عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وأقام مع جعفر، وقدم قبله. واستشهد يوم القادسية.
والحارث بن خالد بن صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم - هو ابن خال أبي بكر الصديق، لأن أمه أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب - هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أراد الهجرة إلى الحبشة في المرة الثانية معه، ثم أقام مع النبي ﷺ.
حدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح: قالا: ثنا الواقدي عن معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
لما ابتلي المسلمون، وسطت بهم عشائرهم، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، وكان المشركون قد آذوه، فلما بلغ برك الغماد، لقيه ابن الدّغينة. وهو الحارث بن يزيد سيد القارة، فقال: أين تعمد يا أبا بكر؟ قال:
أخرجني قومي، فأنا أسيح في الأرض فأعبد ربي، فقال ابن الدّغينة:
«مثلك، يا أبا بكر، لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقوق، فأنا لك جار.
فارجع». وأتى ابن الدغينة قريشا، فقال لهم: «ما مثل أبي بكر يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على النوائب؟» فأنفذت قريش جوار ابن الدغينة، وأمنوا أبا بكر على أن يصلي ويقرأ في منزله، فمكث أبو بكر مستخفيا بصلاته وقراءته، يعبد الله في داره. ثم إنه ابتنى بفناء داره مسجدا، فبرز يصلي فيه. فكان يجتمع نساء المشركين وأبناؤهم حين يقرأ القرآن، فراع ذلك أشراف قريش، فبعثوا إلى ابن الدغينة فأخبروه بما يصنع أبو بكر، فقال ابن الدغينة لأبي بكر: قد علمت ما عاقدك القوم عليه؛ فإما أن تقتصر عليه وإما أن تردّ عليّ جواري وذمتي. فقال أبو بكر: فإني أرجع إليك جوارك وأرضى بجوار الله.
وكان الحارث بن خالد مع أبي بكر حين لقيه أولا، فقال له: إن معي رجلا من عشيرتي. فقال له ابن الدغينة: دعه فليمض لوجهه، وارجع أنت
[ ١ / ٢٣٥ ]
إلى عيالك، فقال له أبو بكر: فأين حق المرافقة؟ فقال الحارث: أنت في حلّ، فامض، فإني ماض لوجهي مع أصحابي. فمضى حتى صار إلى الحبشة.
قالوا: ولم يزل مقيما بها إلى أن قدم مع جعفر، وكانت مع الحارث امرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة، من بني مرّة، فولدت له موسى وعائشة وزينب. وهلكت بأرض الحبشة، وذلك الثبت. وقال بعض الزبيريين: أقبل الحارث وامرأته وولده منها، فشربوا ببعض الطريق من ماء هناك فماتوا سواء. فزوّجه النبي ﷺ بالمدينة ابنة عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
وقال غير الواقدي: هو ابن الدّغنة.
- ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرّة:
أبو سلمة بن عبد الأسد. واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى أرض الحبشة مرتين، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، واسمها هند، فولدت له بالحبشة زينب بنت أبي سلمة. وقدم مكة، فكان أول من هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا. ورمي بسهم يوم أحد، فانتقض به، فمات في جمادى الآخرة سنة أربع، فخلف رسول الله ﷺ على أم سلمة بعده، وكان أبو سلمة ابن عمة رسول الله ﷺ، وأمه برّة بنت عبد المطلب.
شمّاس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم.
واسمه عثمان، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية. واستشهد يوم أحد. وقال بعضهم: استشهد يوم بدر، والأول أثبت، وكان يعرف بابن ساقي العسل.
وذلك أن هرمي بن عامر كان يسقي الناس العسل بمكة، وكان شماس يكنى أبا المقدام، وكانت معه بالحبشة امرأته أم حبيب بنت سعيد بن يربوع بن
[ ١ / ٢٣٦ ]
عنكثة. ونزل حين هاجر إلى المدينة على مبشر بن عبد المنذر، وأدخل المدينة من أحد وبه رمق، وحمل إلى أم سلمة، فمات عندها، فأمر النبي ﷺ، فردّ إلى أحد فدفن بها مع الشهداء. وقال حسان بن ثابت يرثيه ويخاطب أخته:
أفني حياءك في ستر وفي كرم … فإنما كان شمّاس من الناس
قد ذاق حمزة ليث الله فاصطبري … كأسا رواء فكأس المرء شماس (^١)
ويقال: قاله غير حسان.
هبار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية وأقام مع جعفر، وقدم المدينة قبله، واستشهد يوم أجنادين بالشأم.
ويقال: يوم مؤتة.
عبيد الله بن سفيان، أخو هبار. هاجر معه، وقتل يوم اليرموك.
هاشم بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. واسم أبي حذيفة مهشّم. هاجر المرة الثانية، وأقام مع جعفر، وقدم المدينة قبله ومات فيها، يقال أيام تبوك. وبعضهم يقول: هو هشام بن أبي حذيفة.
سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مكة، فحبسه بها أبو جهل، فلم يأت المدينة إلا بعد الخندق، واستشهد يوم مرج الصّفّر بالشأم. ويكنى أبا هاشم. قالت أم «سلمة»، وهي ضباعة بنت عامر القشيرية:
لا همّ ربّ الكعبة المحرّمة … أظهر على كل عدو سلمه
له يدان في الأمور المبهمة … إحداهما تردى وأخرى منعمه
عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ومعه امرأته ابنة سلمة بن مخرّبة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم، فولدت له
_________________
(١) - ليسا في ديوان حسان المطبوع.
[ ١ / ٢٣٧ ]
بأرض الحبشة عبد الله بن عياش، ثم قدم مكة وهاجر إلى المدينة. وكان قد صاحب في هجرته إلى المدينة عمر بن الخطاب، فلما شارفا المدينة، لحقهما أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة، ومعهما الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري. فقالوا: يا عياش، إن أمك مريضة، وقد نذرت أن لا تستظل من شمس ولا يمسّ رأسها دهن، ولا تطعم إلا بلغة من الخبز القفار (^١) حتى تراك، فرّق لها. فقال له عمر: «ما يريدون إلا خديعتك عن دينك، والله لئن آذى أمك القمل، لتدّهننّ؛ ولتمشطنّ؛ ولئن آذاها حرّ مكة، لتستظلنّ». فقال:
أبرّ قسم أمي؛ ولي هناك مال، فخرج معهما. فلما صار ببعض الطريق، شدّاه وثاقا، وأدخلاه مكة، وقالا: هكذا فافعلوا بسفهائكم. ويقال: إنه قدم المدينة ونزل بقباء، فمنها رجع.
وكان الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة قد أعانهما على ربطه. فحلف عياش: لئن أمكنته منه فرصة، ليقتلنه. فلما تخلص عياش، وذلك بعد أحد، أتى المدينة، فإذا هو بالحارث بن يزيد قائما بالبقيع، فقتله وهو يظن أنه كافر، فنزلت فيه: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً،﴾ الآية (^٢).
- وحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه
أن الحارث بن يزيد كان شديدا على النبي ﷺ. فجاء وهو يريد الإسلام. فلقيه عياش بن أبي ربيعة - وعياش لا يدري - فحمل عليه فقتله. فأنزل ﷿: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً﴾ الآية.
ولم يزل عياش بالمدينة إلى أن قبض رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى الشأم
_________________
(١) - القفار: بلا ادام.
(٢) - سورة النساء - الآية:٩٢.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فجاهد. ورجع إلى مكة فأقام بها حتى مات. ولم يبرح ابنه عبد الله من المدينة.
- وحدثني علي الأثرم، عن أبي عبيدة قال:
نزل هشام بن المغيرة بحران، وبها أسماء بنت مخرّبة - ويقال: بنت عمرو بن مخرّبة - وقد هلك عنها زوج لها. وكانت أم أسماء: عناق بنت الجان، من تغلب بن وائل. وأمها الشموس بنت وائل بن عطية، من أهل فدك. فتزوّجها هشام بن المغيرة وحملها إلى مكة. فولدت له أبا جهل بن هشام، والحارث بن هشام. ثم خلف عليها أبو ربيعة بن المغيرة، فولدت له عياش بن أبي ربيعة. وكان عياش أخا أبي جهل والحارث ابني هشام لأمهما أسماء بنت مخرّبة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم.
وقال ابن سعد. ماتت أسماء قبل رجوع عياش إليها. ويقال إنه لم يمكنه التخلص حتى ماتت. ويقال إنها أدركت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وذلك أثبت.
وقال الواقدي وغيره: لم يزل الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم على دين قومه حتى أسر يوم بدر. فافتدي بأربعة آلاف درهم. ويقال بشكة أبيه الوليد - لأن النبي ﷺ لم يقبل غيرها؛ وكانت درعا فضفاضة - وسيفا، وبيضة. وكان اللذان خرجا في فدائه أخاه خالد بن الوليد، وأخاه هشام بن الوليد. فلما افتدي وتخلص، أسلم ورجع إلى مكة، وقال: ما منعني من الإسلام حين أسرت، وقد تبينت الحق، إلا أن يقال «أسلم الوليد فرارا من الفداء». ثم إن أخويه حبساه بمكة مع عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام. فلم يزل يحتال حتى أفلت من وثاقه، وخرج حتى أتى المدينة. وقد طلب، فلم يلحق، وستر الله عليه فلم يعرف
[ ١ / ٢٣٩ ]
أخواه له أثرا. فسأله رسول الله ﷺ عن سلمة وعياش. فقال: تركتهما في ضيق. وكان رسول الله ﷺ يدعو لهما ولضعفة المسلمين قبل إسلام الوليد.
ثم دعا للوليد أيضا. فقال رسول الله ﷺ: «انطلق يا وليد حتى تنزل فلان القين فإنه قد أسلم وأخلص، فتستخفي عنده وتلطف لأخبار عياش وسلمة وتعلمهما أنك رسولي وأني آمرهما بالتلطف للخروج إليّ. فإن الله سيعينهما وييسر ذلك لهما، فقد أذن في خلاصهما». قال الوليد: ففعلت. وسهل الله أمرهما حتى خرجا. وكانا جميعا موثقين، رجل هذا مع رجل صاحبه في قيد واحد. وخرجت أسوق بهما مخافة الطلب والفتنة، حتى انتهيت إلى ظهر حرّة المدينة. فعثرت، فانقطعت اصبعي. فقلت:
هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
ثم مات بالمدينة بعد قليل. فقالت أم سلمة بنت أمية زوج رسول الله ﷺ:
يا عين فابكي للولي … د بن الوليد بن المغيرة
مثل الوليد بن الولي … د أبي الوليد فتى العشيرة
فقال رسول الله ﷺ: «لا تقولي هذا يا أم سلمة، ولكن قولي:
﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (^١)». ويقال إنّ أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في البكاء على الوليد. وقالت: غريب توفي في بلاد غربة. فأذن لها، فصنعت طعاما وجمعت النساء.
_________________
(١) - سورة ق - الآية:١٩.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقال الواقدي: وقوم يزعمون أن الوليد بن الوليد تخلص حين تخلص، فكان مع أبي بصير عتبة بن أسيد الثقفي حليف قريش. وذلك غير ثبت (^١).
وكان أبو بصير أسلم وأفلت من قومه، فأتى النبي ﷺ بعد قدومه المدينة من الحديبية. فكتب الأخنس بن شريق وغيره إلى النبي ﷺ في ردّه، لما كان قاضاهم عليه من ردّ من صار إليه. فردّه رسول الله ﷺ إليهم مع رسولين لهم. فشدّ أبو بصير في طريقه على أحد الرسولين، فقتله. وكان من بني عامر بن لؤي. يقال له خنيس بن جابر. وأفلت فأتى النبي ﷺ فقال له: وفيت بذمتك وامتنعت بديني أن أفتن. فقال رسول الله ﷺ: «ويل أمه من محشّ حرب لو كان معه رجال»، وكان مع أبي بصير سلب العامري، فلم يخمّسه رسول الله ﷺ، وقال له: «هنيئا لك بسلب صاحبك». ثم قال: «يا أبا بصير، اذهب حيث شئت». فخرج أبو بصير إلى قرب الساحل. ولحق به قوم من المسلمين ممن كان يؤذى ويفتن وغيرهم. فتتامّوا سبعين، فضيقوا على قريش وجعلوا يقتلون من ظفروا به، ويأخذون ما معه. فكتبت قريش إلى النبي ﷺ تسأله أن يدخل أبا بصير إليه. فكتب إلى أبي بصير في القدوم عليه، فأتاه رسوله بكتابه وأبو بصير يجود بنفسه. فلم يلبث أن مات. فمن الرواة من يزعم أن الوليد كان معه (^٢). وذلك باطل.
_________________
(١) - مغازي الواقدي - ط. اكسفورد ١٩٦٦ ج ٢ ص ٦٢٩.
(٢) - مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٢٤ - ٦٢٩.
[ ١ / ٢٤١ ]