أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزّى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. وأمه برّة بنت عبد المطلب، وهاجر إلى الحبشة في المرتين جميعا، وهاجر من مكة إلى المدينة، وتوفي بمكة في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
وقال الواقدي: وولده ينكرون رجوعه إلى مكة وموته بها، ويغضبون من ذلك. وكانت مع أبي سبرة امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، ويقال: إنّ أبا سبرة كان يسمى عبد مناف.
حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ، أخو سهيل بن عمرو.
هاجر إلى الحبشة مرتين. فكان أول من قدمها في المرة الأولى من المسلمين.
وشهد بدرا، وهو الذي زوّج النبي ﷺ سودة بنت زمعة، ويقال إنه أول من دخل أرض الحبشة، وكان من آخر من خرج منها مع جعفر. وذلك عندهم أخلط.
السكران بن عمرو، أخوه، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ومعه امرأته سودة بنت زمعة، ويقال إنه هاجر في المرتين جميعا، ثم إنه قدم مكة، فمات قبل الهجرة، فدفنه رسول الله ﷺ. وخلف رسول الله ﷺ بعده على
_________________
(١) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٠٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
سودة بنت زمعة. وذلك الثبت، وقوم يقولون إنه مات بالحبشة مسلما. وقال قوم، منهم أبو عبيدة معمر، إنه قدم مكة ثم رجع إلى الحبشة مرتدا أو متنصّرا، فمات بها، والخبر الأول أصح وأثبت.
سليط بن عمرو، أخو سهيل أيضا، هاجر إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، ومعه امرأته فاطمة بنت علقمة، وقدم المدينة قبل قدوم جعفر، ويقال: قدم مع جعفر ﵇، واستشهد سليط باليمامة سنة اثنتي عشرة.
وقال الهيثم بن عدي: كان يكنى أبا الوضّاح، وكان إسلام سليط قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
مالك بن زمعة بن قيس بن عبد شمس، أخو سودة. هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مع جعفر، ومعه امرأته عميرة بنت السعديّ بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ودّ، من بني عامر بن لؤي. وإنما سمي السعديّ لأنه استرضع في بني سعد بن بكر، وكان عبد الله بن السعديّ يسكن الأردن، ويكنى أبا محمد، ومات سنة سبع وخمسين. وله صحبة.
عبد الله بن سهيل بن عمرو، ويكنى أبا سهيل، وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مكة للهجرة إلى المدينة فحبسه أبوه، فأظهر له الرجوع إلى دينه والشدة على المسلمين حتى أخرجه معه إلى بدر في نفقته وحملانه، وهو لا يشك في أنه على دينه. فلما تواقفوا، انحاز إلى المسلمين قبل القتال، فغاظ ذلك أباه. ثم كان يقول بعد إسلامه، حين أسلم يوم فتح مكة: لقد جعل الله لي في إسلام ابني عبد الله خيرا كثيرا.
وقال الكلبي: قاتل عبد الله يوم بدر مع المسلمين. قالوا: واستشهد يوم جواثا بالبحرين، في أيام الردّة. فلقي سهيل أبا بكر الصديق رضي الله
[ ١ / ٢٥٢ ]
تعالى عنه، فعزاه أبو بكر. فقال سهيل: بلغني أن رسول الله ﷺ قال:» يشفع الشهيد في سبعين من أهله»؛ وأنا أرجو أن لا يقدّم عليّ ابني أحدا، وكان يوم بدر ابن سبع وعشرين سنة. وقتل وله ثمان وثلاثون سنة، وليست هجرته إلى الحبشة بمجتمع عليها، وأم عبد الله: فاطمة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف.
وقال الواقدي: يقال إنّ عبد الله حبس فلم يمكنه الهجرة إلى الحبشة، والله أعلم؛ وقال الواقدي: قاتل عبد الله يوم بدر، ومعه عمير بن عوف مولى أبيه سهيل عتاقة، فكان سهيل يقول: شهد عمير بدرا، وإني لأرجو أن تنالني شفاعته قال: وكان المسلمون يقولون: فتن عياش وأصحابه بمكة فتركوا دين النبي ﷺ، وجعلوا فتنة الناس كعذاب الله (^١)، ما نرى لهم توبة. فنزلت: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (^٢)، فبعث عمر بالآية إلى هشام بن العاص، وكان صديقه، وتهادوها بينهم، فكان ذلك مما قوّى أنفسهم، حتى تخلصوا.
قال الواقدي: وكان أبو جندل بن سهيل بن عمرو مع أخيه، فحبسه أبوه، فلما كان قدوم النبي ﷺ الحديبية، وتشاغل الناس، أقبل أبو جندل يرسف في قيده حتى أتى رسول الله ﷺ، وقد قاضى قريشا على ما قاضاهم عليه، والقضية تكتب. فقام إليه أبوه، فضرب في وجهه. وصاح أبو جندل:
يا معشر المسلمين، إنّ المشركين يريدون أن يفتنوني، وكانت القضية بينهم على أن يردّ المسلمون إليهم من أتاهم من أصحابهم. فقال سهيل بن عمرو:
هذا أول ما قاضيتك عليه، يا محمد، فردّه رسول الله ﷺ على أن أجاره
_________________
(١) - انظر سورة العنكبوت - الآية:١٠.
(٢) - سورة الزمر - الآية:٥٣.
[ ١ / ٢٥٣ ]
حويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص، وضمنا أن يكفّ أبوه عنه، وقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله مخلصك». فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، ولمّ نعطي قريشا هذا، ونرضى بالدنية في أمرك؟ فقال ﷺ: «إنا قد عاهدناهم على أمر، وليس الغدر من ديننا»، فقال عمر: يا أبا جندل، إنّ الرجل ليقتل أباه في الله؛ فاقتل أباك، فقال: يا عمر، اقتله أنت. فقال: نهاني رسول الله ﷺ عن قتله للصلح. قال: وقد نهاني الله ﷿ عن قتل أبي. فيقال: إنّ أبا جندل لما صار إلى مكة، تخلص (^١)، وقدم المدينة.
وقال المدائني: ذكر لنا أن أبا البختري كان يقول: اسم أبي جندل «عمرو».
وكان ابن دأب يقول: عبد الله بن سهيل. وذلك غلط.
وقال الواقدي: يقال إنّ أبا جندل تخلص فصار إلى أبي بصير الثقفي مع من اجتمع إليه من المسلمين، فلما مات، صار وأصحاب أبي بصير إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، ويقال: إنه لما صار بمكة، تخلص فأتى المدينة، ويقال: إنه لم يصر إلى أبي بصير، ولكن خلاصه كان في وقت مصير أصحاب أبي بصير إلى النبي ﷺ، وهو الثبت.
وقال الكلبي: كان لحاق أصحاب أبي بصير بالنبي ﷺ، وهو بخيبر، وفتح خيبر. وهو «الفتح القريب» (^٢) الذي وعده الله نبيه ﷺ.
وقال أبو اليقظان البصري: لما كانت خلافة عمر، شرب أبو جندل الخمر مع نفر. فأراد أميرهم أن يحدّهم. فقالوا: قد حضر العدو. فإن قتلنا،
_________________
(١) - مغازي الواقدي ج ١ ص ٦٠٧ - ٦٠٩.
(٢) - انظر سورة الفتح - الآية:١٨.
[ ١ / ٢٥٤ ]
فقد كفيت موتتنا وأمرنا؛ وإن بقينا. فأقم علينا الحدّ، فقتلوا جميا.
وقال الواقدي: مات أبو جندل في طاعون عمواس بالشأم، وقد أسلم أبوه سهيل بن عمرو يوم فتح مكة، فحسن إسلامه، وغزا الشأم، فمات في طاعون عمواس.
عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس، يكنى أبا محمد، وأمه بهنانة بنت صفوان بن أمية بن محرّث بن كنانة. هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم هاجر إلى المدينة من مكة، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، وله إحدى وأربعون سنة، وشهد بدرا وله ثلاثون سنة وأشهر. ويكنى أبا محمد.
سعد بن خولة، ويكنى أبا سعيد. قال الواقدي: أسلم سعد بن خولة، مولى وهب بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. وبعضهم يقول: ابن حبيّب - مثقل - وإنما ثقله حسان في شعره:
..
الحارث بن حبيّب بن شحام (^١) …
وكانت أم سعد أمة لسعد بن أبي سرح، أو مولاة له ويقال إنه من أهل اليمن، حليف لبني عامر بن لؤي. ويقال إنه مولى لأبي رهم. هاجر سعد، في رواية ابن إسحاق (^٢) والواقدي، في الهجرة الثانية. ولم ينكره موسى بن عقبة وأبو معشر. وقال الواقدي: شهد سعد بدرا وهو ابن خمس عشرة سنة،
_________________
(١) - سيرد هذا البيت بشطريه بعد قليل، انظره في ديوان حسان ج ١ ص ٥١٤، وعنده «سحام».
(٢) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٢٠.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وشهد يوم أحد وشهد الخندق والحديبية. ثم خرج بعد ذلك إلى مكة، فمات بها. ويقال: هاجر الناس، وتأخرت هجرته، فمات بمكة.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص:
أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم. ولكن البائس سعد بن خولة مات بمكة».
وحدثني علي بن عبد الله، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن سعد، قال:
مرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني.
فقلت: يا رسول الله، إن لي مالا كثيرا، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت:
فبالشطر؟ قال: لا. قال: أفأوصي بالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير؛ إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس؛ إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة مات بمكة».
قال سفيان: يقول: لا تردّهم إلى الأرض التي هاجروا منها، حتى يقيموا بها إلا بحج أو جهاد. وقالوا: سعد بن خولة هو زوج سبيعة بنت الحارث الأسلمية التي ولدت بعد وفاته بيسير. فقال لها رسول الله ﷺ:
«انكحي من شئت».
حدثني علي بن عبد الله المديني وعباس بن يزيد البحراني، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه قال:
[ ١ / ٢٥٦ ]
وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بعشرين يوما أو شهر أو نحو ذلك، فمر بها أبو السنابل بن بعكك (^١)، فقال: قد تصنعت للأزواج؛ لا أو تأتي عليك أربعة أشهر وعشر (^٢)؟ قالت سبيعة: فأتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له. فقال: كذب أبو السنابل؛ قد حللت للأزواج، فانكحي.
وقال الواقدي: لم يأت ابن خولة مكة اتيان منتقل، ولكنه مضى في حاجة له.
- ومن بني الحارث بن فهر بن مالك:
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر. وأمه أميمة بنت غنم بن جابر، من بني الحارث بن فهر.
قال له رسول الله ﷺ: «أنت أمين هذه الأمة».
حدثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن أنس:
أن رسول الله ﷺ قال: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح». وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية في قول الواقدي ومحمد بن إسحاق (^٣). ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر.
وقال الهيثم بن عدي: هاجر في المرتين جميعا، وهاجر مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد كلها، ونزل بالمدينة على كلثوم بن الهدم. وآخى. رسول الله ﷺ بينه وبين سالم مولى أبي حذيفة، وبينه وبين محمد بن مسلمة الأوسي. ومات في طاعون عمواس بالشأم، وهو الأمير. وكان نحيفا، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالا، أجنأ (^٤)،
_________________
(١) - في هامش الأصل: هو أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن السباق بن عبد الدار بن قصي.
(٢) - انظر سورة البقرة - الآية:٢٣٤.
(٣) - سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٢٠.
(٤) - في هامش الأصل: رجل أجنأ أي أحدب الظهر.
[ ١ / ٢٥٧ ]
أشعر، آدم، يصبغ رأسه ولحيته بالحناء والكتم. مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
وقال الواقدي، عن أبي اليقظان: أسلمت أم عبيدة وزوجها.
سهيل بن البيضاء، ويكنى أبا موسى. والبيضاء أمه، وهي دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا، وشهد بدرا وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وناداه رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك، فقال: يا سهيل. فقال: لبيك. ووقف الناس لما سمعوا كلام رسول الله ﷺ.
فقال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرّمه الله على النار». ومات سهيل بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك بالمدينة سنة تسع، وهو ابن أربعين سنة، وصلى عليه رسول الله ﷺ. وليس لسهيل عقب.
قال الواقدي: حدثني بذلك مصعب بن ثابت، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير.
وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا وهيب، أنبأ موسى بن عقبة، عن عبد الواحد بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال:
لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج رسول الله ﷺ أن يمروّا بجنازته في المسجد. ففعلوا ذلك، ووقف بها على حجرهن، فصلين عليه، وخرّجنه من باب الجنائز، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز تدخل المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ما أسرع الناس إلى عيب
[ ١ / ٢٥٨ ]
ما لا علم لهم به؛ ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد (^١).
حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن فليح بن سليمان، عن صالح بن عجلان، عن عباد، عن عائشة رضي الله تعالى عنهما:
أن رسول الله ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وقال الواقدي: لما عاب الناس إدخال جنازة سعد بن أبي وقاص المسجد، قالت عائشة: ما أسرع الناس ما نسوا؛ لقد صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد.
وأما أخوه سهل بن بيضاء، فإنه أسلم بمكة قبل الهجرة، فأكرهه المشركون على الخروج معهم يوم بدر. فأسر مع من أسر من المشركين فشهد له عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي بمكة. فقال رسول الله ﷺ: لا يخرجنّ أحد من الأسرى من أيديكم بغير فداء إلا سهل بن بيضاء، فإنه مسلم.
وحدثني المدائني، عن أبي اليقظان:
بمثله.
وقال محمد بن سعد، أخبرني الواقدي وغيره:
أن سهلا أسر يوم بدر، فشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلّى رسول الله ﷺ سبيله.
وأما صفوان بن البيضاء، فلم يهاجر إلى الحبشة، ولكنه هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا مع أخيه سهيل، فروى بعضهم أنه استشهد يوم بدر، وقتله طعيمة بن عدي بن الريان.
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ٣ ص ١٤٨.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقال بعضهم: مات سنة ثمان وثلاثين، وكان يكنى أبا عمرو؛ وهو أيضا قول محمد بن سعد عندنا في كتاب الطبقات (^١).
وبعض الرواة يقول: شهد سهل بن بيضاء، وصفوان بن بيضاء بدرا مع رسول الله ﷺ، فيجعل سهيلا سهلا.
وذكر أبو اليقظان أن سهيلا استشهد يوم بدر، وذلك غلط عندهم، وسألت مصعب بن عبد الله الزبيري (^٢) عن سهل بن بيضاء، فقال: أتى مكة منصرفا من بدر، ثم هاجر إلى المدينة. وقال بعضهم: كان بمكة إلى يوم الفتح. والأول أثبت عندي.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن أنس أنه قال:
كان أسنّ أصحاب النبي ﷺ أبو بكر وسهل بن البيضاء.
عمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك، وليس هو بعم عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث صاحب مصر، هذا من بني الحارث بن فهر. وذاك من بني عامر بن لؤي، وقوم يظنون هذا ابن اخيه، وهاجر عمرو إلى أرض الحبشة في المرة الثانية. ثم شهد بدرا.
وأما وهب بن أبي سرح، أخوه، فإن الهيثم بن عدي ذكر أنه من مهاجرة الحبشة، وليس ذلك بثبت، ولكنه قد شهد بدرا.
وكان أبو معشر يقول: الذي هاجر معمر بن أبي سرح.
وقال موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق والكلبي: وهو عمرو بن أبي سرح، وكانت عنده أخت أبي عبيدة. ومات بالمدينة في خلافة عثمان رضي
_________________
(١) - طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٤١٦.
(٢) - نسب قريش للمصعب الزبيري ص ٤٤٦.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الله تعالى عنه سنة ثلاثين. وقال الواقدي: هاجر عمرو بن أبي سرح إلى الحبشة، وشهد هو وأخوه بدرا؛ ولم يهاجر معمر إلى الحبشة.
عياض بن زهير بن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث. ويكنى أبا سعد، ويقال أبا سعيد، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، فأقام بها. ثم قدم المدينة قبل بدر، وشهد بدرا. ومات في سنة ثلاثين.
وقال محمد بن سعد: وهو عم عياض بن عبد غنم بن زهير صاحب الجزيرة وواليها من قبل عمر؛ ومات عياض بن عبد غنم سنة عشرين.
عمرو بن الحارث بن زهير، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية ومعه عثمان بن عبد غنم بن زهير.
وسعيد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. فأقاما بأرض الحبشة، ثم قدم المدينة قبل جعفر بن أبي طالب ﵇. وأما عمرو بن الحارث، فقدم مكة وهاجر منها إلى المدينة.
ومن الرواة من يزعم أن من مهاجرة الحبشة الحارث بن عبد قيس بن لقيط بن عامر. ولم يذكره الواقدي، وذكره ابن دأب.
فهؤلاء مهاجرة أرض الحبشة.
- قال الواقدي: ولما قدم المهاجرون من الحبشة في المرة الأولى، حين بلغهم سجود قريش مع النبي ﷺ وأنهم قد أسلموا ولم يتحقق ذلك، دخل كل امرئ منهم بجوار رجل من قريش. فدخل عثمان بن عفان بجوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، فنادى مناديه: يا معشر قريش، إنّ أبا أحيحة قد أجار عثمان بن عفان، فلا تعرضوا له. فكان عثمان آمنا، يأتي
[ ١ / ٢٦١ ]
رسول الله ﷺ طرفي النهار. ودخل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بجوار أمية. ودخل مصعب بن عمير بجوار النضر بن الحارث بن كلدة، ويقال بجوار أبي عزيز بن عمير، أخيه. ودخل الزبير بن العوام بجوار زمعة بن الأسود. ودخل عبد الرحمن بن عوف بجوار الأسود بن عبد يغوث. ودخل عثمان بن مظعون الجمحي بجوار الوليد بن المغيرة المخزومي، فمكث في ذمته ما شاء الله، ثم قال: واعجبا، أأكون في ذمة مشرك؟ ذمة الله أعزّ وأمنع. فأتاه، فسأله أن يتبرّأ منه، فقال: يا بنيّ، هل رأيت إلا خيرا؛ هل أصابك أحد بسوء؟ وكان لبيد بن ربيعة الكلابي ينشد قوله:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال: صدقت. فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل (^١) …
قال: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش:
والله ما كانت مجالستكم سبّة، ولا كان السفه من شأنكم. فقالوا له: إن هذا غلام سفيه، مخالف لدين قومه. فقام بعض بني المغيرة، فلطم عين عثمان بن مظعون، فضحك الوليد بن المغيرة للشماتة ونظر إلى عين عثمان قد اخضّرت، فقال: ما كان أغناك عن هذا يا بني؟ فقال عثمان: ما أنا بغنيّ عنه، لأنه ذخر لي عند الله؛ وإن عيني الصحيحة محتاجة إلى مثل ما نال صاحبتها. فقال: لقد كنت في ذمة منيعة، فعد إلى جواري فإنك لا ترام فيه. فقال: والله لا أعود في جوار غير جوار الله أبدا، ووثب سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إلى الذي لطم عين عثمان، فكسر أنفه، فكان ذلك أول دم أريق في الإسلام. والثبت أن الذي لطم عين عثمان: عثمان بن
_________________
(١) - شرح ديوان لبيد - ط. الكويت ١٩٨٤ ص ٢٥٦.
[ ١ / ٢٦٢ ]
عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. ومن قال إنّه عبد الله بن عثمان، جد عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فقد غلط غلطا بينا.
ودخل عامر بن ربيعة العنزي، حليف الخطاب بن نفيل، بجوار العاص بن وائل السهمي، ودخل أبو سبرة بن أبي رهم بجوار أبيّ، وهو الأخنس بن شريق؛ ويقال بجوار سهيل بن عمرو. ودخل حاطب بن عمرو بجوار حويطب بن عبد العزى. ودخل سهيل بن بيضاء بجوار رجل من عشيرته، من بني فهر؛ ويقال: دخل مستخفيا بغير جوار أحد حتى خرج في المرة الثانية. ومن قال إنّ أبا عبيدة بن الجّراح هاجر في المرة الأولى، قال: دخل بغير جوار أحد.
وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال:
دخل عبد الله بن مسعود بغير جوار، فمكث قليلا ثم رجع (^١).
- قال الواقدي: خرجوا للهجرة الأولى في رجب سنة خمس من النبوة. فأقاموا شعبان وشهر رمضان، وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة. ثم هاجروا في المرة الثانية، وقد لقوا من المشركين جهدا وأذى.
وكانوا أكثر ممن هاجر أولا. وهم على ما قد سمينا.
- قالوا: وكتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي كتابا يدعوه إلى الإسلام، وكان رسوله بكتابه عمرو بن أمية الضمري، من كنانة، أحد بني ناشرة بن كعب بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. فأسلم، ونقد عن النبي ﷺ مهر أم حبيبة بنت أبي سفيان أربع مائة دينار. وأرسل إلى
_________________
(١) - انظر تفاصيل ذلك في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٤٥ - ٢٥٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]
النواتي، فقال: انظروا ما يحتاج فيه هؤلاء القوم من السفن. فقالوا:
يحتاجون إلى سفينتين، فجهزهم، وكلم قوم النجاشي من الحبشة أسلموا، في أن يبعث بهم إلى رسول الله ﷺ يسلموا عليه، وقالوا: نصاحب أصحابه هؤلاء فنجذف بهم في البحر ونغنيهم. فأذن لهم. فشخصوا مع عمرو بن أمية والمسلمين. وأمرّ عليهم جعفر بن أبي طالب.
[ ١ / ٢٦٤ ]