قال إنما أهلكهم الله بعقرهم الناقة، ثَبَت المُلك من بعدهم ورَجَع إلى قحطان بن هود وولده وسكنوا اليمن، وكان الملك قد تحول إلى قحطان بن هود وولده بعد أن أهلك الله قومٌ عاد، وهم بنو عمَّهم، وكان قحطان بن هود أوّل من مَلَك اليمن، وأوّل من سُلِّمَ عليه بأبيت اللَّعْن كما كان يَقال للملوك من بعده، واليمن كلُّهم من ولده، وجماعهم اليه، وسُمي ولدُه اليمن حين تيامنوا إليها ونزلوا بها، وكان بنو عمهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح مًلُوكا من تحت أيديهم، فلَّما أهلكهم الله بعقرهم الناقة ثبت الملك في ولد قحطان قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الباهلي: أجمع النساب على أن اليمن من ولد قحطان من هود - إلى آخر الباب إلى قوله البيئيون لا يسلبهم إلى ذلك ثم يتلوه قال فلم يزل الملك في ولد قحطان بن هود مُذ أهلك الله قوم عادٍ، وثَمُوُد يتوارثونه من أبيهم قحطان بن هود من ذلك العهد إلى أن جاء الله بالإسلام، وبعث نبيه محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد كان سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان لما كبر سِنُّه وضَعُف بَصَره وجسمه.
والحيّ الثاني ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح وهم بنو عمهم، فعاد وثمود هم العرب العاربة.
[ ٢٩ ]
فأما عاد فإن الله أرسل إليهم نبيه هودا ﵇، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لأحدهم صَدّاء والآخر صَمُود والثالث الهباء. فدعاهم إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون غيره، وترك ظُلْم الناس فكذبوه، وقالوا من أشدُّ مِنَّا قوّة؟ فلم يؤمن بهود منهم إلا القليل، فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم، فقاب لهم) أتَبْنُونَ بِكُلَّ ريِعٍ آيةً تَعْبَثُون وتتّضخَذُونَ مَصَانِع لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون وإذا بَطَشْتُم بطشتُم جَبَّارِيَن فأتَّقُوا الله وأطِيعُون وأتَّقُوا الَّذي أمَدَّكُم بما تَعْلَمْونَ أمدَّكُمْ بأنْعَامٍ وبنين وجَنَّاتِ وعُيُون إني أخافُ عَلَيْكُم عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم (فكان جوابهم له) سَواءٌ عَلَيْنَا أوَعْظتَ أمْ لَمْ تَكُن مِنَ الوَاعِظين (وقالوا) ياهُودُ مَا جئتنا بَبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتَنل عَنْ قَوْلِك وَمَا نَحْنُ لَكَ بُمؤمِنِين إنْ تَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتَنا بِسُوء (فحبس الله عنهم القَطر فيما ذكروا. سنين ثلاثا حتى جهدوا، وتوالت عليهم في تلك الثلاث السنين الريحُ تهبُّ عليهم بغير مطر ولا سحاب، فجمعوا من قومهم تسعين رَجُلًا وبعثوا بهم إلى مكة يستسقون لهم، وكلن سكان مكة في ذلك الوقت العماليق، وعيهم بكر بن معاويى العمليقي، وكان من قصتهم كما ذكر ابن إسحاق. قال: إن عادًا لما أصابهم الله بالقحط ما أصابهم، وجهدوا قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة فليستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عُفير. وكان مسلما يكتم إسلامه. وجلهمة بن الخبيري خال معاوية بن بكر العمليقي أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن عاديا من بني ضد بن عاد الأكبر، فأنطلق كل واحد من هؤلاء القوم ومع كل رجل منهم رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر العمليقي وهم بظاهر مكة خارجا من الحرم. فأنزلهم وأكرمهم، فكانوا أخواله وأصهاره، وكانت طويلة بنت بكر أخت معاوية وأمه وأمها بنت الخبيري عند لُقَيْم بن هُزَال بن هزيل بن عبيل بن ضد بن عاد الأكبر، فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال بن هزيل، وعمرو بن لُقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال، وعمير بن لقيم بن هزال كانوا في أخوالهم بمكة عند معاوية بن بكر العمليقي - وكان مسيرهم شهرا، ومقامهم شهرا، فأقاموا عنده يشربون الخمر وتغيبهم الدرادتان - قينتان لبكر بن معاوية العمليقي - فلما رأى معاوية طول مقامهم. وقد بعث بهم قومهم. يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم سقَّ ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري، زهؤلاء مقيمون عندي، وهم أضيافي نازلون عليَّ، والله ما أدري كيف أصنع بهم؟ أستحي أن آمُرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنوا أنه ضاق بي مقامهم عندي، وقد هلك من قومهم من وراءهم جهدًا زعطشًا كما قال، فشكا ذلك من أمرهم قَيْنَتَيْه الجَرَادَتَيْن، فقالتا: قل شِعْرا نغنيهم به، لا يدرون من قاله، لعل ذلك يحركهم. فقال في ذلك معاوية بن بكر حين أشارتا عليه شعرا:
ألا يا قيل قمْ فِينا فَهَيْنهم لَعَلَّ الله يصحبنا غماما
وقد يسقى أرض عادٍ إن عادًا قدَ أمْسوا لا يبينون الكَلاما
من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كلنت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم أيَامَا
وإن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لِعَادِيةٍ سِهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتَهَيْتُم نهاركم وليلكم نياما
فقبح وفدكم من وفد قومٍ ولا لقي التحيَّة والسَّلاما
قال فلما قال معاوية ذلك الشعر غنتهم به الجرادتان، فما سمع القوم ما غنتا به قال بعضهم لبعض: ياقوم، إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم. فقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم هودا سُقيتُم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُهْلَمة بن الخبيري خال معاوية بن بكر حين سمع قوله وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به:
[ ٣٠ ]
ألا يا سعد إنك من قبيل إلى عاد وأمك من ثمود
أتأمرنا لنترك دين رفد وزمر آل ضد والعتود
ونترك دين آباء كرام ذوي رأي ونتبع دين هود
فإنا لن نطيعك ما بقينا ولسنا فاعلين بما تريد
ورفد وزمر وضد والعتود قبائل من قبائل عاد. وقد تقدم ذكرهم. ثم قال لمعاوية بن بكر وابنه بكر: احبس عنا مرثد بن سعد. ولا يقدمن معنا مكةن فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى ادركهم بها قبل أن يدعوا الله بشئ مما خرجوا له، فلما انتهى اليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد وقد اجتمعوا يدعون الله. فقال: اللهم اعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في وفد عاد مما يدعوك به وقد كان قيل بن عنز رأس وفد عاد فقال وفد عاد بن عادياز وكان سيد عاد. اللهم اعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله حتى إذا فرغوا من دعائهم قال وكان قد تخلف عن وفد عاد نعمان بن عك فقال: اللهم إني جئتك وحدي فأعطني سؤليز وقال قيل بن عنز حين دعا: يا إله هود، إن كان هود صادقًا فأسقنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مناد من السحاب: يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب؟ فقال: اخترت السحابة السوداءن فأنها اكثر السحاب ماءز فناداه مناد اخترت رمادًا أرما، لا يبقي من عاد احد ابدًا، ولا والد ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا اللوذية المهدي وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال بن قزيل بن هزيلة بنت بكر، كانوا سكانا بمكة عند اخوالهم. لم يكونوا مع عاد بأرضهمن فهم عاد الاخرة، ومن كان نسلهم الذين بقوا من عاد وساق الله السحابة السوداءز فيما يذكرون. التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيثن فلما رأوها استبشروا و» قالوا هذا عارض ممطرنا «يقول الله تعالى» بل هوما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر دبها «أي كل شئ مرت به، وكان اول من أبصر مافيها، وعرف أنها ريح فيما يذكرون. أمراة من عاد يقال لها مهدد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما افاقت قالوا: ماذا يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النيران، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم» سبع ليال وثمانية أيام حسوما «، كما قال الله تبارك وتعالىز والحسوم: الدائمة. فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك، فأعتزل هود. فيما ذكر لي. ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه منها إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الانفس، وأنما لتمر من عاد بالطعن ما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة.
عن العباس بن الوليد، عن محمد بن اسحاق قال: لما خرجت الريح على قوم عاد من الوادي قال سبعة رهط منهم، احدهم الخلجان، وكان فيما يقال إنه رئيسهم في ذلك الزمان وكبيرهم. فقال للسبعة الرهط: تعالوا حتى نقيم على شفير الوادي. فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله ثم ترمي به فتدق عنقه، فتركتهم كما قال تعالى» كأنهم اعجاز نخل خاوية «حتى لم يبق منهم إلا الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه فهزه فأهتز في يده، ثم أنشأ يقول:
لم يبق إلا الخلجان نفسه يالك من يوم دهاني أمسه
بثابت الوطء شديد وطسه لو لم يجئني جئته أجسه
فقال له هود: ويحك يا خلجان، اسلم تسلم. فقال ومالي ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، فقال: فما لهؤلاء أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت؟ قال هود: تلك ملائكة ربي. قال: اسلمت اينقذني ربك منهم؟ قال ويلك، هل رأيت ملكًا يعيذ من جنده؟! قال لو فعل ما رضيت ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه. أو كلامًا ماهذا معناه. فأهلك الله الخلجان وأفنىخلا من بقي منهم بمكة، ونجى هودا ومن آمن به.
[ ٣١ ]
وعن السدى: وذلك ان عادا لما كفروا وطغوا أتاهم الله هود فوعظهم، وذكرهم بما قص الله في القرآن. فكذبوه وكفروا، وسألوا أن يأتيهم بلآ آية؟ فقال» إنما العلم عند الله وابلغكم ما ارسلت به «وإن عاد أصابهم حين كفروا قحط من المطر وجهد حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا، وذلك أن هودًا دعا عليهم فخرجت عليهم الريح العقيم من موضع قدر عسقة خاتم، وهي الريح العقيم التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والارض. وتقطعهم الجبال، فلما رأوها تبادروا إلى البيوت. فلما دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم اخرجتهم من البيوت وأصابتهم» في يوم نحس مستمر «والنحس هو المشئوم ومستمر: استمر عليهم العذاب» سبع ليال وثمانية ايام حسوما «حسمت كل شئ مرت به.
فذلك قوله تعالى» كأنهم أعجاز نخل منعقر «وقال في موضع آخر» كأنهم أعجاز نخل خاوية «أي خوت فسقطت، فلما اهلكهم الله ارسل عليهم طيرًا أسود فنقلهم إلى البحر فألقاهم فيه. ولم ترخج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالهان فذلك قوله تعالى» فأهلكوا بريح صرصر عاتية «والصرصر ذات الصوت الشديد.
وكان وهب بن منبه يقول: إن عادًا لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها، وتهدم عليهم بيوتهم، ومن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم.
وقيل في قوله تعالى» ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات المعاد التي لم يخلق مثلها في البلاد «. قال قوم: أراد قوم عاد بن أرم بن سام بن نوح فنسبهم إلى ارم. وقال بعضهم: إرم اسم مدينتهم والله اعلم.
وكانت عاد اثني عشر قبيلة، كلهم هلكوا الا بني الخلود، وهم الفخذ الذين منهم هود ﵇ وكان هود ﵇ قد اعتزلهم ومن معه من المؤمنين في حظيرة فأنجاهم الله من العذابز وقال المهلهل بن جبيل شعرًا في ذلك:
لو أن عادًا سمعت من هود واتبعت طريقة الرشيد
وقد دعا بالوعد والوعيد عاد بالتقريب والبعيد
ما اصبحت عاثرة الجدود ولهى على الانوف والخدود
ساقطة الاجساد بالوصيد ماذا جنى الوفد من الوفود
أحدوثة للابد الابيد.
وقال مرثد بن سعد:
دعاهم خيفة للرشد هود فما تقع التذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتوا أصابهم ببغيهم العذاب
فلما أهلك الله قوم هود ﵇، وهم قوم عاد. أقام هود بحضرموت مع أصحابه في خصب وخفض عيش، وتوفي بحضرموت وقال بعض: لحق هود ومن آمن معه بمكة، ولم يزالوا بها حتى ماتوا والله اعلم.
وكان قحطان بن هود ممن آمن بأبيه هود ﵇: وهو أبو اليمن كلها، وهو أول من نزل بأرض اليمن بولده وملكها بعد قوم عاد، فسموا ولده اليمن حين تيامنوا إليها ونزلوها، وكان قحطان من المؤمنين. وقال في ذلك تبع الاسعد وهو أبو كرب الحميري:
جدنا قحطان الهدى وأبو قحطان هود ذو الحقف
ثمت المهدى نوح جدنا نسبة معروفة لا تختلف
وكان هود رجلا أدما، كثير الشعرن حسن الوجه، وكان عمره مائة وخمسين سنة.