لقد سادت منطقة توات عوائد وتقاليد إيجابية وسلبية، وكنت قد أشرت إليها في كتاب "الرحلة العلية"، وأعيد ذكرها في هذا المقام كترداد لتاريخ يذكر، وخبر يذاع وينشر، مع أن السلبيات- ولله الحمد- قد اضمحلت وصارت حبرًا على ورق بفضل التوجيهات الدينية التي تلقى في المدارس والمساجد، وفي الخطب وفي المدارسات، وقد بقي بعض العوائد لدى بعض الجهلة، وجل هذه العوائد له مساس بالعقيدة، وأظنه من وضع غير المسلمين الذين كانوا في المنطقة، أو من سكانها الأقدمين، لأن غالب أسماء العوائد غير عربية.
ومن العوائد السيئة والمعتقدات الفاسدة في العقيقة قيام بعض الناس في بعض القرى بدفن ربع العقيقة في التراب، وفي بعضها يطبخ الربع المقدم كاملًا بدون فصل العظم عن اللحم، ثم يأكله الأبوان ويعلقون العظام في سقف البيت، أو في نخلة، ومنها إعطاء الرأس والجلد للقابلة أجرة لها، كما أن من عادة قوم آخرين تعليق جلد العقيقة على حائط الدار فلا ينتفع به.
ومنها ما اعتاده قوم من ترك بعض الشعر في رؤوس أولادهم من المقدم ومن وسط الرأس ومؤخرته. ومنها إذا صارت الأمراض تصيب
[ ٥٢ ]
الولد فإنه يباع للعبيد الموجودين، حيث تقدم لهم دعوة ليحضروا، فإذا ما حضروا أجروا العملية يستفتحونها بالرقص أولًا، ثم يطوفون حول الولد وهم يرقصون ويتضاربون برهة من الزمن. ثم يجلسون أمامه فيطلقون عليه اسمًا من أسمائهم، ويعاهدون أبويه على أن يمنعوه من كل نوع من الأطعمة المباحة، فتارة تكون الكتف وأحيانًا الكبد أو الرأس. ولهم عوائد متنوعة حول هذه الفعلة الشنيعة النكراء التي يزعمون أنها تزيد في الأعمار وتشافي الأسقام!!
ومنها ما يزعمه بعض القبائل من أن ولدهم إذا تجاوز قارة البلد التي هو فيها إلى بلدة أخرى قبل أن يكمل الحول يقع له ضرر، إما فقد عضو وإما مرض وإما موت.
ومنها التشاؤم بشهر صفر فإذا استهل هلاله فلا يحلقون شعرًا، ولا يختنون ولدًا، ولا يعقدون نكاحًا، حتى ينسلخ، زعمًا منهم أنه مشؤوم، وهو الاعتقاد الفاسد الذي حذر منه من لا ينطق عن الهوى بقوله: "لا صفر". ومنها ما يزعمه بعض الجهلة أن من عزى في ميت لا يدخل دارًا فيها مولود جديد (في النفاس) وإلا فإن الولد يصاب بالدمامل المعروفة بالنار الفارسية.
ومن المعتقدات الفاسدة أيضًا قولهم: إذا مات لرجل ولد وصلى عليه فإن أولاده كلهم يموتون في حياته، ولا يخلف بعده ولدًا، وهذا كذب وافتراء، لأن الله عر وجل جعل لكل حي أجلًا.
[ ٥٣ ]
ومنها ما يقع عند كسوف الشمس وخسوف القمر من الرقص والغناء واللهو برسم طلب الإفراج عن القمر، بل وقد بينت السنة واجب المؤمنين نحو هذا الحادث العظيم، قال الرسول - ﷺ -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة".
ومنها ما يقع عند خروج المعتدة من الوفاة من اجتماع النساء لذلك، ثم يخرجن معها في ضجيج ولغط إلى مكان معين خارج البلدة، وهناك تلقي ثيابها وترتدي ثيابًا جديدة، ثم تعود للبلد ويزعمن أن من رآها من الرجال حالة خروجها من بيتها قبل غروب الشمس يصاب بمصيبة، وإن كانت امرأة متزوجة فقدت زوجها.
ومنها رمي الحشيش وراء المسافر من حين يخرج من بيته إلى أن يتعدى البلد فتملأ الشوارع بالحشيش ويعتقدون أنه سبب له في حصول الربح والغنيمة والسلامة.
ومنها صب الماء الفاضل عن دفن الميت على القبور المجاورة له.
ومنها إذا حفر القبر يترك فيه المعول إلى أن يوضع فيه الميت لئلا تسكنه الجن حسب زعمهم الفاسد.