الحمد لله الاول قبل كُل كَيفِية والآخر بعد فناء كل البَريَّة. الذي لا تُدرك الأوهام كُنهه فيوصف. ولا له فيما خلق نظير فَيُعرَف. جل عن الصفة والأنداد. وتعالى أن يُشار إليه بالأولاد. فهو الواحد القهار. المَلِكُ الجبار. الذي لم يتخذ ولدَّا ولم يَكُن لهُ شرِيكٌ في الملك، ولم يكن لهَ ولىٌّ من الذُّل وكبرهُ تكبيرا.
[ ٣٦ ]
الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من ماء مهين. ثم سوّاه ونفخ فيه من روحة وقال) وجَعَل لَكمُ السَّمعَ والأبصَارَ والأفئدة قليلا ما تشكرون (وقال) ومن آياته خَلقُ السَّموات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (. وقال) وَجعلناكم شُعُوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللهِ أتقاكُم إن الله عَلِيم خبيرُ (.
وصلى الله على محمد النبي المبعوث عِند احلِولاكِ السُّبل، وتبديل المِلَك، وعلى عِترته الطيبين. وآله الطاهرين، وسلم عليه وعليهم أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أما بعد فإني نظمت هذا الكتاب وجمعت فيه أنساب العرب وتشعُّب قبائلها وافتراق معديها وقحطانيها، وجعلتها طبقة دون طبقة، فقد روينا عن الكلبي في رواية كتاب الأنساب أنه قال: إنما تعرف أنساب العرب على سِتَّ طبقات. فأولها شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطنُ وفخدُ، وفصيلة. وما بينها من الأنباء فإنما يعرفها أهلها.
فمضر شعب، وربيعة شعب، وحمير شعب وكهلان شعب وكذلك ما سواها من القبائل الكبارن وإنما سميت الشعب لأن القبائل تشعبت منها. وسميت القبائل لان العمائر تقابلت عليها، والشعب تجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطن، والبطن تجمع الافخاذ، والفخذ يجمع الفصيلةز فمضر شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقضى بطن، وهاشم فخذن والعباس فصيلة، وعلى هذا يجري.
وحدث محمد بن حبيب الهاشمي، عن ابيه أنه قال: إنما وضعت الشعوب والقبائلن والعمائر والبطون، والأفخاذ، والفضائلن والعشائر على تركيب خلق الإنسانن فلذلك سمي الانسان شعوبًا، وهو الشعبن لأن الجسد تشعب منه، ثم القبائل هو رأسه، وهي الاطباق. ثم العمائر وهو الصدر وفيه القلب، ثم البطون وهو البطن وفيه ما استبطن الكبدو الرئة والطحال والأمعاء، فصار مسكنا لهن ثم الأفخاذ والفخذ أسفل من البطن، ثم الفصائل وهي الركبة لأنها انفصلت من الفخذ، ثم العشائر وهي الساقان والقدمان لأنها حملت ما فوقها بالحب وحُسن المعاشرة، فلم يثقل عليه حمله، وقال القطامي سُميت العربُ - حين تفرقوا من إسماعيل بن إبراهيم، وقحطان بن هود بن عابر - الشعوب، وذلك حين تشعبوا. وقال الشاعر يذكر ذلك:
فبادوا بعد أنهم وكانوا شعوبًا شعبت من بعد عاد
ثم القبائل حين تقابلوا ونظر بعضهم إلى بعض في حلة واحدة وكانوا كقبائل الرأس.
قال الله تعالى) وجعلناكم شُعُوبا وَقَبَائل (يريد أهل اليمن وقبائل ربيعة وُمضر) لِتَعَارفوا إن أكرمكم عِندَ الله أتقاكُم (يذكر محمدا ﷺ وآله وسلم.
وقال صبيح بن معدان بن عدي بن أفلت الطائي يذكر ذلك:
قَبَائلُ من شُعُوبٍ لَيَس مِنهُم كَرِيمٌ قَد يُعدّض وَلَا نَجيبُ
وقال آخر في مثل ذلك:
قَبِيلة مِن شُعُوب ضَلَّ سَعيُهًم لا خَير فيهم سِوى كُثر من العدد
ثم العمائر حين غَمروا الأرض وسكنوها. قال رجل من بني عمرو بن عامر ربيعة بن صعصعة يقال فرازة. لحيَّين من مُحارب يقال لهما عامر ومساجم. أبن أبي السرى: مساجم بالجيم. قال:
عمائر من دون القبيل أبوهم نفاهم إلينا عامرٌ ومساجم
ضممناهم ضمّض الكريم بنانه فنحن لهم سلم وإن لم يسلم
ولغيره. في مثل ذلك:
لكل أناس من معد عمارة عروض إليها يلجأون وج
ثم البطون حين استنبطوا الأدوية ونزولها. وبنو البيوت من الشَّعر ودعم فقالت العرب بيت فلان، وبقي من آل فلان بيتان، وهم أهل أبيات. وقال من الأزد:
بطون صدق من ذوي العمائر مِ الأزد فانضمت إلى
وقال آخر:
استنبطوا أو ساروا وقد علموا إن لا رجوع لهم ماحبب
وقال عرار بن ظالم بن فرازة حين فارقتهم هاربة بنت ذبيان فحالفوا بني ثعلبة:
استنبطوا البطن لا يألون ما رفعوا بذل الجمال فلم تُرفع لهم
كانوا لنا قوم صِدق من عمائرنا أيام آبائهم للحل عمّهم
ثم الأفخاذ، والفخذ الأصغر. وقال الأريجي في مثل ذلك:
مقري نبي أرحب للضيف مُترعة وكل مقرى لكم تأتيه
[ ٣٧ ]
إني امرؤ صادق رأيي وكلكم إذا راموا غدايانهم
ثم الفصائل، وهي الفصيلة، وهم الأحياء حين انفصلوا من الأفخاذ، قال جل ذكره) وفصيلته التي تُؤوبه (. وقال الكلبي لقوم حالفا بني معد مدلج:
فصيلة باتَتْ من الأفخاذ فخالفت جَهْلاّ بني معاذ
ثم العشائر حين انضم كل نبي أب إلى أبيهم دون غيرهم، فحسن تعاشرهم. وقال هذييل بن قُتَيب الطائي لبني ثعلبة بن حارثة بن لأم فقال:
وكنت لكم عشيرا من أبيكم فلا صَفَدَّ لاو لا قول جميل
فصرت لكم عدوا ما بقيتم بني الميقات ما لنجح الأصيل
وليس بعد العشيرة شيء تنسب إليه العشيرة مثل عبد مناف وظنرائهم من القبائل.
وقد روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيّه ﵇) وَأنْذِرْ عَشِيَرتَك الأقْرَبيِنَ (خرج ﷺ يمشي حتى قام على الصَّفا، ثم قال: يا آل فِهْر فجاءته قريش كلها، فقال له عمه أبو لهب هذه فِهْر كُلُّها عِنْدَك فقال النبي ﷺ: يا آل غالب. فرجع بَنْو مُحَارِب بن فِهْر وبَنُو الحارث بن فِهْر، وبقي بنو غالب بن فهر. ثم قال: يا آل لُؤَيّ فرِجع بنو الأدْرَم، وهم تَيْمُ بن غالب، وبقي لؤي بن غالب. فقال: يا آل كَعْب. فرجع بنو عامر بن لؤي، وبقي بنو مُرَّة فقال يا آل مرة بن كعب فرجع بنو جمع وبنو سهم ابني عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عَدِي بن كعب. فقال يا آل كِلاب. فرجع بنو تميم بن مُرَّة، وبنو مخزوم بن يقظة. فقال: يا آل قُصَيّ. فرجع بنو زُهْرة بن كِلاب. فقال يا آل عَبْد مناف. فرجع بنو عبد الدار ابن قُصَيّ، وبنو أسيد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، فقال له عمه: هذه عبد مناف عندك. فقال ﷺ: إن الله جَلَّ وعزَّ أمرني أن أنْذِر عَشِيرتي الأقْرَبين، وأنتم الاقربون إلى مِنْ قريش كلها، وإني لا أملك لكم من الله حَظًا ولا من الآخرة نصيبًا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فأشهدُ بها لكم عند ربكم، وتدين لكم العرب، وتذل بها لكم العجم. فقال له أبو لهب: تَبًَّا لك، ألهذا دعوتنا؟ ف، زل الله جل ذكره) تَبَّتْ يدا أبِي لَهَبٍ وَتَب (أي خسرت يدا أبي لهب وخسر.
وبدأت في الأنساب بذكر نسب مَعَدّ بن عدنان وقدمته على نسب يَعْرُب ابن قحطان، لأن منهم نبينا محمد ﷺ، فلم أر أن أذكر نسبه بعد أنساب ولد يَعْرُب بن قحطان، كما فعل بعض أهل النسب. وقد تَقَدَّم ذكر نسب يَعْرب بن قحطان على مَعَدّ بن عَدَّنان، وقال إنما قدم لأن يعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية.
وروى عن الشعبي أنه قال، قال رسول الله ﷺ " رأيت حين عُرِجَ بي إلى الجُدُود فرأيت جَدَّ قَيْس بروضة خضراء ينبع منها الماء. فأوَّلْت ذلك شراء أموال وتدفق بالنوال. ورأيت جد عامر بن صعصعة في النار ورأيت جملا أورق مقيدا بعضهم يأكل من عروق الشجر ويخبط الورق فأولته عددًا كثيرًا. ورأيت جد فزارة رجلا جملا مُقْحَما في الناس يمرُّ الناسُ بين يديه ورجليه، فأولته أنه لا يزالون يَلُون عَمَلًا على أمتي. ورأيت جد ثقيف جملا أجرب لا يَمُرّ بشيء إلا لَطَخَه وغَّيَّره فأولته أنه لا يقربهم أحد إلا أجربوه. ورأيتُ جد تميم صَخْرةً في النار لاتقع على شيء إلا أسقطته، فأولته أنه لايضرهم مَن كَادَهم. ورأيت جَدَّ بَكْر بن وَائِل فَرَاشًا يتهافت في النار، فأولته أنهم أسرع الناس إلى الشرَّ، ورأيت جَدَّ قضاعة شجرة خضراء كثيرة الأعصان ثابته الأركان، فأولته عددًا كثيرًا وعِزًّا باقيًا، ورأيت جَدَ اليَمن فرأيت الحياء والكرم، ورأيت رجلا أزرق أحمر قصيرًا يَحُرّ قُصَبَه في النار. فقلت: من هذا؟ فقيل لي عمرو بن لحي ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، ومن ولده أكثر بطون خزاعة، وفيه وفي ولده كانت سدانة البيت، وهو أول من عَبَد الأصنام، وبَدَّل الحنيفيَّة، وبَحَّر البحيَرة، ووصَل الوصيلة، وسَيّب السائبة، وحمى الحَامِ وغيَّر دين إسماعيل ﵇.
[ ٣٨ ]
فأما البحيرة فإنها كانت الناقَةُ إذا نَتِجت خمسة أبطن، عمدوا إلى الخامس مالم يكن ذكرا ففتقوا أذنها وجُلُودها لا يُجزُّ لها وَبَرٌ ولا يذكرون اسم الله عليها إن ذُكَّيَت، ولا يُحْمَل عليها شيء، وكانت ألبانها للرجال دون النساء.
وأما الوَصَيِلَة فكانت الشاة إذا وَضَعَت سبعة أبطن، عمدوا إلى السابع فإن كان ذكرا ذُبحَ، وإن كان أنثى تُرِكَ في الشاء، فإن كان ذكرا وأنثى قيل وَصَلَت أخاها فَحرُما جميعا وابن الأنثى منهما للرجال دون النساء.
وأما السائبة فإن الرجل كان يسيّب لآلهته ماله لشيء إما نذرا وإما تَطُوعًا، إما بهيمة أو إنسانا، فيكون حَرَاماَ أبدا، نَفعُها للرجال دون النساء.
وأما الحامُ فالفحل إذا أدركت أولاده فصار ولده جَذَعا قالوا: حمى ظهره، أتْرُكُوه، فلا يُحْمَل عليه، ولا يُرْكب، ولا يُمَنَع ماءً ولا مَرْعىً. فإن ماتت هذه الذي جعلوا لآلهتم أشركوا فيها الرجال والنساء وهو الذي أراد الله بقوله ﷿) وَقَالُوا مَا في بُطُونِ هذِه الأنْعَامِ خَالِصَةً لِذَكُوُرِنَا وَمُحَرَّمُّ عَلَى أزْوَاجَنا (قال الله ﷿) وإنّ يَكْنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ (وحملني أن أنظم في هذا الديوان كتابا في الأنساب لأنه قد تقدم لنا كتاب يُبَيّنُ الحكمة في الحِكَمِ والأمثال، وبعده كِتَابُ مُحْكم الخَطَابة في الخطب والرسائل. وجعلت مُوَضّح الأنساب واسطة، وبعده كتاب ممتع البلاغة في الوفود والوافدات، وإليه كتاب أنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسماء، لأن هذه الأربعة الأجزاء التي.