيداء تحسب آرامها … رجال إياد بأجيادها (^٢)
فرماهم الله بداء، ففشا الموت فيهم. فخرج من بقي منهم هرابا.
فأتت فرقة اليمن، فانتسبوا في ذي الكلاع من حمير. وأقام قسيّ بن منبّه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار وولده بالطائف. وقسيّ هو ثقيف. ثم انتسبوا إلى قيس، فقالوا: ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. فلذلك يقال إن ثقيفا بقية إياد.
_________________
(١) - جمهرة ابن الكلبي ج ١ ص ٤.
(٢) - ديوان الأعشى - ط. دار صادر، بيروت ص ٥٩، وفيه «بأجلادها».
[ ١ / ٣٠ ]
ويقال أيضا إنّ قسيّا كان عبدا لأبي رغال، وكان أصله من قوم نجوا من قوم ثمود. فهرب من مولاه، ثم ثقفه، فسماه ثقيفا، وانتسب ولده بعد حين إلى قيس. ولذلك يقال إنّ ثقيفا بقية ثمود، وكان الحجاج يقول:
يقولون إنا بقية ثمود؛ وهل بقي مع صالح إلاّ المؤمنون!
- فأما أبو رغال، فيقال إنّ أصله من العرب العاربة، وكان له سلطان بالطائف وما والاه. فكان يأخذ من أهل عمله غنما بسبب خرج كان له عليهم. وكان ظلوما غشوما. فأتى على امرأة تربّي يتيما صغيرا في عام جدب وقحط بلبن عنز، لم يكن بالطائف شاة لبون سواها، فأخذها.
وبقي الصبي بغير رضاع، فمات. فرمى الله أبا رغال بقارعة، فهلك.
ودفن بين الطائف ومكة فقبره هناك يرمى على وجه الدهر.
وقوم يقولون: كان أبو رغال عبدا لشعيب بن ذي مهدم الحميري الذي قتله قومه، وكان فيما يزعمون مبعوثا إليهم. فلما بلغه ما فعل أبو رغال من ترك الصبي بلا رضاع، أمر به، فقتل، وأمر برجم قبره.
ويقال إن أبا رغال كان قائد الفيل وبعض أدّلاء الحبشة على البيت.
فمات، فأمر النبي ﷺ برجم قبره. وإنّ جد أبي الحجاج كان يخدمه. فقيل للحجاج «عبد أبي رغال». وكان حمّاد الراوية يقول: ثقيف من ولد أبي رغال، وأبو رغال من بقية ثمود؛ وكان أخذ عنزا ترضع صبيا يتيما فهلك الصبي، ولم يرم مكانه حتى مات فرجم قبره. والله أعلم. وقال جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه … كما ترمون قبر أبي رغال (^١)
- وقال هشام بن الكلبي: خرج جلّ إياد يؤّمون العراق. فنزل
_________________
(١) - ديوان جرير - ط. دار صادر بيروت ص ٢٤٢.
[ ١ / ٣١ ]
بعضهم بعين أباغ (^١). ونزل باقوهم بسنداد، بين البصرة والكوفة. فأمروا هناك، وكثروا. واتخذوا بسنداد بيتا شبّهوه بالكعبة. ثم انتشروا، وغلبوا على ما يلي الحيرة. وصار لهم الخورنق والسّدير. فلهم «أقساس مالك».
وهو مالك بن قيس بن عبد هند بن لجم بن منعة بن برجان بن دوس بن الديل بن أمية بن حذافة بن زهر بن إياد (^٢). ولهم دير الأعور، ودير السواء، ودير قرّة، ودير الجماجم. وإنما سمي دير الجماجم لأنه كان بين إياد وبهراء القين حرب، فقتل فيها من إياد خلق. فلما انقضت الحرب، دفنوا قتلاهم عند الدير، فكان الناس بعد ذلك يحفرون، فتظهر جماجم.
فسمي دير الجماجم. ويقال إنّ بلال الرّمّاح - وبعضهم يقول بلال الرمّاح، والرّمّاح أثبت - بن محرز الإيادي قتل قوما من الفرس، ونصب رؤوسهم عند الدير، فسمي دير الجماجم. ويقال إنهم لما أرادوا بناء الدير، فحفر أساسه، وجد فيه جماجم. فسمي دير الجماجم. وأمر الرمّاح وقتله الفرس أثبت عند الكلبي.
- وكان بالحيرة من إياد في جند ملوك الحيرة.
- وقال هشام: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال:
كان النّخع، وثقيف بن إياد بن نزار - فثقيف قسيّ بن منبّه بن النبيت بن أفصى بن دعمي بن إياد، والنّخع بن عمرو بن الطّمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى - فخرجا ومعهما عنز لبون يشربان لبنها. فعرض لهما
_________________
(١) - عين أباغ: ليست بعين ماء، وإنما هو واد وراء الأنبار، على طريق الفرات إلى الشام. معجم البلدان.
(٢) - جمهرة ابن الكلبي ج ٢ ص ٣٤٨.
[ ١ / ٣٢ ]
مصدق ملك اليمن، فأراد أخذها، فقالا: أنما نعيش بدرّها. فرمى أحدهما المصدّق، فقتله. فقال أحدهما لصاحبه: إنه لا يحملني وإياك أرض. فأما النخع فمضى إلى بيشة (^١)، فأقام بها. ونزل قسيّ موضعا قريبا من الطائف، فرأى جارية ترعى غنما لعامر بن الظّرب العدواني، فطمع فيها، وقال: أقتل الجارية ثم أحوي الغنم. وأنكرت الجارية منظره، فقالت له: إني أراك تريد قتلي وأخذ الغنم؛ وهذا شيء إن فعلته قتلت وأخذت الغنم منك؛ وأظنك غريبا خائفا. فدّلته على مولاها. فأتاه، فاستجاره. فزوّجه ابنته، وأقام بالطائف، فقيل: لله درّه، ما أثقفه، حين ثقف عامرا فأجاره. وكان قد مرّ بيهودية بوادي القرى، حين قتل المصدّق، فإعطته قضبان كرم. فغرسها بالطائف فأطعمت ونفعته.
- قالوا: وكانت إياد تغير على السواد وتفسد. فجعل سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بينه وبينهم مسالح بالأنبار وعين التمر وغير هاتين الناحيتين. فكانوا إذا أخذوا الرجل منهم، نزعوا كتفه. فسمّت العرب سابور «ذا الأكتاف».
ثم إنّ إيادا أغارت على السواد في ملك أنوشروان كسرى بن قباذ بن فيروز. فوجه إليهم جيوشا كثيفة. فخرجوا هاربين، وأتبعوا، فغرق منهم بشر، وأتى فلّهم بني تغلب، فأقاموا معهم على النصرانية. فأساءت بنو تغلب جوارهم. فصار قوم منهم إلى الحيرة متنكّرين، مستخفين، فأقاموا بها. وأتى آخرون نواحي أمنوا بها. ولحق جلّهم بغسّان بالشأم، فلم يزالوا معهم.
_________________
(١) - بيشة بلده في اليمن جنوبي حجة، وبيشة أيضا واد في عسير تسيل مياهه في بلاد نجد شرقا. معجم المدن والقبائل اليمنية، اعداد ابراهيم أحمد المقحفي - ط. صنعاء ١٩٨٥.
[ ١ / ٣٣ ]
فلما جاء الإسلام دخل بعضهم بلاد الروم، وأتى بعضهم حمص، وأنطاكية، وقنسرين، ومنبج وما والى هذه المدن. ودخل منهم قوم في خثعم، وفي تنوخ. وبالحيرة اليوم قوم منهم يقال لهم بنو عبد الخيار، من بني حذافة؛ وقوم من بني مالك بن قيس صاحب «أقساس مالك» قال الشاعر من إياد:
قلت حقا حين قالت باطلا … إنما يمنعني سيفي ويد
ورجال حسن أوجههم … من إياد بن نزار بن معدّ
وقال أمية بن أبي الصّلت الثقفي:
قومي إياد لو أنهم أمم … ولو أقاموا فتهزل النعم (^١)
وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرّق … تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق … والقصر ذي الشّرفات من سنداد
جرت الرياح على محلّ ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد (^٢)
وقال الشاعر ينفي ثقيفا من إياد:
عاري الأشاجع من ثقيف أصله … عبد ويزعم أنه من يقدم
وقال ابن الكلبي: كان يقال لامرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر «محرّق» وهو أول من عاقب بالنار. وهو من لخم، وكان من ملوك الحيرة. وكان عمرو بن هند مضرط الحجارة حرّق بني تميم، فسمى أيضا محرّقا.
- وحدثني محمد بن الأعرابي، عن هشام بن محمد الكلبي، قال:
_________________
(١) - ديوان أمية بن أبي الصلت - ط. دمشق ١٩٧٧ ص ٤٦٥.
(٢) - انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٦٣.
[ ١ / ٣٤ ]
كان يقال لإياد «الطبق» لإطباقهم بالشرّ والعرام على الناس. وكانت طائفة منهم بناحية البحرين. فخرجت عبد القيس، ومعهم بنو شنّ بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، تطلب المتسع حتى بلغوا هجر وأرض البحرين. فرأوا بلدا استحسنوه ورضوه. فضاموا من به من إياد والأزد، وشدّوا خيلهم بالنخل. فقالت إياد: عرف النخل أهله. فذهبت مثلا. واجتمعت عبد القيس والأزد على إياد، فأخرجوا عن الدار فأتت العراق. وكانت بنو شنّ أشدهم عليهم. فقال الشاعر:
وافق شنّ طبقه … وافقه فاعتنقه