﷽
الحمد لله الذي فتح أبواب الرغائب، ومنح أسباب المواهب، زين الدنيا بمتاعها، ثم زهد فيها بانقطاعها، لا فرار منه لخائف، ولا قرار عنه لعارف، نحمده ونؤمله تأميلًا، ونسأله ونتخذه وكيلًا، ولا نبتغي عن طاعته مميلًا، ولا نهتدي إلى غيره سبيلًا؛ ونصلي على محمد عبده ورسوله المبعوث وغصن الدين يابس، ورسم اليقين دارس، فعاد به عود الدين أخضر ناضرًا، ووجه اليقين أزهر زاهرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ازداد بهم الحق إشراقًا، والخير انتظامًا واتساقًا، وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرا.
أما بعد فإن الله ﷿ وعلا اختار محمدًا ﷺ من عباده، واستخلصه لنفسه من بلاده، فبعثه إلى خلقه بالحق بشيرًا، ومن النار لمن راغ عن سبيله نذيرًا، ليدعو الخلق من عبادة عباده إلى عبادته، ومن اتباع السبل إلى لزوم طاعته، ثم لم يجعل الفزع عند وقوع كل حادثة، ولا الهرب عند وجود كل نازلة، إلا إلى النبي ﷺ، فسنته الفاصلة بين المتنازعين، وآثاره القاطعة بين الخصمين، وشرف
[ ١ / ٣٥ ]
شريعته وعظمها، ورفع خطرها على ما سواها من الملل وكرمها، وقيض لها من الحفاظ والوعاة، ويسر من النقلة والرواة، طائفة أذهبوا في تقييد شواردها أعمارهم، وأجالوا في نظم قلائدهم أفكارهم.
١ - أخبرنا أبو محمد يحيى بن علي المدير وأبو الحسن محمد بن أحمد الدقيقي ببغداد قالا أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب إجازة أنا أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار بن المثنى الاستراباذي ببيت المقدس ثنا محمد بن عبد الله الحافظ بنيسابور أنا حسان بن محمد قال قال شيخ من أهل العلم لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي! فإن الله بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة ومن الله تعالى علينا على رأس المائتين بالشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة ومن الله تعالى علينا على رأس الثلاثمائة بك حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة، وقد قيل في ذلك شعر:
اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم خلف السودد
الشافعي الألمعي المرتضى … خير البرية وابن عم محمد
أرجو أبا العباس أنك ثالث … من بعدهم سقيًا لتربة أحمد
فعظمت منهم الفائدة، وتوفرت لديهم العائدة، وتكاملت إليهم النعمة، وترادفت عليهم المنة، ونسأل الله إيزاع الشكر على ما خصنا به، وإدامة التوفيق فيما أهلنا له، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكان علم المعارف والأنساب لهذه الأمة من أهم العلوم التي وضعها الله ﷾ فيهم على ما قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
[ ١ / ٣٦ ]
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وأبو محمد هبة الله بن سهل السيدي وأبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن القاري وأم الخير فاطمة بنت علي بن المظفر بن زعبل بن عجلان البغدادي بقراءتي عليهم بنيسابور قالوا: أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي أنا عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي، ثنا زيد بن الحريش عن أبي همام ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ طاف يوم فتح مكة على ناقته القصواء ليستلم الأركان كلها بمحجنه فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل على أيدي الرجال. ثم أخرجوها إلى بطن الوادي فأناخوها ثمة، ثم خطب الناس على راحلته فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد! فإن الله ﷿ قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، إنما الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، ثم قال: إن الله ﷿ يقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
ومعرفة الأنساب من أعظم النعم التي أكرم الله تعالى بها عباده لأن تشعب الأنساب على افتراق القبائل والطوائف أحد الأسباب الممهدة لحصول الائتلاف وكذلك اختلاف الألسنة والصور وتباين الألوان والفطر على ما قال تعالى: "واختلاف ألسنتكم وألوانكم"، وكنت في رحلتي أتتبع ذلك وأسأل الحفاظ عن الأنساب وكيفيتها وإلى أي شيء نسب كل أحد وأثبت ما كنت أسمعه، ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وإمامنا أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي ذكره الله بالخير بما وراء النهر فكان يحثني على نظم مجموع في الأنساب وكل نسبة إلى أي قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أو جد أو حرفة أو لقب لبعض أجداده فإن الأنساب لا تخلو عن واحد من هذه الأشياء، فشرعت في جمعه بسمرقند في سنة خمسين وخمسمائة
[ ١ / ٣٧ ]
وكنت أكتب الحكايات والجرح والتعديل بأسانيدها ثم حذفت الأسانيد لكي لا يطول وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ ضبطها وأوردت النسبة على حروف المعجم وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحروف فابتدأت بالألف الممدودة لأنها بمنزلة الألفين، وذكرت الآبري في الألفين وهي قرية من سجستان والإبري بالألف مع الباء الموحدة وهذه النسبة إلى عمل الإبرة، وأذكر نسب الرجل الذي أذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده وأذكر شيوخه ومن حدث عنهم ومن روى عنه ومولده ووفاته إن كان بلغني ذلك، وقدمت فصولًا فيها أحاديث مسندة في الحث على تحصيل هذا النوع من العلم ونسب جماعة من أصول العرب وورد في الحديث ذكرهم وقد أذكر البلاد المعروفة والنسبة إليها لفائدة تكون في ذكرها والله تعالى ينفع الناظر فيه والمتأمل له بفضله وسعة رحمته.