﷽
الحمد للَّه الّذي فتح أبواب الرغائب، ومنح أسباب المواهب، زين الدنيا بمتاعها، ثم زهد فيها بانقطاعها، لا فرار منه لخائف، ولا قرار عنه لعارف، نحمده ونؤمله تأميلا، ونسأله ونتخذه وكيلا، ولا نبتغي عن طاعته مميلا، ولا نهتدي إلى غيره سبيلا، ونصلي على محمد عبده ورسوله المبعوث وغصن الدين يابس، ورسم اليقين دارس، فعاد به عود الدين أخضر ناضرا، ووجه اليقين أزهر زاهرا، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين ازداد بهم الحق إشراقا، والخير انتظاما واتساقا، وسلم تسليما كثيرا [كثيرا (^١)].
أما بعد فان اللَّه ﷿ وعلا اختار محمدا ﷺ من عباده، واستخلصه لنفسه من بلاده، فبعثه إلى خلقه بالحق بشيرا، ومن النار لمن راغ عن سبيله نذيرا، ليدعو الخلق من عبادة عباده إلى عبادته، ومن اتباع السبل إلى لزوم طاعته، [ثم (^١)] لم يجعل الفزع عند وقوع كل حادثة، ولا الهرب عند وجود كل نازلة، إلا إلى النبي ﷺ، فسنته الفاصلة بين المتنازعين، وآثاره القاطعة بين الخصمين، وشرف شريعته وعظمها، ورفع خطرها على ما سواها من الملل وكرمها، وقيض لها من
_________________
(١) من م.
[ ١ / ١ ]
الحفاظ والوعاة، ويسر من النقلة والرواة، طائفة اذهبوا في تقييد شواردها أعمارهم، وأجالوا في نظم قلائدها أفكارهم.
أخبرنا أبو محمد يحيى بن علي المدير وأبو الحسن محمد بن أحمد الدقيقي (^١) ببغداد قالا أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب إجازة أنا أبو سعد إسماعيل ابن علي بن الحسن بن بندار بن المثنى الأستراباذيّ بيت المقدس ثنا محمد ابن عبد اللَّه الحافظ بنيسابور انا حسن بن محمد قال قال شيخ من أهل العلم لأبى العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي! فان اللَّه بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة [ومنّ اللَّه تعالى علينا على رأس المائتين بالشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة (^٢)] ومنّ اللَّه تعالى علينا على رأس الثلاثمائة بك حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة، وقد قيل في ذلك شعر:
اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم خلف السؤدد
الشافعيّ الألمعي المرتضى … خير البرية وابن عم محمد
أرجو أبا العباس انك ثالث … من بعدهم سقيا لتربة احمد
فعظمت منهم الفائدة، وتوفرت لديهم العادة، وتكاملت إليهم النعمة، وترادفت عليهم المنة، ونسأل اللَّه ايزاع الشكر على ما خصنا به، وإدامة التوفيق فيما أهلنا له، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكان علم المعارف والأنساب لهذه الأمة من أهم العلوم التي وضعها اللَّه ﷾ فيهم على ما قال اللَّه تعالى:
_________________
(١) في نسخة: الرقيقى
(٢) من م.
[ ١ / ٢ ]
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ».
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن الفضل الفراوي وأبو محمد هبة اللَّه بن سهل السيدي وأبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن القاري وأم الخير فاطمة بنت على ابن المظفر بن دعبل بن عجلان البغدادي بقراءتي عليهم بنيسابور قالوا أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي أنا أبو العباس إسماعيل ابن عبد اللَّه الميكالى انا عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي ثنا زيد بن الحريش عن أبي همام ثنا موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر ﵄ ان رسول اللَّه ﷺ طاف يوم فتح مكة على ناقته القصواء ليستلم الأركان كلها بمحجنه فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل على أيدي الرجال، ثم أخرجوها إلى بطن الوادي فأناخوها ثمة، ثم خطب الناس على راحلته فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: اما بعد! فان اللَّه ﷿ قد اذهب عنكم عبسية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، انما الناس رجلان:
بر تقي كريم على اللَّه، وفاجر شقي هيّن على اللَّه، ثم قال: ان اللَّه ﷿ يقول: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم.
ومعرفة الأنساب من أعظم النعم التي أكرم اللَّه تعالى بها عباده لأن تشعب الأنساب على افتراق القبائل والطوائف أحد الأسباب الممهدة لحصول الائتلاف وكذلك اختلاف الألسنة والصور وتباين الألوان
[ ١ / ٣ ]
والفطر على ما قال تعالى: «وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ» وكنت في رحلتي أتتبع ذلك وأسأل الحفاظ عن الأنساب وكيفيتها وإلى اى شيء نسب كل أحد وأثبت ما كنت أسمعه، ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وإمامنا أبى شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي ذكره اللَّه بالخير بما وراء النهر فكان يحثني على نظم مجموع في الأنساب وكل نسبة إلى اى قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أو جد أو حرفة أو لقب لبعض أجداده فان الأنساب لا تخلو عن واحد من هذه الأشياء، فشرعت في جمعه بسمرقند في سنة خمسين وخمسمائة/ وكنت اكتب الحكايات والجرح والتعديل بأسانيدها ثم حذفت الأسانيد لكيلا يطول وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ ضبطها وأوردت النسبة على حروف المعجم وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحروف فابتدأت بالألف الممدودة لأنها بمنزلة الألفين وذكرت الآبري في الألفين وهي قرية من سجستان والإبري بالألف مع الباء الموحدة وهذه النسبة إلى عمل الإبرة، وأذكر نسب الرجل الّذي اذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده وأذكر شيوخه ومن حدث عنهم ومن روى عنه ومولده ووفاته ان كان بلغني ذلك، وقدمت فصولا فيها أحاديث مسندة في الحث على تحصيل هذا النوع من العلم ولسب جماعة من أصول العرب وورد في الحديث ذكرهم وقد اذكر البلاد المعروفة والنسبة إليها لفائدة تكون في ذكرها واللَّه تعالى ينفع الناظر فيه والمتأمل له بفضله وسعة رحمته.
[ ١ / ٤ ]