واسمه حصين بن بدر بن إمرئ
_________________
(١) بهامش الأصل: الزبرقان بن بدر ﵀.
[ ١٢ / ٣٥٣ ]
القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن أسعد بن زيد مناة بن تميم، وسمي الزبرقان لجماله، والزبرقان القمر، وكان يدعى قمر نجد، وكان من الذين يدخلون مكة معتمين لئلا يفتنوا النساء.
وقال غير الكلبي: سمي الزبرقان لعمامة كان يصبغها بالصفرة فيقال زبرقها، وأم الزبرقان فيما ذكر أبو اليقظان ابنة زهير بن أقيش من عكل.
والزبرقان القائل في قصيدة له هجا فيها المخبل:
دفعنا إلى النعمان منّا رهينة … غلاما غذته بالوفاء بهادله
نجيب جياد كلما مدّ باعه … إلى المجد لم يوجد له من يطاوله
فلا تنتحل ما نحن فزنا بمجده … عليك فأحظى الناس بالخير فاعله
ونحن بنو السفعاء ربة أمكم … لنا دونكم ميراث عوف ونائله
وأنتم بنو القرعاء جاءت بأقرع … لئام مساعيه إماء حلائله (^١)
وكان الذي دفع إلى النعمان ابن الشقيقة رهينة ليرعوا ولا يفسدوا لحوق بن دهي بن عامر بن أحيمر بن بهدلة، فأمر الناس فرعوا.
قالوا: ودعا بنو قريع المخبل إلى منافرة الزبرقان والتواقف بسوق حجر، وتهيأ الزبرقان ليخرج، فقال المخبل لقومه بني قريع: وإنكم لجادّون أأنا أواقف ابن العكلية، وهو أحسن الناس وجها، وأمدّهم قامة وأفصحهم لسانا، وأبعدهم صيتا، ولكن دعوني أهاديه الشعر فإني إن واقفته لم أكن إلا قذاة في نحره.
وقال (^٢) أبو اليقظان: كان رجل من بني نمير قتل بعض أخوال
_________________
(١) ليست في شعر الزبرقان المجموع.
(٢) بالأصل: وكان، وهو تصحيف.
[ ١٢ / ٣٥٤ ]
الزبرقان، فقتله الزبرقان، وكان النميري يسمى كنازا فقال الأقرع:
لما تؤوكل كنّاز دلفت له … دليف لا عاجز وان ولا ورع
قالوا: واختدع الزبرقان قيس بن عاصم، فلم يسق ما عنده من الصدقة إلى أبي بكر ﵁، وساق الزبرقان إليه صدقة عوف والأبناء، وهم ولد سعد، غير كعب، وعمرو ابني سعد، وقد كتبنا خبره في أمر الصدقة، فيما تقدم.
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: دخل الزبرقان بن بدر يوم الجمعة المسجد فأخذ بعضادتي الباب ثم نادى: السلام عليكم، أيلج الزبرقان فقيل له: يا أبا شذرة إن هذا موضع لا يستأذن فيه، فقال: أيلج مثلي على جماعة مثل هؤلاء لا يعرفون مكانه، وكان يكنى أبا شذرة وأبا عياش، ويقال أيضا أبا عباس.
وقال الحسن بن علي الحرمازي: وقعت الحرب بين بني بهدلة وبني عبشمس، وعلى بني بهدلة الزبرقان فقتلوا جميعا غير الزبرقان، وجاء الإسلام فكفوا عن الحرب فحملت بنو عبشمس فضول الدماء، وودى الزبرقان كنّاز بن معاوية بن علاج بن عمرو بن كعب بن عبشمس، وكان قتل زيد بن إمرئ القيس بن خلف بن بهدلة فقتله الزبرقان، وبسبب قتله تحارب بنو عبشمس وبنو بهدلة.
وحدثني الحرمازي عن أشياخه قال: لقي الزبرقان الحطيئة العبسي في عام جدب فقال له: أين تريد يا جرول؟ قال أريد النجعة. قال: فأين أهلك؟ قال: بمكان كذا، فقال الزبرقان: هل تجوعن على التمر واللبن؟
[ ١٢ / ٣٥٥ ]
فقال الحطيئة: ومن يجوع على هذين. قال الحطيئة: فلما أطعمني قلت:
ومن أنت؟ قال فمن تجد، أنا الزبرقان بن بدر، قال: فتحولت إليه وحولت عناني وبنيت بيتي عند بيته، وجعلت طنبي مع طنبه فأجاعني وأعوى كلبي وذهب لجاريته شيء فاتهمني به، ودخلت بيتي ففتشته ونبذت ما فيه، فلم يلمها ثم رحل وتركني فجاء بغيض بن عامر بن شماس بن لأي فضمني إليه فلامه الزبرقان وقومه على ذلك فقلت:
ما كان ذنب بغيض لا أبالكم … في بائس جاء يحدو آخر الناس
لقد مريتكم لو أن درّتكم … يوما يجيء بها مرّي وإبساسي
والله ما معشر لاموا أخا ثقة … من آل لأي وشماس بأكياس
وقلت للزبرقان:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (^١)
فنزاه بيتي هذا وأقلقه حتى استعدى عليّ، وقلت أيضا في شعري:
ألم أك نائيا فدعوتموني … فخانتني المواعد والدعاء
وآنيت العشاء إلى سهيل … أو الشعرى فطال بي الإناء
ألم أك جاركم فتركتموني … لكلبي في دياركم عواء
ولما كنت جارهم حبوني … وفيكم كان لو شئتم حباء
فلم أقصب لكم حسبا ولكن … حدوت بحيث يستمع الحداء
وإني قد علقت بحبل قوم … أعانهم على الحسب الثراء (^٢)
وقلت أيضا:
_________________
(١) ديوان الحطيئة ص ١٠٥ - ١٠٩ مع فوارق.
(٢) ديوان الحطيئة ص ٥٤ - ٥٦ مع فوارق.
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
هلا غضبت لرحل ج … ارك إذ تنبّذه حضاجر (^١)
ولقد سبقتهم إل … يّ فلم نزعت وأنت آخر (^٢)
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة عن مشايخ من أهل الكوفة، أن الحطيئة لما هجا الزبرقان بن بدر استعدى عليه عمر، وكان أشد ما هجاه به عليه قوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وما عليك إذا قال لك انك طاعم كاس، فدعا حسان بن ثابت، وأمر الزبرقان فأنشده البيت فقال عمر:
أتراه هجاه يا حسان؟ قال: لم يهجه يا أمير المؤمنين، ولكنه خري عليه، هذا أشد من الهجاء، فحبس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الحطيئة حتى بعث إليه مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي بأبيات مدحه بها وهي:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ … حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه … ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثرك بها إذ قدّموك لها … لكن لأنفسهم كانت بك الأثر (^٣)
فدعا به فقال له: إياك وهجاء الناس وشتيمتهم وخلى سبيله.
وقال الحطيئة لعمر في قصيدته التي أولها:
نأتك أمامة إلاّ سؤالا … وأبصرت منها بغيب خيالا
إلى ملك عادل حكمه … فلما وضعنا إليه الرحالا
_________________
(١) بهامش الأصل: حضاجر الضبع، شبه أمته بها.
(٢) ديوان الحطيئة ص ٣٣ - ٣٤.
(٣) ديوان الحطيئة ص ١٦٤ - ١٦٥.
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
ضوى قول من كان ذا إحنة … ومن كان يأمل فيّ الضلالا
أتتني لسان فكذبتها … وما كنت أحذرها أن تقالا
فلا تسمعن فيّ قول العداة … ولا توكّلنّي هديت الرجالا
فإنك خير من الزبرقان … أشدّ نكالا وخير فعالا (^١)
ويقال قالها قبل حبسه حين بلغه أن الزبرقان يستعدي عليه.
وقوم من بني بهدلة يقولون إن الزبرقان كان قد أحسن قرى الحطيئة، ولكن بغيضا أطمعه في أكثر مما كان فيه، فصار إليه وأعطاه حتى هجا الزبرقان.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: مرّ قوم من قريش وغيرهم بالزبرقان وهو يلوط حوضا له ويصلحه، فأرادوا أن يسقوا إبلهم من بئر له فمنعهم ذلك فقال شاعرهم:
وما الزبرقان حين يمنع ماءه … بمحتسب يقوى ولا متوكل
ولا طالب حمدا وقد ظل قائما … يدفّع أعضاد الحياض بمعول
وقال أيضا:
تركنا الزبرقان على حفير … يرقّع حوض ثلّته بكلس
عليك لبان وطبك تدّويه … وما في العسّ في محض وقرس (^٢)
وقال الحرمازي عن أشياخه: أغار بنو عبشمس على بني بهدلة بن عوف بن يمان التي عند هجر، فجرحوا أناسا واطردوا إبلا وثلاثين فرسا للزبرقان، فاستعدى الزبرقان العلاء بن الحضرمي، وهو عامل أبي بكر على
_________________
(١) ديوان الحطيئة ص ٦٧ - ٧١ مع فوارق.
(٢) القرس: البرد الشديد. والجامد. القاموس.
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
البحرين فقال له: هات بيّنة، فلم يجدها، فعرض الزبرقان لرجل من بني ملادس بن عبشمس معه مائة وخمسون بعيرا فجاء به إلى العلاء فأقام عنده البيّنة أن الملادسي كان في الجيش، فهرب وأخذ إبله، فوثب ابن عم له على إبل الصدقة فأخذها، فأغلظ العلاء وأصحابه للزبرقان فقال في قصيدة أولها:
أبلغ أبا بكر وإن كان دونه … مهامه تعتال الركاب لياليا
شكاتي إليه لو أتاه مخبّر … فيخبره أني لقيت الدّواهيا
فما عيش من لم يغن عنه وفاؤه … ولا عذره لو يملأ العذر واديا
طوى كل معوف وأحضر دونه … عقارب أخشى لذعها وأفاعيا
تهكّم أصحاب العلاء شتيمتي … فمالك يا بن الحضرميّ وماليا
فلو شئت لم أحبس بحجر عليكم … جسام الروايا (^١) والجياد المراخيا (^٢)
وزعموا أن الزبرقان كان في جند العلاء بالبحرين، والزبرقان القائل لخالد بن الوليد المخزومي يحرضه:
خاطر على الجلّى فإنك أهلها … حسبا وأذك شهابها لا تخمد
وانفذ فإنك لو قعدت بشاهق … صعب المرام ممنّع لم تخلد
وإذا امرؤ أرضاه أدنى سعيه … نقصت مروءته إذا لم يزدد (^٣)
والزبرقان الذي يقول:
وقلت لحامل ضبّا وضغنا … تحمّله فإن الله حسبي
ألم أبذل لكم مالي وودّي … وأدرأ عنكم دركي وشغبي
_________________
(١) بهامش الأصل: الروايا إبل تحمل.
(٢) ليس في شعره المجموع.
(٣) ليست في شعره المجموع.
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
وأجعل كل معتمد أتاني … يريد النصر بين حسا وخلب (^١)
ونزل ببني عبيد بن مقاعس فأجلّوه وبرّوه فقال:
إني وجدت عبيدا حين زرتهم … كالرأس يجمع فيه السّمع والبصر (^٢)
وقال أبو اليقظان: ولد الزبرقان: عياش بن الزبرقان. والعباس وبه كان يكنى، وغيره يقول يكنى بعياش، وغيرهما. وأمهم ابنة صعصعة عمة الفرزدق فكانت تقول: حماري رهن بخمسين بعيرا لمن جاء بأب كصعصعة، وأخ كغالب وخال كخالي الأقرع بن حابس، وزوج كزوجي الزبرقان بن بدر.
وذكر الهيثم بن عدي أن الزبرقان أتى مسيلمة بابنه وقال: يا نبي الله حنّكه، فحنّكه فخرس.
وقال الزبرقان: ما استبّ اثنان إلاّ غلب ألأمهما.
فأما عياش بن الزبرقان فكان شريفا بالبادية، وهو الذي يقول له جرير بن عطية:
سأذكر ما قال الحطيئة جاركم … وأحدث وسما فوق وسم المخبل
أعياش قد ذاق العيون مغاضتي … وأوقدت ناري فادن عياش فاصطل (^٣)
فولد عياش حين أنشد هذا البيت: إني إذا لمقرور.
فولد عياش: غضيّا، وكان على شرط المدينة لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي، وإنما ولاه الشرط لأن أم عبد الملك بنت
_________________
(١) البيت الأخير فقط في شعره ص ٣٦ وفيه «بين حشأ وخلب».
(٢) ليس في شعره المجموع.
(٣) ديوان جرير ص ٣٦٨.
[ ١٢ / ٣٦٠ ]
الزبرقان بن بدر، وغضيا القائل:
غريب عن ديار بني تميم … ولن يخزي عشيرتي اغترابي
وذكره سهيل المديني في شعره وقد كتبنا شعر سهيل المديني فيه في خبر هشام بن عبد الملك، وأما عياش فلم يكن بشيء.
وقال المخبّل في الزبرقان:
وأبوك بدر كان ينتهس الخصى … وأبي الجواد ربيعة بن قبال (^١)
فلما أنشد الزبرقان قوله:
كان ينتهس الخصى وأبي
قال: شيخان اشتركا في ضيعة (^٢) وصناعة.
وزوّج الزبرقان أخته خليدة من رجل يقال له هزّال من بني جشم بن عوف بن كعب بن سعد فقال المخبل:
وانكحت هزّالا خليدة بعد ما … زعمت برأس العين أنك قاتله (^٣)
ثم مر بها المخبل بعد حين وقد أصابه كسر فجبرت كسره وقامت عليه وبرّته وهو لا يعرفها فلما عرفها قال:
لقد ضلّ حلمي في خليدة ضلّة … سأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله أنني … كذبت عليها والهجاء كذوب
وتزوج إلى الزبرقان سعد بن أبي وقاص، والمسور بن مخرمة الزهري، وعمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن
_________________
(١) المخبل السعدي شاعر فحل من مخضرمي الجاهلية والاسلام، له ترجمة في الأغاني ج ٣ ص ١٨٩ - ١٩٩، وورد هذا البيت في ص ١٩٣، وصحف اسم «قبال» إلى «قتال».
(٢) في رواية الأغاني «صنعة».
(٣) الأغاني ج ١٣ ص ١٩٢ مع فوارق.
[ ١٢ / ٣٦١ ]
عبد شمس، وعثمان بن أبي العاص، والحكم بن أبي العاص، وأمية بن أبي العاص الثقفيون. وكان الزبرقان إذا زوج المرأة من بناته دنا من خدرها فقال: أتسمعين لا أعلمن ما طلقت ثلاثا، كوني أمة لزوجك.