ومن الأزد بعمان آل بو سعيد، ومنهم ملوك العصر، وقد وصم آل بني سعيد من الجهلاء الذين لايعملون، والذين ساءهم حال القوم، كما قرأنا في بعض المجلات وبعض الرسائل، فمن قائل إن آل بو سعيد منسوبون إلى أبي سعيد الكدمي، والرجل ناعبي من قضاعة، وبعضهم طاش به سهم النزق فنسب القوم إلى من لا أصل لهم به، وبسبب اختفاء نسبهم وهم ملوك العصر، ولم يقل الكاتبون عنهم إلا أنهم قوم من الأزد، ولا يميزون من أي الأزد هم، لعدم أطلاعهم على الأصل، حتى هم المذكورون لا يعرفون نسبهم من أي بطون الأزد، مع أن فيهم علماء وفقهاء وأدباء أمجاد. وينتسب الملوك إلى الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن خلف بن أبي سعيد. وأما العشيرة فمن خلف بن أبي سعيد، وأخيه محمد بن أبي سعيد، وابنه سيف بن محمد بن أبي سعيد.
وكان خلف بن أبي سعيد وأخوه محمد بن أبي سعيد
[ ٩٧ ]
رئيسين في أيامهما لقبائل الأزد، خصوصًا آل مالك بن فهم، مسموعي الكلام فيهم، وإليهما الأمر في أيام سليمان بن المظفر النبهاني، وكانا معه قدوة أهل زمانهما، ثم لعب الشيطان بينهما دوره، ليفرق الشمل، ويضرم نار العداوة بدل الصداقة، في شيء غير كبير الشأن في الأصل، ولكن الفتنة كالنار تتكون من الشرارة. ولا شك أن آل بو سعيد خرجوا من ذراري مالك بن فهم، كما خرج ملوك بني الجلندى من المعاو، وكما خرج ملوك آل يعرب من آل نبهان، فغطوا على آل نبهان وعلى أهل عمان في أيامهم، ورفعوا علم الناطقين بالضاد في الشرق الأوسط. فكذلك آل بو سعيد خرجوا من عنصر مالك بن فهم، فتولوا ملك عمان بعد آل يعرب إلى الآن، ونمت العشيرة من هذين الرجلين، فالآن آل أحمد بن سعيد وحدهم يعدون قبيلة. وشأن كل أمة هذا إذا تولت السلطان في أرض، سرعان ما ترى نموها، وهذا في مطلق الأمم. وآل بو سعيد، أي آل أبي سعيد، قوم من آل مالك بن فهم، فهم فرع منهم، وكم من فرع يفوق الأصول، كما هو المعقول، وقد كان موطنهم الخاص أدم، أعني الملوك، أي موطن أحمد بن سعيد ومنها خرج.
وفي آل بو سعيد الآن فروع تكاد تكون قبائل مستقلة، ويقال إن الجحاحيف بطن من آل بو سعيد إن صح ذلك. وكذلك الفروع الذين في بلدة الشريعة والأخضر من أعمال سمد
[ ٩٨ ]
الشان. وأغلب ملوك عمان وأئمتها الأزد، بل هي موطن الأزد، ومقر زعامتهم في شرق الجزيرة بعد حادثة سيل العرم. وآل بو سعيد متعددون في عمان في عدة بلدان، في شرق عمان وغربها، قل أن تخلو بلد من أمهات بلدان عمان إلا وبها قوم منهم. وفيهم أفاضل وأعيان، ومنهم العلامة الفقيه الجليل السيد مهنا بن خلفان صاحب كتاب " لباب الآثار ". ومنهم الإمام المرضي عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد، وولده الفاضل سعود بن عزان الذي كاد أن يفوق أباه زهدًا وفضلًا وتقوى، حتى هموا بنصبه إمامًا بعد أبيه، فكان من قدر الله ما حال بين مرام القوم، والأمر لله.
ومنهم السيد الزاهد المعروف في عمان عند الخاص والعام بزهده وورعه سيف بن محمد من أهالي الشريعة من أعمال سمد الشان، ومنهم الشيخ الفاضل حمد بن سيف بن سعيد بن راشد، أحد أصحاب الشيخ السالمي ﵏، ومنهم الشيخ العلامة محمد بن مسعود المنجى وكان من أشهر فقهاء عمان الذين إليهم المرجع في الفتوى، توفي في أثناء العقد الثاني من هذا القرن قتيلًا في بيته على يد أحد الأشقياء رحمه الله تعالى، ومنهم السيد المحسن هلال بن أحمد، أفضل رجل في أهل عمان في زمانه، كان سيدًا فاضلًا محسنًا إلى الفقراء والمساكين وأهل العلم والطلبة
[ ٩٩ ]
وأخيار المسلمين، وكان مسكنه ببيت الحوز من مسقط. وفي أيامه سمي ذلك الوادي الذي بقرب بيته من الجانب النعشى وادي العور، حيث أمتلأ ذلك الوادي بالعميان من أهل عمان، يعيشهم ذلك السيد المحسن الجليل.
وفي آل أبي سعد أخيار وأفاضل وأعيان، وفيهم من القضاة في عصرنا هذا: المشائخ أحمد بن ناصر بن خلفان، وحمد بن سيف بن محمد، وحمد بن عبد الله، والكل من أهالي شريعة سمد الشان.
وإذا أردت زيادة إيضاح عن الشيخين خلف بن أبي سعيد وأخيه محمد بن أبي سعيد في أهل عمان، فقد ذكرهما الإمام السالمي ﵀ في تحفته، في الأحوال الواقعة بين بني هناءة وسليمان بن المظفر، حيث قال: وكان بنو هناءة من أقرب الناس إلى سليمان بن مظفر، وكانوا هم أكثر عددًا وعدة وبأسًا وشدة، وكان فيهما رجلان يليان أمرهما، وهما خلف بن أبي سعيد وسيف بن محمد بن أبي سعيد، وكانا عنده قدوة أهل زمانهم، فافترقوا، وذكر سبب الفرقة .. إلى أن قال: فعند ذلك سار خلف بن أبي سعيد إلى داره بلاد سيت، هو وبنو عمه، وكان سليمان بن مظفر يومئذ بالبادية، فعلم بذلك، إلى أن قال: فندب سليمان بن مظفر وزيره أن افعل في أموال بني هُنَاءَة
[ ١٠٠ ]
من القرية من كدم، وكانت تلك الأموال للشيخ خلف بن أبي سعيد، فوقعت العداوة والبغضاء بينهما، فأمر عند ذلك الشيخ خلف بني عمه أن أغزوا بهلى، فغزوها، فقتلوا من قتلوا منها، إلى آخر الأمر بينهم، على هذا الحال، ثم قام بالأمر بعد ذلك سيف بن محمد بن أبي سعيد اهـ، وطال الخطب بينهم وسليمان بن مظفر وأمراء بني نبهان، حتى ظهر هذا البطل المقدام أحمد بن سعيد فرعًامن ذلك الأصل، ليكون ملك عمان، ولسنا مشغولين الآن بالسير والتاريخ، ولكل مقام مقال، وإنما توسعنا في ذكر آل بو سعيد، لأنا قرأنا عنهم في السير الأجنبية، عن أضدادهم ما ساءنا، والحق هو المطلوب، وغير الحق هو المردود، ولا بدع إذا تاقت نفس أحمد بو سعيد إلى الملك، فأنه من ذلك العنصر المتغذي بماء الشرف الجاري في أعمدة المجد، والله يأتي ملكه من يشاء، فهذا نسب آل بو سعيد، فليأخذه من يريد أن يكتب عنهم، والله أعلم.