واسمه سنان بن سمّي بن سنان بن خالد بن منقر الخطيب.
وقال غير الكلبي: هو خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وقول الكلبي أثبت.
وأخوه نعيم بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم، وكان نعيم صاحب شراب وكان يشارّ خالدا أخاه كثيرا، فقال الحسن البصري: عجبا
_________________
(١) بهامش الأصل: خالد بن صفوان.
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
لهذين الرجلين أمالهما من أنفسهما واعظ، ولا ينهاهما من الله زاجر؟ وهجا الفرزدق نعيما هذا فقال:
ألا أبلغا عني نعيما رسالة … نعيم بن صفوان خليع بني سعد
فما أنت بالقاري عرفنا قراته … وما أنت في الفساق بالحازم الجلد (^١)
وكان خالد بن صفوان من أخطب الناس وأبلغهم وأحدثهم، وكان ذا حظ من السلطان ومال، وكان بخيلا، ويكنى أبا صفوان، وأم خالد وأخيه نعيم: أروى بنت سليم مولى زياد بن أبي سفيان، وقد ولي صفوان أبو خالد أمر بني تميم أيام مسعود، وكان أيضا خطيبا، وأوصى عند موته بمائة وعشرين ألفا وشهد الحسن وصيته فقال قائل لصفوان: لأي شيء أعددت هذا المال وجمعته؟ فقال: لنكبات الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة، فقال الحسن: تدعه والله لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك.
وحدثنا عن هشام ابن الكلبي عن أبيه أن خالد بن صفوان قال:
الصدق محمود، إلاّ صدق ذي السعاية فإنه شر ما يكون، أصدق ما يكون. وقد روي ذلك عن ابن شبرمة.
حدثنا علي بن محمد بن عبد الله المدائني أن خالد بن صفوان قال لبشير بن عبيد الله بن أبي بكرة: إن بشيرا تورّد الأمور جهلا، وارتكس فيها، فلم يقم عليها صبرا، ولم يخرج منها عزما.
قال: وكان بلال بن أبي بردة أمر بتقنيع خالد وحبسه لأنه بلغه عنه أنه
_________________
(١) ديوان الفرزدق ج ١ ص ١٧٢ مع فوارق.
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
قال حين ولي: سحابة صيف عن قليل تقشع فقال: والله لا تقشع أو تصيبه بشؤبوب.
وكان خالد يقول: للعدل في دار بلال أعز من الكبريت الأحمر في دار أبي الزرد الحنفي، وأبو الزرد الذي قال له الفرزدق ما قال، وقد ذكرناه في خبره.
المدائني قال: دخل خالد بن صفوان على يوسف بن عمر، وبلال بن أبي بردة يعذب، فقال خالد ليوسف: أصلح الله الأمير هذا بلال بن أبي بردة بن أبي موسى وكان أبو موسى حلاقا فاكتنى بموساه، وتزوج طهفة بنت الدمون، وكانت حالكة الجلد قزعة الشعر، وهي أم أبي بردة، وكان الدمون مقرا بولاء الأمير، وكانت أم هذا أمة لأبيه تخرج إلى الأسواق فيغمز الناس شاكلتها (^١) ويشجها أبوه في الدرهم، ويضربها فقال بلال: إن أبي تزوج في أكفائه من العرب، وإن أبا هذا وعمه علقا محررتين من محررات أهل البصرة فلما خاف أهلوهما أن يفضحاهم زوجوهما منهما، فهذا ابن أمة زياد، وابن عمه ابن أمة لآل معمر، وهو يستطيل عليّ بثلاث خصال: هو مطلق، وأنا أسير، والأمير عليّ ساخط وهو عنه راض، وهو بالحيرة على طينته التي ولد عليها فهي تعرفه ويعرفها، فهو كالكلب يجترئ على باب أهله.
قال: ومر خالد على أبي الجهم القائد وهو على حمار له، فقال له أبو الجهم: ما هذا يا خالد؟ قال: عير من بنات الكداد (^٢) محملج الساقين
_________________
(١) الشاكلة: شعر المرأة إذا ضفرته خصلتين من مقدم رأسها عن يمين وشمال. القاموس.
(٢) بهامش الأصل: الكداد جبل.
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
أصحر السربال (^١)، يحمل الرجلة ويبلغ العقبة، ويمنعني أن أكون جبارا عنيدا.
وقال خالد: البراذين للجمال والدعة، والخيل للطلب والهرب، والجمال للدماء (^٢) وبعد الأسفار، والبغال للأحمال والأثقال، والحمير للدبيب وخفة المؤونة.
وقال خالد: بتّ أتمنى ليلتي كلها، فملأت البحر الأخضر من الذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني رغيفان وكوزان وطمران.
وذكر سليمان بن علي أن رجلا أراد توليته عملا، فقال خالد: والله لو أنه على سويقة البحرين ما أجراها، مع أنه يخلط ذلك بلؤم الحسب، وسوء الأدب، وقلة النشب.
قالوا: ولقي خالد بن صفوان ذات يوم روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فذكر الدنيا فزهد فيها، ثم قال لروح بن حاتم: رأيتك في شرفك وخطرك وما بسط الله لك من الدنيا تطلبها هذا الطلب يا أبا خلف فقال له روح: يا أبا صفوان ما يرغبني في الدنيا إلاّ أني وأنا شاب حديث السن لا آتي بابا من هذه الأبواب إلاّ وجدتك عليه قد سبقتني إليه، وأنت قد جاوزت الستين، ولم يبق منك كبير شيء. فقال: والله لئن قلت ذلك لقد ذهب مني رونق الوجه، وحسام الصلب، وحدة القلب، ولأنا كنت إلى الدعة
_________________
(١) الأصحر: قريب من الأصهب، والسربال: القميص أو الدرع. ومحملج الساقين: مفتول الساقين. القاموس.
(٢) بهامش الأصل: يعني الديات.
[ ١٢ / ٢٧٧ ]
والرفاهية، وإلى بيت منضوح (^١) وتور (^٢) من نضوح، وستر مسدول أحوج مني إلى ما ترى.
ومدح خالد رجلا فقال: ما رأيت أسكن فؤادا، ولا أبعد غورا، ولا آخذ بذنب حجة، قد تقدم رأسها، ولا أعلم بابنة (^٣)، ووصمة في كلام منه.
المدائني عن عدي بن الفضل قال: قال خالد: لا تزوّج واحدة فتحيض إذا حاضت، وتنفس إذا نفست، وتعود إذا عادت، وتزور إذا زارت، وتمرض إذا مرضت، ولا تزوج اثنتين فتكون بين شرّين، ولا تزوج ثلاثا فتكون بين ثلاث أثافي، ولا تزوج أربعة فيجفرنك (^٤) ويهرمنك ويفلسنك، فقال له ابن رباط الفقيمي: حرّمت ما أحل الله أجمع. فقال: خير من ذلك: قرصان، وطهران وكوزان، وعبادة الرحمن.
وقال خالد: والله ما تطيب نفسي بانفاق درهم إلاّ درهم قرعت به باب الجنة؟ أو درهم اشتريت به موزا.
وقال خالد: إن الشيطان باختياله ومناصب حباله يخيل بالشبهة، ويكابر بالشهوة، فإذا أعيا مخاتلا كر مكابرا.
وكان خالد يقول: من كان ماله كفافا فليس بغني ولا فقير لأن النائبة
_________________
(١) نضح البيت: رشه. القاموس.
(٢) التور: إناء يشرب فيه. القاموس.
(٣) أبنه: أتهمه. والأبنة: الحقد والعقدة في العود والابن من الطعام: اليابس. القاموس. وجاء بهامش الأصل: نائمة.
(٤) الجفور: انقطاع الفحل عن الضرائب، ومنه قولهم: الصوم مجفرة للنكاح. القاموس.
[ ١٢ / ٢٧٨ ]
إذا نزلت أجحفت بكفافه، ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غني.
وكان خالد يقول: لئن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار لا يشاء أن يعطيه مالا، ويكتب به عليه صكا إلا فعل.
المدائني عن عبد الله بن مسلم قال: مر بخالد رجل من آل المهلّب ورجل من آل المسيح بن الحواري العتكي، وكانا بخيلين فقال لهما خالد:
انزلا نتذاكر المنع فوالله لهو أشد من البذل.
قال: وخرج خالد حاجا، وولى ابنه ربعيا ماله فأنفق إلى قدومه مالا كثيرا، فقال وليت ربعيا مالي فوالله لهو كان فيه أسرع من السوس في الصوف في الصيف.
وكان خالد بن صفوان يقول: من تزوج امرأة فليتزوجها عزيزة في قومها ذليلة في نفسها، أدّبها الغنى وأخضعها الفقر، حصانا عن جارها، ما جنة على زوجها.
المدائني عن ابراهيم بن المبارك قال: قال أبو العباس أمير المؤمنين لخالد بن صفوان: إن الناس قد أكثروا في النساء، فأي النساء أعجب إليك؟ قال: أحبها يا أمير المؤمنين ليست بالصرع الصغيرة، ولا الطاعنة الكبيرة، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أعلاها عسيب (^١) وأسفلها كثيب، غذيت في نعيم ثم أصابتها حاجة، فأدبها النعيم وأذلها الفقر، هلول على زوجها، حصان من جارها، إذا خلونا كنا
_________________
(١) العسيب: الريش طويلا، وجريدة من النخل مستقيمة دقيقة. القاموس.
[ ١٢ / ٢٧٩ ]
أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة.
المدائني قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي: قلت لخالد:
يا أبا صفوان إني لأكره أن تموت وأنت من آيس أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء. قال: فابغني امرأة، قلت: صفها لي أطلبها. قال: أريدها بكرا كثيب أو ثيبا كبكر لا صرعا صغيرة ولا مسنّة كبيرة لم تقرأ فتحنن (^١) ولم تفتّ فتمحن، قد نشأت في نعمة وأدركتها خصاصة فأدبها الغنى، وأذلها الفقر، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب وحسبي من حسبها أن تكون واسطة في قومها ترضى منى بالسنّة، إن عشت أكرمتها وإن مت أورثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء بطرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان الناس في طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.
وكان خالد يقول: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
وقال الهيثم بن عدي وأبو الحسن المدائني: بينما خالد بن صفوان في المسجد بالبصرة، إذ جلس إليه أعرابي من بني العنبر، فقال خالد لأصحابه: خير النساء امرأة قد احتنكت في سنها واستحكم رأيها، خميص بطنها، طويل جيدها حسن ليتها، عظيم بوصها (^٢)، تملأ كف قرينها باللعب الجميش (^٣). فقال العنبري: دع عنك من استحكم رأيها، وعليك
_________________
(١) قرأت الناقة: حملت والحامل ولدت، والقرء: الحيض، وأقرأت: حاضت. القاموس.
(٢) البوصاء: العظيمة العجز. القاموس.
(٣) الجمش: المغازلة والملاعبة. القاموس.
[ ١٢ / ٢٨٠ ]
بها حين نهدت، غرّاء لا تدري ما يراد بها ثم أنشد:
عليك أبا صفوان إن كنت ناكحا … فتاة اناس ذات أتب ومئزر
لها كفل راب وبطن معكّن … وأجثم مثل القعب غير منور
فتلك التي إن نلتها كنت سيدا … ودع عنك أخرى كالظليم المنفّر
مجربة للباه قد جازت المدى … وصارت من النسوان لم تتخفر
هي القرن إن صالت فليث خفيّة (^١) … وإن سكنت خوفا فذات تذمّر (^٢)
وكان خالد يقول: إن المروءة لو خفّ محملها، وقلّت مؤونتها لما ترك اللئام فيها للكرام بيت ليلة، ولكن ثقل محملها، وعظمت مؤونتها فاجتباها الكرام، وكاع عنها اللئام.
المدائني قال: قالت امرأة لخالد بن صفوان: إنك لجميل، قال:
كيف قلت ذاك فوالله ما في عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه، أما عموده فالطول ولست بالطويل، وأما رداؤه فالبياض، ولست بأبيض، وأما برنسه فسواد الشعر وجعودته، وأنا أصلع، ولكن قولي إنك لحلو.
وقال خالد للفرزدق وكان يمازحه: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما ﴿رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (^٣) فقال الفرزدق: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت الفتاة لأبيها: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (^٤).
_________________
(١) الخفية: الغيضة الملتفة. القاموس.
(٢) الذمر: الملامة، والحض، والتهدد، الذمار: ما يلزمك حفظه وحمايته. القاموس.
(٣) سورة يوسف - الآية:٣١.
(٤) سورة القصص - الآية:٢٦.
[ ١٢ / ٢٨١ ]
وذكر خالد رجلا فقال: إنه لممن عرّب الله سليقته، وقوّم طريقته، من تنظره النعمة وتطعه، فإنها لتوقره وتذلله.
وكان خالد يقول: المزاح سباب النوكى، ولا بأس بالفكاهة ينطلق بها وجه الرجل في مجلسه وتخرجه من حال العبوس.
وقال خالد لرجل: رحم الله أباك فانه كان يقري العين جمالا والسمع بيانا.
وقال خالد: قدمت الشام فدخلت حماما ودخله أبو محجن خادم هشام بن عبد الملك معي، ولا أعرفه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من خلقه. فقلت: ما في الأرض شيء له خصيان إلا وهو أفضل منك، فقال: من أنت؟ فأخبرته فخرج قبلي، وأمر خادما له فتخلف، فلما خرجت ذهب بي إلى منزله فأكرمني أبو محجن وقربني وقام بحوائجي.
وكان خالد يلحن في كلامه فقيل له: لو نظرت في النحو. فقال:
أخاف أن أتفقد اعراب الكلام فينقطع لساني، ويقال قال: أخاف أن آخذ نفسي بالإعراب فينقطع لساني.
قال: وسمع خالد رجلا ينشد قول الشاعر:
إذا حدثتك النفس أنك قادر … على ما حوت أيدي الرجال فجرّب
فقال خالد: لا والله ولكن فكذّب.
وقال أبو العباس السفاح يوما: عليّ بخالد فلما دخل عليه قال: قد وليت الخلافة فكنت أهلها وموضعها، رعيت الحق في مسارحه وأوردته موارده، فأعطيت كلا بقسطه من نظرك وعدلك وأدبك ومجلسك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد، فأعجبه قوله، وأمر له بمال.
[ ١٢ / ٢٨٢ ]
وقال خالد: وفدت على هشام بن عبد الملك فوجدته قد بدا (^١) لشرب اللبن وذلك في عام قد بكر وسميّه (^٢) وتتابع وليه (^٣)، وأخذت الأرض زخرفها، وأنواع زينتها، فهي كالزرابي المبثوثة والقباطي المنشورة، وكأن ترابها الكافور، فلو ألقيت بضعة لم تترب، وقد ضربت له سرادقات حبره بعث بها يوسف بن عمر من اليمن، فهي تتلألأ كأنها العقيان، فذكرني مسلمة له فأرسل إلي، فدخلت إليه، وإذا تحته أربعة أفرشة موشاة مثلها مرافقها ومخادّها، وعليه جبة خزّ، وعمامة خزّ، فجددت له دعاء، ولم أزل قائما حتى أذن لي في الجلوس، ثم نظر إلي كالمستنطق لي فقلت: يا أمير المؤمنين أتم الله عليك نعمه، ودفع عنك نقمه هذا مقام زيّن الله به أمري، ورفع قدري وذكري، وأطاب نشري، إذ أراني وجه أمير المؤمنين، ولن أرى لمقعدي هذا جزاء هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين على تفضيل الله إياه ليحمد الله على ما أولاه وأعطاه، ولا أرى موعظة هي أحضر من حديث ملك من سالف الملوك فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، فاستوى جالسا ثم قال: هات يا بن الأهتم. فقلت: كان ملك فيما مضى جمع له فتاء السن، وذكاء الشباب، وصحة الطباع، وكثرة المال، وسعة الملك، فأشرف يوما وذلك بالخورنق (^٤) فنظر إلى ما جمع له فأعجبته نفسه، فقال لمن حضره: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فسكت القوم وفيهم رجل من بقايا حملة الحجة، فقال له: إن أذنت تكلمت. قال: قل. قال: أرأيت ما جمع الله
_________________
(١) خرج إلى البادية.
(٢) الوسمي: مطر الربيع. القاموس.
(٣) الولي: المطر بعد المطر. القاموس.
(٤) من أشهر قصور الحيرة.
[ ١٢ / ٢٨٣ ]
لك أشيء هو لك لم يزل ولا يزال، أم شيء كان لمن قبلك فزال عنهم وصار إليك وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل شيء كان لمن قبلي وهو زائل عني، فقال: لا أراك إلا مفتونا بشيء تذهب عنك لذّته وتبقى تبعته، تكون فيه قليلا، وترتهن به طويلا. فبكى وقال: إلى أين المهرب، وعلى ماذا يكون المعوّل؟ فقال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحا وتلحق بجبل تعبد فيه ربك حتى يأتيك أجلك، فتكون لك حياة لا موت بعدها، وصحة لا سقم معها. فألقى عليه أمساحا وتعبد في بعض الجبال حتى مات.
قال: وأنشدته قول عدي بن زيد العبادي:
أين كسرى كسرى الملوك أن … وشروان أم أين قبله سابور
وأخو الحضر (^١) … إذ بناه وإذ
دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فزا … ل الملك عنه فبابه مهجور
وتفكر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تفكير
سرّع جمعه وكثرة ما يمل … ك والبحر معرضا والسدير
فارعوى مبصرا فقال وما غبط … ة حيّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمّ … ة وارتهم هناك القبور
ثم أمسوا كأنهم ورق ج … فّ فألوت به الصّبا والدّبور (^٢)
فبكى هشام ونشج، ثم قام كالمغضب وقام من في مجلسه، فقال لي
_________________
(١) كانت العرب تسمى ملك الحضر باسم الضيزن، ونشرت في بغداد سنة ١٩٧٤ دراسة جيدة عن الحضر وآثارها، من اعداد فؤاد سفر، ومحمد علي مصطفى.
(٢) ديوان عدي بن زيد ص ٨٤ - ٩٢ مع فوارق.
[ ١٢ / ٢٨٤ ]
حاجبه: يا هذا ما أعياك لقد كسبت نفسك شرا، دعاك أمير المؤمنين لتحدثه وتسره وتلهيه، وقد علمت أنه انفرد بهذا المكان لئلا يرى ولا يسمع شيئا يكرهه ويؤذيه للعلة التي هو فيها، فما عدوت أن نعيت إليه نفسه وكدرت عليه عيشه. قال: فأقمت أياما أتوقع ما أكره وجعل الشاميون يقولون أين هذا العراقي الأحمق الذي أغضب أمير المؤمنين؟ وجعل هشام يقول: يا مسلمة إنك لا تزال تأتيني بما أكره، ثم لقيني الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين قد ذكرك فقال: لله در ابن الأهتم، وأمر لك بصلة، وأذن لك في الانصراف.
وسأل رجل خالدا فأعطاه درهما، فقال له: يا سبحان الله أتعطيني درهما فقط؟ فقال: يا أحمق أما علمت أن الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم.
وقال خالد بن صفوان: وفدت على هشام فدخلت عليه وذلك بعد عزله خالد بن عبد الله القسري، فألفيته جالسا على كرسي في بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لي بكرسي فجلست عليه ثم ساءلني وحادثته طويلا، ثم إنه أطرق إطراقة ورفع رأسه فقال: يا خالد رب خالد جلس مجلسك كان ألوط (^١) بقلبي وأحب إلي منك. فقلت: يا أمير المؤمنين إن حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه. فقال: يا خالد إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا.
وقال خالد بن صفوان لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد - حين أتى البصرة منهزما من أبي فديك-: الحمد لله الذي خار لنا عليك ولم يخر لك
_________________
(١) ألصق.
[ ١٢ / ٢٨٥ ]
علينا، فقد كنت حريصا على الشهادة، ولكن الله أبى ذلك ليزين بك مصرنا، ويؤنس بك وحشتنا، ويكشف بك غمتنا.
المدائني عن حفص بن معاوية قال: قال خالد: يا جارية أطعمينا جبنا فإنه يشهي الطعام، ويقوي المعدة، وهو حمض العرب، فقالت:
ما عندنا منه شيء، فقال: لا عليك فإنه ما علمت يقدح الأسنان، ويوكي البطن، ويغير النكهة، وهو بعد من عمل أهل الذمة.
قال: ومر خالد برجل وهو يأكل جبنا، فقال: لا تأكله فإنه سهل المدخل، عسر المخرج، ثم إن الرجل رأى خالد يأكل جبنا وقال: يا أبا صفوان ألم تنهني عن أكله؟ فقال: إنه يفتق الشهوة ويطعم الخبز، وهو يعد من حمض العرب.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: أخبرني عن الحسن، فقال: كان أشبه الناس سريرة بعلانية، وعلانية بسريرة، وآخذ الناس بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأعظمهم على نفسه سلطانا، ولم يقم يوما بامارة، ولم ير في سوق لتجارة، استغنى عما في أيديهم من دنياهم، واحتاجوا إليه فيما عنده من أمر دينهم، فقال مسلمة: كيف يهلك قوم مثل هذا بين أظهرهم.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد: أخبرني عن الأحنف، فقال: إن شئت أخبرتك عنه في ثلاث، وإن شئت ففي اثنتين، وإن شئت ففي واحدة. قال: أخبرني عنه في ثلاث. قال: كان لا يجهل، ولا يحرض، ولا يدفع الحق إذا نزل به. قال: فما الاثنتان؟ قال: كان يؤتي الخير، ويوقي الشر، قال: فما الواحدة؟ قال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
وقال له بعض عمال البصرة: صف لي الأحنف فقال: إن شئت حدثتك عنه شهرا، وإن شئت عشرا، وان شئت حذفت الحديث حذفا.
قال: فاحذفه. فقال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
أبو الحسن المدائني عن علي القرشي قال: كان خالد يقول: لا تضع معروفك عند فاحش ولا أحمق ولا لئيم، فان الفاحش يرى إنك إنما فعلت ذلك لخوف شره ضعفا منك، والأحمق غير عارف بما تسدي إليه من معروف، واللئيم سبخة لا تنبت، وإن أنبتت لم يزك منبتها ولم ينم، وإذا رأيت كريما فاصطنع عنده يدا وازرع معروفا، واحصد شكرا، وأنا الكفيل الضامن.
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: كان خالد يذكر آل المهلب فيقول إن النعم لتقلقل في البلاد، فإذا انتهت إلى آل المهلب اطمأنت.
وكان خالد يذكر شبيب بن شيبة فيقول: ليس لشبيب صديق في السر، ولاعدو في العلانية.
وأراد حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي إتيان الأهواز، فقال لخالد: اوصني، فقال: اتق الله ربك ولتحسن سيمتك (^١)، وعليك بقراءة القرآن فإنه شفاء لما في الصدور، ولا تكونن صخابا ولا عيابا ولا لعانا ولا مغتابا، ولا تكونن في الحديث إلا مجيبا، فإنك تأتي قوما يجهلونك، فمهما تأتهم به يعرفوك به، وينسبوك إليه.
المدائني والهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال بلال بن أبي بردة لخالد بن صفوان، وهم منحدرون إلى البصرة: هل يستثقل عكابة النميري؟
_________________
(١) بهامش الأصل: سمتك.
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
فقال: أوّه كدت تصدع قلبي، أحين دنونا من آجام البطائح، وعكة البصرة، ومد البحر، والله لهو أثقل علي من شرب التياذريطوس (^١) بماء حار، في أيام العكاك (^٢) في عقب التخمة، وأوان الحجامة.
وفاخر رجل من اليمانية خالدا على باب الحجاج، فقال خالد: منا النبي المرسل، والخليفة المؤمل، وفينا الكتاب المنزل، ولنا البيت المستقبل.
المدائني قال: قال أمير المؤمنين أبو العباس لخالد: أليس من العجب أن قوما قبض نبيهم فلم يدفن حتى اختلفوا؟! فقال: يا أمير المؤمنين أعجب من هذا آدم خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، يأكل منها حيث شاء رعدا ونهاه عن شجرة، وحذره عدوه، وقال: ﴿لا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (^٣) فرغب عن الجنة وما فيها وأكل من الشجرة، فواقع الخطيئة ثم تاب الله عليه.
المدائني عن أبي محمد (^٤) بن سعد قال جلس خالد إلى رجل من بني عبد الدار بمكة فقال له: من أنت؟ قال: خالد بن صفوان من بني الأهتم، فقال العبدري: أنت يا خالد كمن هو خالد في النار، وأنت ابن صفوان والله يقول ﴿صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ (^٥) وأنت ابن الأهتم، والصحيح
_________________
(١) من أنواع الأشربه، لكن لم أقف على ذكر له في أي من المعاجم المتوفرة
(٢) يوم عكيك: شديد الحر. العين.
(٣) سورة طه - الآية:١١٧.
(٤) كذا بالأصل، ولا ترجمة لخالد بن صفوان في طبقات ابن سعد، ووردت هذه الحكاية في ترجمة خالد بن صفوان في بغية الطلب بشكل مخالف بعض الشيء وفيه تفاصيل أكثر. بغية الطلب ص ٣٠٤٩ - ٣٠٥٠.
(٥) سورة البقرة - الآية:٢٦٤.
[ ١٢ / ٢٨٨ ]
خير من الأهتم، فقال خالد: يا أخا بني عبد الدار أتتكلم وقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، فأنت عبد دار قريش تفتح لهم إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا.
المدائني عن أبي إسحاق بن فايد قال: خطب حفص بن معاوية أروى بنت خالد، فقال خالد: إني لا أرضاك لها، ولا أرضاها لك، لأنك مطلاق مصلاف، وإنها سليطة فلا تتفقان.
وقال خالد: لا تطلبوا الحوائج عند غير أهلها، ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا ما لا تستحقون، فإن من طلب ما لا يستحق استوجب الحرمان.
قالوا: وفاخر خالد قوما من أهل الكوفة، فقال خالد: أسفلها (^١) قصب، وأوسطها قصب، وأعلاها رطب، ولم يأتها شيء إلاّ طائعا، ولم يخرج منها شيء إلا كارها.
وقال خالد لغلامه: اشتر لنا موزا، ولا تشتره أخضر جاسيا، ولا أسود ذاويا، فأتاه به فقال: لولا إني أعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة.
وكان خالد يقول: عليكم بكسب الدراهم وحفظها فإنها تلبس النرمق (^٢)، وتطعم الجرمق (^٣)، وتصون الوجه عن المسألة.
وكان خالد إذا أخذ جائزة قال للدرهم: أما والله لطال ما غوّرت في
_________________
(١) بهامش الأصل: خ - أسفل البصرة.
(٢) الترمق: الثياب البيض اللينة. المعرب للجواليقي.
(٣) الجرمق: خف صغير، أو ما يلبس فوق الخف، ويتعارض هذا مع ما جاء بالمتن، وعليه لعله تصحيف ترمق وهو اللين أو درمق أي الدقيق المحور، أو من أنواع الطعام المنسوبة للجرامقة. انظر جامع العريب للبشبيشي - ط. القاهرة ١٩٥٥ ص ٧٧ - ٨٨ - ٩٠.
[ ١٢ / ٢٨٩ ]
البلاد وأنجدت أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمنّ صرعتك.
وقال خالد ليحيى بن حبيب: أعندك مهيرة؟ فقال: عندي اثنتان، فقال خالد: كنت أحسب أملك دون هذا، وزهدك فوقه.
ونازع خالد عبد الله بن حكيم بن أبي أمية بن العاص الثقفي، فقال عبد الله: أنا ابن البيضاء الثقفية، فقال خالد: بياضها دل عليها.
قالوا: وسمع خالد شبيب بن شيبة يتكلم بواسط فأحسن، فقال خالد: نعيت إليّ نفسي إنّا أهل بيت لم يمت منا خطيب حتى يكون فينا خطيب يخلفه إذا مات.
وكان خالد يقول: اتقوا مجانيق الضعفاء، يعني دعاءهم، وأنشد لعمرو بن الأهتم:
إذا كنت مرتاد الظلامة فاعتمد … ذرا الناس واحذر عاجزا ومغمزا (^١)
وكان خالد يقول: ما أحد يطالبني بظلامة هي أبغض إلي من ظلامة من لا مفزع له إلا الله.
وقال خالد: ليست البلاغة بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقصد للحجة.
المدائني أن أبا العباس أمير المؤمنين قال لخالد بن صفوان: أشعرت انا أخذنا سليمان بن حبيب؟ قال: أين؟ قال: وجد في بئر، فقال خالد بن صفوان: هذا الذي خرج رقصا، ودخل قفصا وأخذ وقصا (^٢).
وقال خالد بن صفوان: أيغدو إلي رجل لا يريد إلا إكرامي فلا أعرف
_________________
(١) ليس في ديوان شعره المطبوع.
(٢) وقص عنقه: كسرها. القاموس.
[ ١٢ / ٢٩٠ ]
له حقه؟ إني إذا لمتخطّ محاسن الأخلاق إلى مساوئها.
وقال هشام بن عبد الملك لخالد: عظني وأوجز: فقال: أنت يا أمير المؤمنين فوق الخلق، كذلك جعلك الله، وليس فوقك إلاّ الله، وأنت صائر إلى الله.
وقال خالد: ما رأينا مثل الأبلة أقرب مسافة، ولا أعذب نطفة، ولا أخفى لعابد، فقال دربست بن رباط: فعلام تضرب الآباط إلى مكة إذا؟! وتكلم خالد بكلام أحسن فيه، فقرظه بعض من حضر، فقال خالد: والله لوددت أني أخرس.
وخاصم رجل خالدا عند بلال فقال: أنت تعيبني في كل يوم فقال:
وأنت أيضا تعيبه، وهذا ذنب لكما جميعا.
ومر خالد بقوم فقالوا: لو جلست إلينا فقال: إنما الجلوس بعد قضاء الحوائج.
وتكلم أعرابي فقيل لخالد: ما لك لا تتكلم معه؟ فقال: كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم أو نساميهم، وإنما نسموا بأعراقهم.
وكان خالد يقول: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف.
وقال خالد: إذا كفر الإحسان حسن الامتنان.
وقال خالد: لأن يكون لي ابن يحب الخمر أحب إلي من ابن يحب اللحم، لأنه متى طلب لحما وجده، والخمر ينفد أحيانا.
وقال رجل لخالد: إني لأحبك. فقال: وكيف لا تحبني ولست لي
[ ١٢ / ٢٩١ ]
بابن عم ولا جار، ولا مشارك في صناعة.
قالوا: وقال خالد لحفص بن معاوية: هل لك في رقاق من برميسان وصناب (^١) من أرض حلوان بينهما دجاجة كأنها أوزة كسكرية، قد سمّنت حتى عمي بصرها، وتجافى جلدها عن لحمها، فصرّحت عن لحم يقق، وشحم فاقع يذهب فهوهة الجائع؟ فقال حفص: أي لعمري. قال:
فموعدك يوم السبت البستان، قال: فأتيته فدعا خبازه فجاء بسفرة فيها ما وصف، فلما وضعت السفرة إذا نحن بأعرابي قد طرأ علينا بغير إذن، أو قال برجل فرّج خصّا في البستان، ودخل فلما نظر إليه خالد مقبلا قال:
والله لهذا الطارئ المتذمر علينا أشد عليّ من شربة ترنجبين في أيام العكاك في غبّ تخمات بعقب حجامة، ارفع السفرة يا غلام، قال: فما رأيتها، ويقال بل أتى بها بعد انصراف الرجل، وقد ذهبت بشاشتها.
وقال خالد: لا يطمع أحد عندي في أربع: الفرض والقرض والهرس، وأن أمشي معه إلى سلطان إلا في حاجتي، فقيل له: ما يرجى منك؟ قال: الماء البارد، وحديث لا ينادى وليده.
قالوا: ووصف خالد البصرة فقال: تخرج قانصا فيجيء هذا بالشبوط والشيم (^٢)، ويجيء هذا بالظبي والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا وديباجا، وبرذونا هملاجا، وخريدة مغناجا، ونهرنا عجب أوله الرطب وأوسطه العنب، وآخره القصب، ولنا التمر في أقنانه كزيتون الشام في أغصانه، تخرج النخلة أسقاطا وأوساطا، ثم تنغلق عن قضبان الفضة
_________________
(١) الصناب: صباغ الخردل مع الزبيب والزيت. العين. القاموس.
(٢) من أنواع السمك.
[ ١٢ / ٢٩٢ ]
منظومة باللؤلؤ الرطب، ثم تصير قضبان ذهب منظومة بالزبرجد الأخضر، ثم ياقوتا أصفر وأحمر، ثم تصير عسلا. وأما نهرنا العجيب، فإن الماء يقبل فيه غضّا فيفيض متدفقا، فيغسل نبتها ويبدأ حين يأتينا في أوان عطشنا، ويذهب في أوان ريّنا، فنأخذ منه حاجتنا، ونحن نيام على فرشنا، يقبل الماء وله عباب وأباب لا يحجبنا عنه حجاب، ولا يتنافس فيه من قلّة، ولا يحبس عنّا من علو، فقال مسلمة: من أين لكم هذا ولم تغلبوا عليه ولم تسبقوا إليه؟ قال: ورثناه عن الآباء ونتركه للأبناء ويدفع لنا عنه رب السماء، وأنشد:
فمهما كان من خير فإنا … ورثناه أوائل أوّلينا
وإنا موروثون كما ورثنا … عن الآباء إن متنا بنينا (^١)
قالوا: وأحضر أمير المؤمنين أبو العباس ابراهيم بن مخرمة الكندي وناسا من بني الحارث بن كعب أخوال أبي العباس، وخالد بن صفوان فتفاخروا فقال ابن مخرمة: إن أهل اليمن ملوك العرب في الجاهلية كانت لهم البدأة، ووراثة الملك، كابرا عن كابر، وآخرا عن أول، وغابرا عن سالف، فمنهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم عياض صاحب البحر، ومن حمت لحمه الدّبر (^٢) ومنهم غسيل الملائكة (^٣) ومن اهتز لموته
_________________
(١) الحكاية في بغية الطلب ص ٣٠٤٨، ونسب الشعر لأوس بن مغراء.
(٢) هو عاصم بن ثابت قتلته هذيل فيمن قتلت يوم الرجيع. انظر الروض الأنف مع سيرة ابن هشام ج ٣ ص ٢٢٥ - ٢٣٤.
(٣) هو حنظلة بن أبي عامر استشهد يوم أحد انظر الاصابة لابن حجر ج ١ ص ٣٦٠ (١٨٦٣).
[ ١٢ / ٢٩٣ ]
العرش (^١)، ومنهم مكلم الذئب (^٢)، ومن كان يأخذ كل سفينة غصبا (^٣) وليس من شيء له خطر إلاّ وينسب إليهم من: فرس رائع، وسيف قاطع، ودرع حصينة، وحلة مصونة، إن سئلوا أعطوا، وإن نزل بهم ضيف قروا، لا يكاثرهم مكاثر، ولا يفاخرهم مفاخر، فهم العاربة وغيرهم متعربة.
قال أبو العباس: ما أحسب التميمي يرضى بهذا. فقال خالد:
أخطأ المتقحم بغير علم. ونطق بغير صواب إذ فخر على مضر، ومنهم رسول الله ﷺ، والخلفاء من أهل بيته، وكيف يفاخر مضر بقوم هم بين راكب عرد (^٤)، وناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد (^٥)، وغرّقهم فأرة (^٦)، ثم التفت إلى الكندي فقال الفخر بالفرس الرائع والسيف (^٧) القاطع والدرع الحصينة؟ ألا وأي فخر أفخر من محمد خير الأنام، وأكرم الكرام، ولله به المنّة علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه، فيه عرفوا وأكرموا، لنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى والسؤدد والعلى، ولنا البيت الموضوع، والسقف المرفوع، والمنبر المحضور ولنا زمزم
_________________
(١) هو سعد بن معاذ انظر الروض الأنف ج ٣ ص ٢٨٠.
(٢) من رعاة أهل المدينة، انظر الخبر في دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣١٨ - ٣٢٠.
(٣) الاشارة هنا الى ما جاء في الآية ٧٩ من سورة الكهف، وقد اختلف حول تحديد شخصيته.
(٤) العرد: الحمار. القاموس.
(٥) الاشارة هنا الى ما جاء في الآيات:٢٠ - ٤٤ من سورة النمل.
(٦) الاشارة إلى حكاية سبب خراب سد مأرب وسيل العرم.
(٧) بالأصل: والفرس، وهو تصحيف.
[ ١٢ / ٢٩٤ ]
وبطحاؤها وسقايتها فهل يعدلنا عادل أو يبلغ مدحتنا قول قائل. ومنا ابن عباس عالم الناس، الطيبة أخباره، المتبوعة آثاره، ومنا أسد الله وسيفه (^١)، ومنا الصديق والفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لم يكفر بالله قط، ولم يزغ بباطل عن الحق، وذو النورين عثمان الشهيد.
ثم قال ابن الأهتم: كيف علمك بلغة قومك، وما اسم الأصابع عندكم؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة. قال:
فاللحية؟ قال: الزب. قال خالد: فإن الله ﷾ يقول بلسان عربي مبين فهل سمعته يقول: جعلوا شناترهم في صناراتهم (^٢) ويقول لا تأخذ بزبي (^٣) فقال أبو العباس رضى الله تعالى عنه: مالك يا يماني ولرجال مضر، وأمر لخالد بمال وقطيعة بالبصرة.
المدائني أن خالدا نازع عمرو بن عبيد الأنصاري وكان بذيئا يشتم من سأله فلم يعطه، وكان يقال له ابن أم حكيم وهي أمه التي قامت عنه فقال لخالد: أنتم كما قال الله: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ (^٤). فقال خالد: ويحك يا بن أم حكيم إنك اعتصمت بخلتين:
الكفر، واللؤم، فبسطت يديك فجعلت شمالك سطحا، وملأت يمينك سلحا وقلت: املئوا سطحي وإلا رميتكم بسلحي، ويحك يا بن أم حكيم
_________________
(١) أسد الله حمزة عم النبي ﷺ. وسيف الله خالد بن الوليد.
(٢) انظر الآية ٧ من سورة نوح.
(٣) انظر الآية ٩٤ من سورة طه.
(٤) سورة الأحزاب - الآية:١٩.
[ ١٢ / ٢٩٥ ]
قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ (^١) وأن أم حكيم يرحمها الله كانت محصنة مؤمنة وما أنا بالواثق بغفلتها وهي تغمر كمرة كثير الدهان.
وذكر خالد المزاح فقال:
يصلّ (^٢) أحدهم صاحبه بأصلب من الجندل.
وينشقه أحدّ من الخردل.
ويفرغ عليه أحرّ من المرجل.
ثم يقول ما زحتك.
قالوا: أتى رجل من بني تميم خالدا فسأله فأعطاه دانقا، فقال له:
إنه لو أعطاك كل رجل من بني تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.
قالوا: ودخل خالد على أبي العباس ﵁ فقال له: يا خالد كيف علمك بأخوالي؟ قال: أيّ أخوالك يا أمير المؤمنين فبكلهم أنا عارف؟، قال: أمسّهم بي قرابة وأوجبهم علي حقا، ولد الحارث بن كعب. قال: يا أمير المؤمنين هناك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وإن فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنهم لأحسنهم أمما وأكرمهم شيما، وأوقاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب، وهم الرأس وغيرهم العجب (^٣). قال: لله درك يا بن صفوان قد وصفت فأحسنت.
_________________
(١) سورة النور - الآية:٢٣.
(٢) بهامش الأصل: يصك.
(٣) العجب: أصل الذنب، ومؤخر كل شيء. القاموس.
[ ١٢ / ٢٩٦ ]
وقال خالد: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك.
قال أبو الحسن: ويقال إن الذي قال هذا سعيد بن العاص، وأنشد:
أما المزاحة والمراء فدعهما … خلقان لا أرضاهما لصديق
ويقال المتمثل بالبيت مسعر بن كدام.
وذكر خالد أبا مسلم فقال:
ألم تر إلى هذا الذي بدا بالخرق … ثم ثنى بالحمق بعد ظلم الخلق
وقال لرجل: قاتله الله أما والله إن قوافيه لقلائد، وإن انبازه لعلائق، وإنه ليملأ الأذن بيانا، ويقري العين جمالا.
وكان خالد يقول: أحسن الكلام ما لم يكن بالبدوي المغرب ولا القروي المخدج، ولكن ما شرفت مبانيه ولطفت معانيه، ولذّ في أفواه القائلين، وآنق السامعين، وازداد حسنا على مر السنين فاجتنته الرواة واقتنته السراة، وكان كعلائق الشعر السائرة، والأخبار الملازمة.
وسمع خالد رجلا من قريش يتكلم فأبلغ وأحسن، فحسده خالد فتعرض له وتحكك فيه، فقال له القرشي: ما أعلم لي يا أبا صفوان إليك ذنبا إلا الاشتراك في الصناعة.
وتكلم خالد بالبادية فقال: يا أهل البادية، ما أحسن بلادكم، وأغلظ عيشكم، وأجفى أخلاقكم، لا تشهدون جمعة ولا تتبغون قاصّا، فقام إليه أعرابي منهم فقال: أما ما ذكرت من خشونة بلدنا وجفاء أخلاقنا فإن ذلك كما ذكرت ولكنكم معشر أهل الحضر تنقبون الدور، وتنبشون
[ ١٢ / ٢٩٧ ]
القبور، وتأتون الذكور، فقال خالد: اسكت قبّح الله ما جئت به.
قال: وخوطب خالد في ابنه وقيل له: يدك تشتمل على ثلاثين ألفا، وإنما تجري على ابنك في كل يوم درهما وهو في طرفه (^١) على ما تعلم، فقال:
دانقان لخبزه ودانقان ثمن دجاجة، ودانقان فاكهة، هذا قوت صالح.
قال وذكر خالد بن صفوان رجلا فقال: كان والله فريغ المنطق، ذلق اللسان، سهل الجرّة، جزل الألفاظ، ثابت الكعدة، رقيق الحواشي خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب السّرب، قليل الحركات حسن الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة صموتا قؤولا يهنأ الجرب، ويداوي من الدبر، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر في منطقه، ولا الزمر (^٢) في مروءته، ولا الخرق في خليقته.
متبوعا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار.
وذكر رجلا فقال: كان والله قراء غير نزّال، معطاء غير سآل، متبوعا غير تابع.
وذكر رجلا فقال: ما كان أفيح صدره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر حامده ممن لم يعرفه ومن عرفه، مع سعة الفناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء.
وذكر رجلا فقال: ابن الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، والألسن الخطارة الفصاح، والأنساب الكريمة الصراح، والصدور الرحيبات الفساح والمكارم الثمينة الرباح.
_________________
(١) رجل طرف: الرغيب العين الذي لا يرى شيئا إلاّ أحب أن يكون له.
(٢) الزمر: القليل المروءة. القاموس.
[ ١٢ / ٢٩٨ ]
وقال الهيثم: لما دخل خالد على هشام فجرى ذكر خالد القسري، فقال هشام: إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا، قال: ألا أخبرك عنه يا بن صفوان؟ قلت:
نعم يا أمير المؤمنين، قال: إنه ما بدأني بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الذي أبدأه بها، قال خالد: فقلت فذلك أحرى أن ترجع له، فقال متمثلا:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … اليه بشيء آخر الدهر تقبل
ثم قال: ما حاجتك يا بن صفوان؟ قلت: تزيدني في عطائي عشرة دنانير. فأطرق ثم قال: وفيم ألعبادة أحدثتها نعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته أمير المؤمنين، أم لماذا يا بن صفوان، إذا يكثر السّؤال ولا يحتمل ذلك بيت المال، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين وفقك الله وسددك، أنت والله كما قال أخو خزاعة:
إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه … قرابة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة … ولم يفتلذك (^١) المال إلا حقائقه
فلما قدم خالد البصرة قيل له ما الذي حملك على تزيين الإمساك له، فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
وقال خالد لابن عم له: كان أبوك آدم الناس وجها، وكانت أمك أسوأ الناس خلقا، فأنت جامع لمساوئ أبويك.
وقال خالد، ويقال عبد الله بن الأهتم لقوم نازعوه من موالي آل أسيد: إن أحق الناس ألا يتكلم من لم يكن له أصل ثابت ولا فرع نابت،
_________________
(١) الفلذ: العطاء بلا تأخير ولا عدة، أو الاكثار منه، أو دفعه. القاموس.
[ ١٢ / ٢٩٩ ]
وكان ذنبا تابعا وخفا موطوءا وزمعا زائدا، ما قامت النساء عن مثل ابن عائشة (^١) ﵀، فإنه تفقد أرحامه وأهل قرابته فغسل غثايتها وألحق خسائسها، وبعثهم بالعراق جباة ونكاة، فلما خانت جباتها وضعفت نكاتها حدر عليها بشرا (^٢) بغير مال محمول، ولا جند مفصول، ولا سيف مسلول، فأتاها حين تضايق حلق البطان مشمعلا (^٣) من الفروع النواضر، والليوث الهواصر، فشذّب قيادتها وأباح أحميتها، وأذل صعبتها، وسهّل حزنها، لا كمن اختان الأموال (^٤)، وجبن عن القتال، ومنح دبره صدور العوالي ثم أقبل يحسّن الخمر والخيانة والغدر، ويقبّح الوفاء والنجدة والأمانة، قبحا لتلك الشفاة الهدر والأعين السحر، والأنوف الجثم، والألوان الحائلة، والشعور القردة، وقبحا لتلك الأخلاق الشتى أورثتهم عارا وأكسبتهم شنارا، وأبوا أن يأتوا بخير.
وقال أبو الحسن المدائني: سمر خالد عند أمير المؤمنين أبي العباس ففخر قوم من بني الحارث، وخالد ساكت، فقال أمير المؤمنين: يا بن صفوان مالك لا تقول. قال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين. قال: وأنت من أعمامي وليس الأعمام بدون الأخوال. قال: وما أقول لقوم إنما هم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، فضحك أبو العباس.
قالوا: وشخص خالد مع سليمان بن علي إلى أبي العباس، ومعه
_________________
(١) بهامش الأصل: يعني عبد الملك بن مروان.
(٢) بهامش الأصل: يعني الحجاج.
(٣) المشمعل: الناقة النشيطة، والرجل الخفيف الظريف، أو الطويل. القاموس.
(٤) بهامش الأصل: يعني ابن خالد بن أسيد.
[ ١٢ / ٣٠٠ ]
ابناه: محمد، وجعفر ابنا سليمان، فنزل خالد بين منزليهما فقال له سليمان: أين نزلت يا أبا صفوان، فقال: بين محمد، وجعفر، قال:
فكيف رأيتهما فقال:
أبو نافع جار لها وابن برثن … فيا لك جاري ذلة وصغار (^١)
فغضب سليمان. وهذا الشعر لابن مفرغ.
وحدثني التوزي عن الأصمعي قال: دخل خالد على نسائه فقال:
إنكنّ لطوال الأعناق، كرام الأخلاق والأعراق، ولكني رجل مطلاق، اذهبن فانتنّ طلاّق.
وقال خالد: ما أتت علي ليلة أحب إليّ من ليلة طلقت فيها نسائي، فرجعت والستور قد هتكت، ومتاع البيت قد نقل، وبعثت إليّ بنيتي بسليلة فيها طعامي، وبعثت إلي الأخرى بشيء أنام عليه.
وقال خالد لابنه: يا بني كن أحسن ما تكون في الناس حالا، أقل ما تكون في الباطن مالا فإن الكريم من كرمت عند الحاجة طعمته، وإن اللئيم من ساء عند الفاقة أكله.
وحدثنا المدائني قال: كان خالد يقول في الحجاج: عجبا لغلام ولد بالطائف، فلم تزل الأمور ترفعه وتخفضه، حتى أتى العراق بلا مال محمول ولا جند مفصول، فأباح أحميتهم، وأناخ بهم (^٢)، وأوطأ أصمختهم، وأتته الرجال شلالا، يؤتى بزيت الشام وصير (^٣) مصر على البرد طردا.
_________________
(١) ديوان يزيد بن مفرغ ص ١٤١.
(٢) بهامش الأصل: جمرتهم.
(٣) الصير: شبه الصحناء، ويقال كل صحناء صير، والصحناء والصحناة: إدام يتخذ من السمك، مشه، مصلح للمعدة. العين: القاموس.
[ ١٢ / ٣٠١ ]
ورأى خالد في بعض دور أمراء البصرة مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الأزدي وفرقدا السبخي، فمال إليهم ثم قال: ما خلطكم بنا عند هذا الباب فقد عهدناكم ترغبون عنه، والله ما يخرج إلينا منكم أحد إلا بشقاء، ولا يدخل منا أحد إليكم إلا بسعادة، ثم خاف أن يكونوا قد استغلظوا قوله فعاد إليهم فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكم، ولكنا تمرغنا على هذه الدنيا فتمرغت علينا، وما شبهت بي وبكم إلا الجناح يكون معلقا بالدار، فإن شاء قائل أن يقول ليس منها لخروجه عنها قال، وإن شاء أن يقول إنه منها لتعلقه بها قال.
وقال أبو الحسن: خاصم رجل خالدا إلى بلال بن أبي بردة فقضى للرجل على خالد، وتحامل عليه، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع. فقال بلال: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، فضربه فيما يقال مائة سوط، وأمر بحبسه، فقال خالد: علام تحبسني يا بلال وما جنيت جناية؟ فقال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وحاجب يقال له حفص.
وقيل لخالد: ما بلغ من زهد الحسن فقال: لم يقلّب درهما قط ولم ير في سوق قط إلا مجتازا، وكان في نهاره معلما، وفي ليله زاهدا عابدا.
وكان خالد يقول وهو غاز إذا سبقه القوم: أهكذا يفعل السراة وأهل المروءة؟ فإذا سبقهم فقيل له: تنهى عن شيء وتفعله؟ قال: فلم بذلنا الأموال في فرهة الدواب؟ وخطب خالد امرأة من بني سعد فقال لها: أنا خالد بن صفوان، والحسب ما علمت، وكثرة المال على ما بلغك، وفيّ خصال أعلمك بها
[ ١٢ / ٣٠٢ ]
لتقدمي على معرفة: إنه لا سبيل إلى درهمي وديناري، وأنا ملول فربما أتت علي ساعة لو أن رأسي في يدي لطرحته، فقالت: قد فهمت ما ذكرت وهذه خصال ما كانت لترضاها بعض بنات ابليس فكيف بنات آدم فارجع موفورا.
وقال خالد: الإماء شر خلف من الحرائر، هن أوسخ رقابا، وأقل عقولا، فقيل له: فإنك لا تتخذ إلاّ الإماء؟ فقال: أما سمعتم قول القائل: خذ من القسّ بقوله، ولا تأخذ بعمله.
وكان خالد يقول: ثلاث أضن بدرهمي فيهن: صداق النساء، وصلة الرحم، وشراء الموز، وأراد رجل أن يبني بأهله، فقال له خالد:
بالبركة وشدة الحركة والظفر عند المعركة.
وقال خالد: كانت لي امرأة وأنا ملول، فكانت تستخف بي وتقول:
ما أعرف كريمة قوم صبرت على مثل ما أصبر عليه منك، فركبت يوما مع سليمان بن علي وعناني جديد فاتسخت يدي فجعلت أغسلها من الوسخ وأقول: الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين. فقالت: من طين ليس الذي يخرج منك. فطلقتها فقالت: طلاق وافق مشيّه.
وحدثني أبو حسن الزيادي عن المبارك بن سعيد قال: كان عمر بن عبد العزيز عند بعض بني أمية، وعنده ابن الأهتم فأطرى ابن الأهتم بني أمية فأفرط، فقام عمر وهو يقول: من سرّه أن ينظر إلى الأفاك الأثيم، فلينظر الى ابن الأهتم، فلما استخلف قال: لا يدخلنّ علي ابن الأهتم، ولا خالد بن عبد الله القسري فإنهما مقولان، وإن من البيان ما فيه سحر.
[ ١٢ / ٣٠٣ ]